Save

‫المــتــخــيّـل الــديــنـي واللامعقول في مــشــروع نــقــد الــعقــل لمحمد أركون ومحمد عابد الجابري: -دراسة تحليليّة- مقارنة-‬

The Religious Imagry and the Irrational in Mohammed Arkoun and Mohammed Abed al-Jaberi's Critique of Reason: A Comparative Analytical Study

于Philosophical Studies Journal
著者:
يوسف بن عدي [Youssef Ben Addi] أستاذ محاضر مؤهل، كليّة الآداب والعلوم الأنسانيّة، جامعة محمد الخامس (Muhammad V University, Dep. of Art) الرباط، (Rabat) المغرب (Morocco)

Search for other papers by يوسف بن عدي [Youssef Ben Addi] in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close
https://orcid.org/0009-0008-7843-8797

ملخص

ترصدُ هذه الورقة البحثيّة مفهوميْ المتخيّل الديني واللامعقول في مشروعيْ كل من محمد أركون ومحمد عابد الجابري، اللذين عُرفا بنقدِ العقل العربي والإسلامي. معلوم أنّ هذين المفكرين يختلفان من حيثُ أدوات قراءة التراث العربي وتحليلاتهما المنهجيّة وتوسلهما معطيات علوم الإنسان والفلسفة الحديثةِ. وقد أسفرَ عن هذا اختلافِ مقاربتيْهما لمفهوميْ اللامعقول والمتخيّل الديني بمختلفِ أنواعه وحضوره؛ ولكن ذلك لا يمنعُ توافقهما في ترسيخ مبادئ العقلانيّة النقديّة في الفكر العربي. ومن المؤكد أنَّ أركون اختار مفهوم المتخيّل الديني بمثابةِ مجال إجرائي ونظري لتفكيك بنيات الثقافة العربيّةِ الإسلاميّةِ، وقد وظف في هذا المعرض رؤى ومناهجَ تنتسب إلى علم الاجتماع الديني واللسانيات والأنثروبولوجيا الثقافيّة والسيميولوجيا، مما أسعفهُ في كشف مساحات كبيرة ظلتْ مهمشةٍ ومنسية وفي مجال اللامفكر فيه. وهنا يبدو لنا أنَّ محمد عابد الجابري يشترك معه في فهم بنيات عالم اللامعقول في التراث على أضواء النقد الإبستيمولوجي الّذي يميّزُ بين الحقيقة والخطأ، ليمسي اللامعقول ضمن نظام العرفان والعقل المستقيل المناهض لنظام البرهان. من هنا نحاجج أنّ اللامعقول يجري مجرى المتخيّل الديني، لأنّه يستعمل آلياتهِ ووظائف من صور ذهنيّة وممارسات ثقافيّة لتحقيق مآرب سياسيّة وأيديولوجيّة؛ ثم نبين توافق المفكريْن على أرضيّة مشتركة تتجلى في مجابهة البنيات المعيقةِ للعقلاّنيةِ والأنسةِ والتحديث ونبدي أخيرا جملة ملاحظات نقديّة متعلقة بطبيعة مفهوميْ المتخيل الديني واللامعقول، وعلاقتهما بخطوات المنهج عند أركون والجابري‪.‬

Abstract

This paper examines the concepts of the religious imaginary and the irrational within the critical projects of Arab-Islamic reason developed by Mohammed Arkoun and Mohammed Abed al-Jabri. While Arkoun, drawing on the human sciences, employs the religious imaginary to deconstruct the deep structures of Arab-Islamic culture and recover what has been marginalized or left unthought, al-Jabri adopts an epistemological approach to analyze the irrational as forms of gnosis and knowledge opposed to reason and demonstration. I argue that, despite their methodological differences, both thinkers contribute to the formation of a critical rationality in contemporary Arab thought.

تقـديم

يعبّر مفهوما المتخيل الديني واللامعقول في مشروع نقد العقل لمحمد أركون (ت.2010م) ومحمد عابد الجابري (ت.2010م) عن نزعتهما النقديّة وقراءتهما الفعالةِ للتراث الفلسفي العربي؛ فإذا كان المتخيّل الديني يمثلُ جملة من الصور الثقافيّةِ والدينيّة التي تتسربُ إلى الذهنيّةِ الجماعية ويتم التعبير عنها من خلال الثقافة الشعبيّة بأشكالها المختلفة من الممارسات الفنيّة والرمزيّة، والتعبيرات المكتوبة والشفاهيّةِ، فإنَّ فمفهوم اللامعقول[اللاعقل] رمز نظام العرفان والعقل المستقيل الّذي يعمل على مناهضة نظام العقل والبرهان؛ وهذا ضمن صراع النظم المعرفيّة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة. يتبيّن لنا من خلال مفهوميْ المتخيّل الديني واللامعقول أنّهما ينطلقان من فرضيات نظريّة وإحداثيات منهجيّة مختلفة، إنْ لم نقلْ جذريّة، وذلك عندما نعرفُ أنّ مداخل البحث في المتخيّل الديني لدى أركون تستند إلى حقول علم الاجتماع الديني، والأنثروبولوجيا الثقافيّة ومباحث اللغويات…والتي ترى أنّ العقلانيّة لم تعد كما كانتْ في العصر الحديث عقلانيّة صارمة تطرد من دائرتها ومجالها كل ما يتنسبُ إلى الخيال، وإنّما تحولت، هذه الأخيرةِ، إلى عقل بمعية الخيال، والعقل مع المخيال مما قلب موازين التفكير النقدي في الثقافة العربية والتراث. ونعرفُ أيضاً، في هذا المعرضِ، كيف أنّ الجابري يؤمنُ بعقلانية الأنوار، ومنجزات تاريخ العلوم ونظريات المعرفة العلميّة حيثً صار العقل عقلاً وضعانياَ [positivisme] يطردُ كلّ ما هو غير علمي، أو ما لا يمتُ برابطة أو صلةٍ بالعقل. يتحقق لنا من هذه المقدمة أنّ مجال تقاطع محمد أركون ومحمد عابد الجابري يكاد يختفي، أو هو كذلك، لكنّي أرى أنَّه رغم وجود هذا التباعد فهما يشتركان في الغايّة القصوى التي تظهرُ بجلاءٍ في نقد آليات المتخيل، سواء كان دينياً أو فلسفياً؛ إنّ عالم المتخيل الديني وعالم اللامعقول هما عالم واحدٌ؛ إذ يعملان على توظيف الصور الذهنيّة والأيديولوجيّة والممارسات التعبيرّية. صحيح أنّ أركون اتخذ المتخيل الديني أداةٍ إجرائيةٍ معياريّة وذهب بها إلى تناول الثقافة الشفاهيّة والشعبيّة التي هي جزء من مشروعه البحثي والعلمي، وصحيح أيضاً أنّ سكوت الجابري عن نقد هذه الثقافة لم تكن ضمن جدولِ أعماله الفلسفيّة والنظريّة، واكتفى بالثقافة العالمةِ، فيبدو لنا أنّهما يتقاطعان ويشتركان في نقد امتدادات المتخيّل الديني وحضوره المعيق في تأسيس العقل النقدي والعقلانيّة النقديّة. لذلك نسجل أنّ نقود أركون القاسيّة للعقل الدوغمائي ووضعه للسياجات الدينيّة تحت ذريعة الأحكام والحدود، مشابهُ تماماً، أو يكاد، لنقود الجابري ضد نظام العرفان وميثولوجيا الإمامة، وتشريع الشافعي لحدود العقل‪.‬

ينطلق مبررنا النظري والفلسفي في مقارنة المفكرين، أركون والجابري، من قدرتهما على تفكيك اللامعقول والمتخيل الديني1 في الثقافةِ العربيّةِ الإسلاميّة. ولمزيد من الإيضاحِ نقول إنّ قراءتهما للتراث العربي شكلّتْ خطوة نقديّة لا فتة؛ جاء نقد أركون نقداً لاهوتياً، أمّا نقد الجابري فقد كانا نقداً معرفيا-ابستيمولوجيا؛ ونفهمُ على هذا النحو أنّ مرجعياتهما الفلسفيّة والمعرفيّة تمثلُ وجهين للعقلانيّة: عقلانيّة الأنوار، وعقلانيّة الحداثة البعديّة. رغم كلّ هذا فهما ينطلقان من الإيمان بالعقل والتنوير. من ثمة، يتقاطع أركون والجابري في نقد اللامعقول، ولا يتقاطع الجابري وأركون في قراءات القرآن الكريم وفق رؤيّتهما النقديّة المشار إليها أعلاه، وقد يحس القارئ أنّ الجابري كان تقليدياً في تعاطيه مع النص الديني مقايسة مع مشروع أركون في قراءات القرآن، فإنّهما ينسجمان مع خطتهما المنهجيّة وأفقها النظري، والهاجس السياسي والأيديولوجي‪.‬

ومع هذا كلّهِ، فقد تناول محمد أركون ومحمد الجابري المتخيّل الديني واللامعقول، بمظاهرهما السياسيّة والثقافيّة والاجتماعية، في مشروع نقد العقل من زاويتين منهجيتين: المنهج الأركيولوجي والنقد الأبستمولوجي، يتطلع الأول إلى تفكيك النظم المعرفيّة والفلسفيّة والكشف عن اللامفكر فيه، بينما يراهنُ الثاني على الفصل بين الحقيقة والخطأ، بين العقل واللاعقل، أو العقل والخيال. كلّ ذلك سينعكس على رؤيتهما الثقافيّة والأيديولوجيّة لتحقيق العقلانيّة والنهضة، زد إلى ذلك، أنّنا سنتعامل مع نصوص أركون والجابري مباشرة دونما بحث في أصول مرجعياتهما والرؤى الفلسفيّة والنظريّة والعلميّة التي دفعتهما إلى توظيف مفاهيم مثل القطيعة والعائق والمتخيّل واللامفكرفيه…إلخ، والتي تعود إلى فلسفات وأنساق أسهم في انتاجها كل من باشلار (ت.1962م Bachelard)، وسارتر (ت. 1980م Sartre)، وميشيل فوكو (ت.1984م Foucault)، ودوران (ت.2012م Durand). من هنا يبدو لنا أنَّ الخوض في أصول ومرجعيات محمد عابد الجابري ومحمد أركون ومدى تحقيق المماثلة أو الاختلاف في ضوء مقتضيات التراث الفلسفي العربي والفكر العربي هو بحث سنفردُ له ورقة مستقلة‪.‬

لمّا كان القاسم المشترك بين محمد عابد الجابري ومحمد أركون هو الممارسة النظريّة النقديّة، والمجهودات التركيبية التي تنصبُّ على موضوع العقل، فإنّ الانفتاح المنهجي والبحثي أدّى بهما إلى مقاربة موضوع المتخيّل ومظاهره وبنياتهِ وتفكيك نظام اللامعقول وعناصره ضمن أفق مشترك وهو تحديد طبيعة اشتغال المتخيل الديني من جهة أولى، وحضور اللامعقول ومفاهيمه من جهة ثانيّة‪.‬

إنَّ نقد أركون للمتخيّل الديني- كما سنرى- هو نقد للصور التاريخية والدينيّة التي تكرستْ في التراث العربي الإسلامي بمثابة بديهيات لا تقبل النقد ولا المساءلة. بل إنّها رسمتْ للعقل الكلاسيكي حدوداً ضمن صراع السيادة في الإسلام، ومن ثمة كان أركون يطمحُ في مشروعه النقدي إلى إعادة قراءة المتخيل الديني على أضواء منجزات الفكر الفلسفي الغربي. من جهته، استطاع الجابري رسم معالم “المتخيل الديني”الّذي يتخذ في نصوصه النقدية اسم “عالم اللامعقول” علاوة على فرضيات النقد الإبستمولوجي[Épistémologie]2 الّذي يميّز بين الحقيقة والخطأ؛ يعني هذا أنّ الجابري ألحقَ الحقيقة بالعقل والبرهان، وجعل الخطأ واللامعقول حليف نظام العقل المستقيل، والعرفان عامةً. وعلى هذا النحو من النظرِ، نقول إنّ الرؤيّة المنهجيّة والخلفيّة الفلسفيّة والمعرفيّة كانت وراء هذه المواقف إزاء العقل والمتخيل فضلا عن أنّ الهاجس السياسي والأيديولوجي لدى الجابري منسوبهُ مرتفع إذا ما تمّ قياسهُ بهاجس أركون الّذي كان منهجياّ بشكل ملحوظٍ في أعماله ونصوصهِ. يتحصل لنا إذن أنَّ منهج الحفر أو النقد الأركيولوجي (Archéologie)3 لدى أركون أدى إلى بناء مفهوم المتخيّل الديني في الثقافة العربيّةِ الإسلاميّة على أساس دراسة أنماط الخطابات وتشكلها وأنظمتها مما أفضى به إلى اكتشاف اللامفكر فيه والمهمش والمنسي. قد تظهر هذه المفاهيم لدى الجابري حيث يكتشفها من خلال نقده للامعقول على مستوى الأيديولوجيات من حيث نشوءها كميثولوجيا الإمامةِ، على سبيل المثال لا الحصرِ، التي تعبّر عن فئات مهمشة أو على هامش السلطة السياسيّة في فترات من تاريخ الثقافة العربيّة، وهو ما سنوضحهُ لاحقاً. إذاً، نخلص مما سق، أنّ عالم المتخيل الديني واللامعقول في مشروع نقد العقل عند كل من محمد أركون ومحمد عابد الجابري يروم تحرير العقل العربي الإسلامي من السياج المغلق، واللامعقول الفيضي‪.‬

استطاع الجابري أن يراهن على نقد علمي للعقل العربي بغرض نقد اللامعقول على وجه التحديد؛ وذلك من خلال التمييز المنهجي والنظري ببن النظم المعرفيّة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة، فضلا عن ذلك التمييز بين المحتوى المعرفي والوظيفة الأيديولوجيّة في التراث الفلسفي القديم. في المقابل حظيَّ المتخيّل الديني في أعمال محمد أركون باهتمامٍ لافتٍ إلى درجة أنّه صار النواة الصلبة في مشروع نقد العقل الإسلامي على أساس العديد من الاعتبارات أهمّها: أولاً؛ التطور المشهود في الدراسات الإنسانيّة والعلميّة في حقل المتخيّل. ثانياً؛ لم يعد في الفلسفات الغربيّة المعاصرة التفريق الصارم والحاسم بين العقلانيّة والخيال مثلما كان الأمر في العقود الماضيّة من القرن التاسع عشر. ثالثاً، يشكلُ موضوع المتخيل الديني السمة الملازمة للبحث الثقافي والأنثروبولوجي؛ إذ هو التعبير الحقيقي والأصيل على الثقافة الشعبيّة واليوميّة دون الثقافة العالمة؛ وهذه الأخيرة تعمل بكلّ الوسائل على تهميشهِ وإقصائه من مدار التحليل النقدي للثقافة ورموزها.4 وبعد هذه المبررات والخطوط العريضةِ يمكننا طرح بعض التساؤلات والإشكاليات: كيف نفسر علاقة نقد العقل العربي للجابري بنقد اللامعقول العقلي والعقل المستقيل؟ إذا كان المتخيّل هو العرفان فما معنى أن يتحولّ إلى أيديولوجيا ودولة باطنيّة في تاريخ الفكر العربي الإسلامي؟ وإلى أيّة حدود نفهم أنّ تحرير الفكر الإسلامي في مشروع أركون هو تعرية العلاقات المتشابكة بين المتخيل والتاريخ؟

أولاً: نقد المتخيّل في الفكر العربي الإسلامي

1 نقد اللامعقول العقلي السياسي، والديني والفلسفي

حرر محمد عابد الجابري في مفهوم اللامعقول العديد من المؤلفات التي تؤسسُ لمشروع نقد العقل العربي مثل نحن والتراث. قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي(1980)، و الخطاب العربي المعاصر(1982)، و تكوين العقل العربي (1984)، و بنيّة العقل العربي(1984)، ونقد العقل السياسي(1984)؛ وهي تآليف تراهن على رسم معالم العقلانيّة البرهانيّة في الثقاِفة العربيّةِ الإسلاميّةِ ومحطاتها المغربيّة مع ابن باجة (ت. 1138)، وابن طفيل (ت.1185)، وابن رشد (ت.1198)، هذه العقلانيّة التي كانتْ أمام معارك هائلة مع المانويّة، والغنوصيّة، وتيارات الباطنيّة والشيعةِ، والتي يتصور الجابري أنّها تيارات تندرج ضمن نظام اللامعقول والعرفان، وهو ما سماه الجابري في العقل السياسي العربي ميثولوجيا الإمامة.5 لذلك نعتبرُ أنّ رؤيةَ الجابري للامعقول الفيضي والميتافزيقي تكاد تنطبقُ عل سمات المتخيّل الديني لدى أركون، وإنّ كان الأول يؤسس لمنطق الصراع بين المعقول واللامعقول في فضاء ابيستيمولوجي، بينما يرى الثاني أن المتخيل الديني هو أداة إجرائية لتفكيك العقل الإسلامي وتعريةِ بنياته الرئيسةِ. ولا نعدم على ذلك دليلاً؛ إذ قام مشروع أركون على بسط هذا المبحثِ (المتخيل الديني) في مؤلفات ودراسات من قبيل تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي (1986)، الفكر العربي (1975)، القرآن. من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني (2012)، قضايا في نقد العقل الإسلامي. كيف نفهم الإسلام اليوم؟ (1998)، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل نحو تأريخ آخر للفكر الإسلامي” (2007)، ومؤلفات أخرى‪.‬

يعترفُ صاحب نقد العقل الإسلامي بأنّه يحملُ برنامجًا بحثيًا وعلميًا واسعًا في بنيات المتخيّل العربي الإسلامي بواسطةِ توظيف مناهج الحفر في بنية الخطابات وتشكلها وهو الذّي دفعهُ إلى حصرهِ في مدارين كبيرين لمشروعه النقدي: مدار الثقافة الشعبيّة، ومدار الثقافة العالمة. ويعزو أركون كشوفاتهِ المعرفيّةِ والبحثيّة إلى تطبيقات منهجيّة متعددة مثل النقد اللاهوتي واللغوي والسيمولوجي والتاريخي..،، إذ بفضلها استطاع أن يرصد دور المتخيل الديني وعلاقتهِ بتصورات الفقهاء للحدود والأحكام ومفهوم الاجتهاد والتدين وعلاقة الدين بالمجتمع في الإسلام. إذاً، هذه الاستراتيجية المعرفيّة النقديّة في مشروع أركون قامتْ على نواة صلبة، ومحفِزة نظرياً وبحثياً وعملياً، هي المتخيل الديني. يقول أركون في هذا المعرضِ:” إنّ هذا البرنامج الضخم من التفحص والبحث المتمثل في فهم كلّ المنتجات الثقافيّة العربيّة (بما فيها الأدب بالمعنى الصرف للكلمة) من الناحيّة السوسيولوجيّة، والأنثروبولوجيّة والفلسفيّة هو الّذي أحاول تنفيذه والإحاطة به.”6

ومن المعلومِ أنّ الجابري وأركون لم يترددا في استثمارِ المفاهيم الفلسفيّة والعلميّة المعاصرة في دراسة المتخيّل، بل يمكن القول إنهما منفتحان على منجزات التاريخ والسياسة.7 بيد أنّ رؤيّة الجابري تختلف- مهما كان التقاطع- اختلافاً أيديولوجيا ومنهجياً عما يرنو إليه مشروع نقد العقل الإسلامي. ولذلك يتضحُ لنا أنّ دراسة اللامعقول العقلي (ويعني عند الجابري: الشريعة والدين) إنّما أتى، على وجه التحديد، في سياق بناء العقلانيّة والنزعة البرهانيّة في الفكر العربي الإسلامي؛ ونقصد بذلك أنّ الجابري يراهن في مشروعه النقدي على استبعاد كلّ الصور الثقافيّة والأيديولوجيّة والميثولوجيّة التي تنتمي إلى عالم اللامعقول، وهو عالم التيارات المناهضة للخطاب الفلسفي البرهاني.8 يقول الجابري في الخطاب العربي المعاصر:“لقد فشل” العقل العربي“ إذن في بناء خطاب متسق حول أية قضيّة من القضايا التي ظلتْ تطرح نفسها عليه طوال المائة سنة الماضيّة، فلم يستطع تشييد أيديولوجيا نهضويّة يركن إليها على صعيد” الحلم “ولا بناء نظريّة ثوريّة يسترشد بها على صعيد الممارسة والتغيير.”9 نفهم أنّ الطموح المعرفي للجابري في مشروعه النقدي هو بيان التماسك بين الظواهر والموجودات، وتحليلها تحليلاً يستند إلى مبدأ السببيّة والتعليل المنطقي والعقلاني، وما دون ذلك يعني أنّنا في دائرة الوهم وخطاب المتخيّل. ومتخيل النهضة في الخطاب النقدي عند الجابري فشلَ فشلاً قاسيّاً لتلك الأسباب: عدم توازن العقل مع الواقع، واحتواء العقل وخطابه على تناقضات ومفارقات. ويبدو لنا أنّ محمد أركون وتوسلهُ بالمناهج المتعددة ومرجعيات النظر الفلسفي المتنوعة، من لسنيات ولغويات وتحليل الخطاب وعلوم الاجتماع والسيكولوجيا والتاريخ المقارن والدراسات القرآنيّة المعاصرة، سمحتْ أنْ يبني أفقًا أوسع من أفق الجابري في مسألة المتخيل الديني ووظائفه ومقارباته والمشكلات التي يطرحها في نقد التراث. يمضي أركون قائلاً:” إنّ نسبة العقل وبالتالي العقلانيّة في هذه المنتجاتِ الثقافيّة كلّها تحتاج إلى إعادة تقسيم، على ضوء انثروبولوجيا الخيال وعلم اجتماع، البنيات المتعلقةِ بالأسطوري والشعائري والتاريخي والعقلاني واللاعقلاني، والعقل الكتابي، والتراث الشفهي”؛10 فالتمييز القسري بين الشفاهي والمكتوب يؤدي إلى هيمنة المتعالي لدى فئة دون أخرى، وترسيخ حقيقة دون غيرها. ومن ثمة فـ” تعرية الحوافز الحقيقيّة للناس المتنافسين على السلطة في مجتمع ما يعني رفعُ الستارة عن الأصول الخادعة التي تختبئ وراء الشعارات “الدينيّة” المستنبطة على هيئة حقائق منزّلة ”؛11 ومع ما قلناه آنفاً، عن سعةِ أفق تفكير أركون في المتخيل الديني، فإنّنا نعتقد بوجود أرضيّة مشتركة بينه وبين الجابري؛ والدليل على هذا، أنّ خطاب اللامعقول في مشروع نقد العقل العربي هو خطابٌ ينتج الكثير من الصور الذهنيّة والايديولوجيّة التي يستدعيها سيكولوجيًا للتعويض بها عن واقع مظلمٍ أو بائسٍ؛ خطاب ينتجُ الأوهام والأساطير والميثولوجيا (Mythologie).12 تلك هي آليات اشتغال المتخيّل الديني بجميع مظاهره، وتجلياته‪.‬

نعم، يرنو أركون، عند البحث في المتخيل، إلى فهم طرق عمله وميكانيزماته على مستوى المعرفي، دون التوغل في النتائج الأيديولوجيّة كما يصنع الجابري في مشروعه. لكنّهما معاً على تخومٍ المتخيل واللامعقول. يقول الجابري:”الحق أنّ” الحفر السيكولوجي “مثله مثل التحليل النفسي ليس مجرد تخمين، بل هو يعتمد شهادات وأمارات[…] والشخص الّذي يعاني من مثلِ هذه ” الأشياء “لا بد – في نظر التحليل النفسي على الأقل – من أنْ يبحثَ له عن تعويض”13؛ لا مراء أنَّ مفاهيم العرفان واللامعقول والعقل المستقيل تؤسس،إذن، لعالم المتخيل السياسي و الديني عن طريق توظيف التراث الرمزي ، والعودة إلى الماضي، والإصرار على استذكاره على المستوى الذهني والوجداني؛ ومن ثمةَ نقول إنّ اللامعقول والمتخيل الديني لهما بنيّة أسطوريّة متخيّلةٍ. لهذا السبب عزم محمد عابد الجابري على تفكيك نظام اللامعقول في الثقافة العربيّةِ الإسلاميّة، وهي مواجهة أيديولوجية مفتوحة مع كل ما لا صلةَ له بنظام البرهان والعقل وأدواتهِ (السببيّة، والضرورة، الاستدلال العقلي)، ومواجهة على مستوى توظيف المفاهيم مثل الظاهر والباطن، والولايّة والنبوّةِ، والزمان التاريخي، والزمان المنكسر،14 والدائري.15

ولمزيد من الإيضاح نقول: كان رهانُ التحليل النقدي لصراع المعقول واللامعقول في العقل العربي لمحمد عابد الجابري هو تصفية الحساب مع اللاعقل والمتخيل السياسي الشيعي، والأيدولوجيا الباطنيّة بشتى تياراتها وتوجهاتها؛ لأّنها لا تعمل إلاّ على اغتيال العقل، وتدمير مبادئ التفكير العقلاني.16

سيكون من بابِ الأمانة القول إنّ نقد صاحب نقد العقل الإسلامي أقلُّ قساوة من الجابري؛ أعني بهذا نقد التيارات اللاعقلانيّة ومنها أيديولوجيا الباطنيّة، لربما يعود الأمر إلى رؤيتهِ المعرفيّةِ المنهاجية أكثر من ممارستهِ للنقد الأيديولوجي، لكننا نحسبُ أنّ أركون يتقاسم مع الجابري عمليّة الفحص والدراسة للامعقول الّذي له سمات رئيسة للمتخيّل الديني. يقول أركون: “لقد كتب الكثير في وصفِ هذا العقل من الناحيّة الشكليّة الخارجيّة، ولكن لا يوجد حتى الآن أي تحليل تفكيكي أو نقد إبستمولوجي لمبادئه وآلياته ومقولاته وموضوعاتهِ، واللامفكر فيه الناتجِ بالضرورة عن طريقته النموذجيّة الخاصةِ في تنظيم الحقل المسموح بالتفكير فيه”؛17 ويترتب على ذلك أنّ محمد أركون وسّع مساحة البحث و لم يضيقها كما فعل الجابري في مقابلة اللامعقول للمعقول، واللامعقول مقابل اللامعقول العقلي ضمن البحث في أساسيات العقل العربي، وإنّما تجاوز هذا الوضع البحثي إلى ربط المتخيل الديني ببنيات الثقافة العربيّةِ الإسلاميّة في قطاعات معرفية كبرى مثل الأصول والفقه والآداب والفلسفة والكلام والحديث، حتى أنّه مضى بذلك كلهِ للبحث في علاقة الدين بالمجتمع في الإسلام، أعني رصد عمليات التأثير والتأثرِ بين المتخيل الديني والسياسي والاجتماعي في العقل.18 ومن الفوائد الإبستيمولوجيةِ الهامة التي حشدها مشروع أركون هو فتحه لأوراشِ الدراسة في الخطاب الشفاهي، والمدوّنةِ الرسميّةِ، ولعلّ مرور الثقافة من الشعبي إلى المكتوب يشوبهُ الغموض والالتباس، والتحوير، وحضور السلطة السياسية على قدمِ وساقٍ. وبهذالم “تستطع سلطة الدمج والتمثل والسيطرة المرتبطةِ بظاهرةِ الكتابةِ أنْ تمنع الآداب الشفهيّة من الاستمرار والدوام بشكل مواز للآداب الرسميّة الحضريّة. لكن النقاد والمؤرخين اتخذوا دائماً إلى جانب العقل الكتابي وعندما يصدف أن يهتموا بالمنتجات الشفهيّة؛ فإنهم يطبقون عليها كلّ المفاهيم والتحديدات المبلورة انطلاقاً من النص المكتوب، ومن أجل تفسير النص المكتوب وحده.”19

إن النقد الحفري للثقافة، الرسميّة والشفاهية، هو المسكوت عنه في خطاب الجابري، مع ما قدمه من مبرراتٍ منهجيّة واختيارات نظريّة في تكوين العقل العربي، وقد وضع هذا الإبعاد اللامعقول في حدود ضيقةٍ، كما ألمحنا آنفاً.20 سلك الجابري، والحالةُ هاته طريقاً غير طريقِ أركون؛ إذ طفق يفسر مفهوم المخيال السياسي والاجتماعي وديناميتهِ وحركتهِ من خلال اختيار أيديولوجي وهو أنّ بين الأنظمة المعرفيّة صراعات قد تنقلب إحيانا إلى تحالفات. والأهميّة من هذا كلّه هو البحث عن المعقولية التي هي سمةُ العقل وحده، وتأسيس الخطاب البرهاني الّذي هو متخيل النهضة والخطاب النهضوي العربي. يقول الجابري: “بيد أنَّ هذه ” المعقوليّة “ التي يضفيها الخطاب النهضوي العربي على نفسهِ، يطرح هذه القضايا مستقلة منعزلة، تنهار تماماً لتنكشف عن ” لامعقول” فظ غليظ […] وبما أنّنا نقصد بـ بيد أنَّ هذه " المعقوليّة " التي يضفيها الخطاب النهضوي العربي، على نفسهِ، يطرح هذه القضايا مستقلة منعزلة، تنهار تماماً لتنكشف عن " لامعقول" فظ غليظ [...] وبما أنّنا نقصد بـ" المعقوليةِ" هنا قدرة الخطاب على رؤيّة حلمهِ النهضوي من خلال الشروط التي تسمح- منطقيا وواقعياً - بتحقيقهِ، وفي ذات الوقت تبرير هذه الرؤية داخل نفس الشروط، فإنّ " اللامعقولّ في هذا السياق يعني اصطدام الخطاب النهضوي بـ" استحالةِ" تحقيق حلمهِ ذاك نظراً لعدم معقوليّة الشروط " الضمنيّةِ" التي تؤسس الخطاب ...”21 بهذه الكيفية، نقول إنَّ النقد الابستيمولوجي للعقل العربي والثقافة العربيّة فرض على الجابري السير في طريق التمييز بين الحقيقة والخطأ، وبين المعقول واللامعقول، والعرفان والبرهان مما دفعَ به إلى تعقب مواقع اللامعقول العقلي أو الهرمسيّة في التراث العربي الإسلامي،22 ودور المدارس الفلسفيّة، مثل مدارس الإسكندرية وحران، في ترسيخ اللامعقول في فكرنا وتراثنا؛23 من قبيل تلك “الأفكار التي راجتْ فيما بعد في الثقافة العربيّة الإسلاميّة، وفي أوساط المتصوفة والتيارات الباطنيّة، خاصة أن المسائل الرئيسية التي تعالجها الفلسفة الدينيّة الهرمسية تدور حول قضيّة الألوهيّة ونشوء العالم، وقضيّة النفس وخلاصها وقضيّة وحدة الكون وتبادل التأثير بين أجزائها.”24

بيد إن حضور اللامعقول لم يقتصر على الجوانب السياسيّة والأيديولوجيّة والمذهبيّةِ، بل انتشرَ في أقسامِ العلوم العربيةِ وتصانيفها مثل رسائل جابر بن حيان (ت 815م)،25 وفي نظرية النفس والعقل في مؤلفات أبي بكر الرازي (ت925م)، ومدوّنة أخوان الصفا.26 ويبرز أيضاً، على مستوى العقدي- الديني، عند الفرق الكلاميّة المبكرة (كالحال عند جهم بن صفوان ت. 128هـ)، التي تحمل شظايا من الموروث اللامعقول في تشييد رؤيتها للعالم والوجود والعالم. يقول الجابري: “وبكيفيّة إجماليّة يمكن القول إنّ الجانب النظري في أدبيات التصوف عند الغزالي مستمدة من الأدبيات الهرمسيّة، مثله في ذلك مثل جميع أدبيات الاتجاهات الباطنيّة في الإسلام”؛27 وهو التأثير عينه الّذي رصده صاحب نقد العقل الإسلامي - على مستوى الثقافة الشفويّة- على أساس فهم وتعقل كيفية التلاعب (Manipulation)28 بالمعاني والنصوص، وإنتاج الدلالات ضمن خطاب يدعي الحقيقة الدينيّة أو ينطقُ باسمها. يقول أركون:” لقد وقع ابن إسحاق تحت ضغط وتأثير الحكايات الشفهيّة المنقولة عن طريق القصاصين والوعاظ وحكايات الأولياء والصلحاء والاستشهادات الشعريّة. كما أنّهُ ساهم في عمليّة التمويهِ والتعميّةِ الموضوعيّةِ ضد الجاهليّة التي كان القرآن قد افتتحها.”29

ويتصلُ بهذا الوجهِ أنّ التلاعب أو التحوير يندرجُ ضمن مستويات متنوعة مثل التلاعب الّذي يتمثلُ في المرور من حالة الكلام الشفهي إلى النص المكتوب. والتلاعب الثاني يعني التسليم بوجود استمراريّة بنيويّة بين الشفاهي والمكتوب. ومقصود أركون هنا إثبات أمرين مهمين: الأول؛ أنّ “أثناء عملية الانتقال من التراث الشفهي/ إلى التراث الكتابي تضيع أشياء، وتحوّر أشياء، أو تضاف بعض الأشياء، لأنّ كلّ ذلك يعتمدُ الذاكرة البشريّة.”30 والثاني31 تحرير الفكر الإسلامي من السياجات الدوغمائيّة المغلقة التي رسمها لنا الفقهاء والأصوليون وكيفية تصريف الأحكام وتطبيقها، وبدافع خفي هو تحقق انسجام سلوك الفرد المسلم مع عقيديته، ولو على مستوى الظاهر، وكأنّها رقابة، بل هي كذلك.32 فشا هذا النوع من الخطاب التراثي، بالرغم من محاولات” مسكويه وابن خلدون إدخال العقلانيّة الوضعيّة أو الواقعيّة على كتابة التاريخ الإسلامي والعربي. ولكنهما لم يكسرا أبداً البنيّة المعرفيّة المرسخة عن طريق ممارسة معياريّة للغة والقانون والتأريخ والثيولوجيا من نحو ولغة وفقه وأخبار وآثار، وحديث، وتاريخ، وكلام.”33

يبدو لنا أنّ رهان نقد أركون هو ذاته رهان الجابري يعني تحرير الفكر العربي الإسلامي والتراث الفلسفي العربي من هيمنة اللامعقول وسيطرة المتخيل الديني بأدواره السيئة التي تعرقل مسارات العقل النقدي، هذا الأخير الّذي يطمح أركون والجابري ترجمته في أتون التجارب، فسلوك الفرد مازال مكبّلا بمتخيل ديني فقد شروطه وقواعده، هذا المتخيل الّذي كان ومازال يهفو إلى العجيب والمدهش والغريب في التفاسير، والأخبار والسير،34 من هنا دعا أركون لنقد التراث وتشريحه في ضوء العلوم والفلسفات المعاصرة، وهي الدعوة ذاتها التي نادى بها الجابري؛ أي ترسيخ مبادئ العقلانيّة والتنوير بواسطة نقد اللامعقول في التراث‪.‬

ويترتب على هذه القراءة أنّ العقل غير منفصلٍ عن المتخيل في مشروع نقد العقل الإسلامي لمحمد أركون؛ إذ نفهم الحفر على بنيات المتخيل الديني في التراث هو -كما قلنا آنفاً- كشف دور اللامفكر فيه، والمنسي في نصوص القدماء الذين غفلوا- بوعي أو بدون وعي- عن الانفصال عنه ووضع مسافة نقديّة. ينتج عن هذا معية العقل للمتخيل، لكن أيّ متخيّل ديني نريد اليوم؟ يقترح أركون أن نفكر في ممارسات المتخيل، وصوره، ومفاهيمهِ، ونشوئه الاجتماعي لصالح بناء عقل نقدي يحتفل بالمتخيل بمثابةِ مجال للإبداع لتجديد علاقتنا بالديني والشريعة وفق مقتضيات الفرد المعاصر. في المقابل، عمل الجابري على تقويض اللامعقول الّذي يستغل اللامعقول العقلي والعقيدة بأدوات تأويليّة باطنيّة، وهو إذاً، نقد أيديولوجي، يقول الجابري:” فالعرفان يقوم إذن على تجنيد الإرادة وليس على شحذ الفكر. بل يمكن القول إنّه يقوم على جعل الإرادة بديلاً عن العقل”؛35 ينشرُ اللامعقول كلّ أنواع التواكلِ والتراجعِ واللاعقل في الثقافة العربيّة تحت مسميات منها؛ الحلول، وحدة الشهود، والفناء، أو الخلاص من أشكال القلق والخيبةِ والغربةِ؛36 بل الخطيرِ أن يتم كل ذلك ضمن أيديولوجيا آخرويةٍ تكرسُ المماثلة.37 إذاً، نفهم أنّ فصل الجابري اللامعقول عن العقل، لا يعني بالضرورة، رفض المتخيل، أو الطاقة المبدعة في الإنسان، على أساس الصرامة، والحتميّة والكليّة، إذ إنّ مشروعه في الفهم للكتاب العزيز لا يخلو من رسالة إلى القارئ مفادها أنّ المتخيل الديني كما يرد في الآيات والسور38 يدخل في مدار اللامعقول العقلي، وهو بمنأى عن نظام العرفان.39

وعلى ما سبق، نشدّدُ بأنَّ مفهوم المتخيل الديني لدى محمد أركون يشترط معه فهم مسارات العقل الإسلامي ومراحلِ تشكله وميلاده، والتي هي كما يلي:1. مرحلة القرآن والتشكيل الأولي للفكر الإسلامي. 2. مرحلة العصر الكلاسيكي أي عصر الازدهار العلمي والحضاري. 3. مرحلة العصر السكولاستيكي والتكراري؛ أي عصر الانحطاط. 4. مرحلة النهضة في القرن التاسع عشر وحتى الخمسينات من هذا القرن.40 والأمر نفسه لدى صاحب نحن والتراث الّذي يفهم النقد بمعنى معرفي وايديولوجي، أعني نقد علمي للتراث بكشف صراع الأنظمة المعرفيّة في الثقافة العربيةِ، بين البيان والبرهان والعرفان. ويرفض اللامعقول من حيث هو تعبير عن أيديولوجيا سياسية تعمل على تقويض أسس العقل والبرهان، وقد أسهم المتخيل في تجنيد الأفراد وتجيش مشاعرهم حتى صار الخلط الرهيب بين التاريخي والمقدس،41 وبين الإلهي والبشري في قراءة النص الديني في تاريخ الإسلام.42

2 نقد المتخيّل الفلسفي والميتافيزيقي

تطرقَ محمد عابد الجابري في مشروعهِ إلى مفهوم اللامعقول في التراث الفلسفي العربي؛ ولأجل بيان إحداثياته الفلسفيّةِ والأيديولوجيّةِ وظّفَ نماذجَ فكريّة معينة مثل الفارابي (ت.950م)، وابن سينا (ت.1037م) وابن خلدون (ت. 1406م). هؤلاء الّذين صاروا يمثلون الجوانب اللاعقلانيّة في تاريخ الفلسفة الإسلاميّة. بل صاروا يندرجون وفق جدول أعمال الجابري في لائحة القراءات السلفيّة؛ لهذا حرّض الجابري على ضرورة تجديد قراءة التراث وفق خطوات منهجيّة وتصوريّة واضحة تتجلى في التحليل البنيوي، والتحليل التاريخي والوظيفة الأيديولوجيّة.43

وهكذا، فقراءة محمد عابد الجابري النقديّة للتراث الفلسفي العربي ترفع شعاراً يتعلقُ بـ” قراءة التراث بشكلٍ يجعله معاصراً لنفسهِ ومعاصراً لنا في آن واحد“44، نفهم من هذا أنّ أيّ قراءة لنصوص الفلاسفة العرب والمسلمين لا تنضبطُ بهذه الإجراءات المنهجيّة والنظريّة -التي رسم ملامحها ومعالمها صاحب نقد العقل العربي- يعني قراءة سلفيّة أو ما زالت لم تحقق الجدّة الإشكاليّة المطلوبةِ، بمعنى الأخذ بعين الاعتبار التوظيف الأيديولوجي للمعارف والتصورات. فلا يهمنا في هذه الفلسفات ما قيل ويقال عن الجسم والحركة، أو الزمان والنفس…إلخ. بل المهمُ عند الجابري، ووفق تصوره للتراث العربي، هو الوظيفة الأيديولوجيّة التي تحلمها هذه المعارف والمضامين؛ ويعني أنَّ هذه” النصوص بالنسبةِ إلينا وسيلة، وليست غايّة واستعمالنا لها سيكون استعمالاً وظيفياً لا استعمالاً معرفيّاً”؛45 وهذا يحدد لنا أمراً؛ وهو أنّ اللامعقول تعرضَ للنقد الأيديولوجي الكثيف مقايسة بالنقد النظري والفلسفي الّذي يبحث في المفاهيم، والدلالات بمعزلٍ عن سياقاتها وظروف نشوئها. أمّا مشروع نقد العقل الإسلامي لمحمد أركون فلم يعر اهتماماً واسعاً للمتخيّل الفلسفي أو الميتافيزيقي عند الفلاسفة اللّٰهّم ما يفرضهُ السياق التاريخي والثقافي؛ بل ذهبَ إلى بناء أطروحة في القول الإنسي في أعمال مسكويه والتوحيدي ومدى فعاليتها ومشروعيتها في الانفتاح على الفكر الكوني،46 وهو عكس ما يراهن عليه محمد عابد الجابري أثناء تعقبه لمظاهر اللامعقول في خطابات الفلاسفة وأهل الكشف؛ معنى هذا أن الجابري يرغبُ في اخراج نظام اللامعقول من الفكر العقلاني والإنساني، ويظهرُ هذا جليّاً في نظرية الفيض عند الفارابي وتوظيفيها أيديولوجيًا في نسق ابن سينا ،47 التي قد تبدو مقبولة “إذا اقتصرَ على النظر إليهما فقط من خلال جملة المعارفِ (العلميّة، الفلسفيّة) التي وظفها في صياغة منظومتهما الميتافيزيقيّة المشتركة، ولكنّه تصور خاطئ كلّ الخطأ إذا نظرنا إلى اندماجهما الفكري من المنظور الأيديولوجي”؛48 سيلاحظُ القارئ دور المعنى الأيديولوجي الّذي يترجمهُ الجابري أثناء قراءته للتراث الفلسفي العربي. يبدو أنّ مفهوم الأيديولوجيا يحملُ ثلاثة استعمالات في مستويات متفاوتة: 1. علاقة الفلاسفة بالتراث اليوناني. 2. فهم الفلاسفة لإنتاجهم الفلسفي. 3. قراءة الجابري للتراث الفلسفي العربي في ضوء الزمن الراهن.49 ومن هنا يحضر مفهوم الأيديولوجيا في مشروع الجابري بشكلّ هائلٍ تارة بمعنى سلبي مثل محاربة اللامعقول، وتارة بالمعنى الإيجابي مثلَ الدفاع عن عقلانيّة ابن رشد؛50 وقد يظهر لنا هذا الاهتمام في أعمال أركون الّذي ينتقد العقلين الأيديولوجي والديني، والحال أنّ نقده هو نقد للأصول والبنيات، والتشكلات الخطابيّةِ .51 يقول الجابري:” لم يكن إلحاحنا على التمييز بين المحتوى المعرفي والمضمون الأيديولوجي في الفكر الواحد ضرورة منهجيّة وحسب، بل إنّ واقع الفكر الفلسفي في الإسلام يفرضُ ذلك فرضاً […] إنّ التمييز بين المحتوى المعرفي والمضمون الأيديولوجي في الفلسفة الإسلاميّة ضروري حتى يمكن أن نتبيّن فيها ما تزخر به من تنوع وحركة ونستطيع بالتالي ربطهما بالمجتمع والتاريخ”.52

الحقُ أنَّ مشروع ابن سينا على مستوى الأيديولوجيا هو مشروع تكريس اللامعقول في خطاب الفيض، والبناء الميتافيزيقي للعقول والوجود.53 نظر الشيخ الرئيس إلى العالم والوجود على أساس القسمة الأنطولوجيّة: واجب الوجود بذاته (= اللّٰه)، وممكن الوجود بذاتهِ، واجب الوجود بغيرهِ (= العالم)، وممكن الوجود (=الحوادث).54 فضلا عن ذلك أنّ النفس جوهر مستقل على البدن عكس الفارابي55 الّذي يعترف أنّ النفس مقوم أساس للجسد.56 من هنا فتطهير النفس من الشهوات والغرائز شرط لمشاهدة الحق الأول؛57 ينضافٌ إلى ذلك أنَّ الفلسفة المشرقيّة ليست في حاجة إلى النبوة،58 بل إنَّ الاتصال بـ” العقل الفعال حاضر دوماً، ونحن” متى شئنا حضرناه””.59 وعلى ذلك يؤسس ابن سينا العقل المستقيل، واللامعقول وفق معتقدات الروحانيين من صابئة حران التي كان لها الأثر العميق على مسار الفكر الفلسفي العربي والإسلامي؛60 من النافلِ القول إنّ مفهوم اللامعقول في مشروع نقد العقل لمحمد عابد الجابري رسمهَ أفقه المعرفي والأيديولوجي عند الفارابي، وابن سينا.61 وينتجُ عن هذا أيضاً حضورالمخيال الديني في تأثيث الفضاء الفلسفي السينوي، وهو الأمر الّذي لا يختلفُ جذرياً على عقلانيّة ابن خلدون‪.‬

من جهته، يفترضُ مشروع محمد أركون في أنّ الخلط بين الأسطورة والتاريخ، وبين الإلهي والبشري جعل عقلانيّة ابن خلدون الواقعيّةِ محكومة بشروط العصر الوسيط؛ إذ عجز صاحب المقدمة على تجاوزها. يقول أركون في هذا المعرضِ:” في الحقيقة، إنّ الفكر الإسلامي يستمر في الارتكاز، وإلى حد كبير، على المسلمات المعرفيّة (ابيستمي) للقرون الوسطى. ذلك أنّه يخلط بين الأسطورة والتاريخ، ثم يقوم بعمليّة تكريس دوغمائية للقيم الأخلاقيّة والدينيّة، وتأكيد ثيولوجي لتفوقيّة المؤمن على غير المؤمن، والمسلم على غير المسلم، وتقديس اللغة.”62 على هذا الأساس، يذهب أركون إلى أنّ عقلانيّة ابن خلدون محكومة بنظام المعرفة أو الإبستمي، بحيث لا مجال لتوظيفها اليوم أو استدعاء رؤيتها التقليديّة في زمن الحداثة؛ إذ ليس لنا إلاَّ تحرير المعقول العربي الإسلامي من اللامعقول أو ترسبات المتخيل الديني بواسطة مفهوم القطيعةِ.63

بينما تناول الجابري عقلانيّة ابن خلدون كتعبير عن الواقعيّةِ والعقلانيّة، والتاريخيّة، وهي خصائص كفيلة بأن تضعها في نظام البرهانِ. لكن المفارقة التي اعترضتْ الجابري في دراستهِ لنصوص ابن خلدون هو خطابه المتراوح بين اللامعقول والمعقول. فجاءَ التأويل الأيديولوجي لدى الجابري بالقول إنَّ النفس بمثابةِ أداة لتفسير ما عجزه عنه العقل؛ وهذا تكريس للامعقول؛ أي” ما لا يفسرهُ البعد العقلي يمكن تفسيرهُ بالبعد النفسي”؛64 وهو مجال لتبرير مصادر البنوة والمعارف المتعلقة بالمتصوفة والكهان.65

ولقد كان من نتائج ذلك حضور اللامعقول في أقسام العلوم، فاللامعقول يحضرُ تحت اسم الشريعة والعقيدة على أساس فتح المجال للتفكير في النبوةِ وتعبير الرؤيا وعالم الأحلام والمنامات.66 زد عن ذلك أنّ الفشل السياسي67 الّذي لحقَ بتجربة ابن خلدون، تحوّلَ إلى متخيل تاريخي عند ابن خلدون بل وضعتهُ أمام وضع مفارقة يتأرجحُ بين تأسيس التاريخ على قواعد وأسبابٍ، وتحفظّهِ على نظام السببيّةِ.. يقول الجابري:” هكذا ينطلق ابن خلدون والأشاعرة عموماً من السببيّة لإثبات مسبب للأسباب ثم يلغون السببيّة بعد ذلك[…] ولكن موقف ابن خلدون هنا مبرر إذا نظرنا إليه داخل جهازه المعرفي الّذي يعتمد كما قلنا على ثنائيّة العقل والنفس”؛68 يترتب على هذا أنّ اثر الفكر الكلامي الأشعري هو المحدد لرؤيةِ صاحب المقدمة، حيث كانتْ حاجزاً ذهنياً إزاء رؤيته للوجود والعالم. وذلك ما أدى بتحليلات الجابري لخطاب ابن خلدون التاريخي إلى البحث عن مبررات لهذه المفارقة، بين الإيمان بنظام المعقول، والترويج لخطاب اللامعقول مكتفياً بالقول أنَّ النفس مدخلٌ رئيس لتفسير ما عجز عنه التفسير العقلي.69 يقول الجابري:” تحركتْ (الإيبستمولوجيّة الخلدونيّة) في اتجاه تحرير العقل من اللاعقل، تحرير العقلاني من المثالي في اتجاه الوضعي وسيلتها في ذلك، الفصل بين ما ينسب إلى العقل، وما ينسب إلى النقل، والتمييز في كلّ منهما بين المعقول واللامعقول.”70

ثانيّاً: وظائف المتخيّل في اللاهوت والسياسة

3 نقد الخطاب الأيديولوجي : الإمامة والعقيدة

يعرضُ محمد أركون رؤيتهِ النقديّة على أساس رسم حدود مجال الإسلاميات الكلاسيكيّة وقصورها المنهجي العلمي، سيما وأنَّ دراستها البحثيّة للتراث العربي الإسلامي بقيّ في حدود ابراز المثل والنماذج دونما أي توظيف لأدوات التحليل الوضعي العلمي أو الاستناد إلى معيار التجريب والموضوعية؛ هذا ما يقرُ به أركون بالقولِ:“إنّ عالم الإسلاميات الكلاسيكيّة؛ إذ يكتفي بأن ينقل حرفياً وبإخلاص الأشياء التي يفكر بها أو يعلّمها المسلمون “النموذج= التمثيليون”؛ فإنّه بذلك يمتنع دائماً عن طرح المشكلة الحاسمة لنقد العقل الثيولوجي(بالمعنى الكانتي لكلمة نقد)”؛71 نفهم على هذا النحو، أنَّ مجال الإسلاميات التطبيقيّة قد أضحى مفتوحاً أمام دراسة العقل الإسلامي بمكوناته التاريخيّة، والمتخيّلة والفكريّة والاجتماعية من أجل فتحِ آفاق جديدة من البحث والتفكير.72

ولعلّ مفهوم المتخيّل الديني عند أركون هو أداة إجرائيّة تحمل كثافة نظريّة هائلة تعمل على تفكيك بنيات التراث العربي الإسلامي بصورة أدق من تحليلات مبحث الإسلاميات الكلاسيكيّة وخطاب المستشرقين، فهو، أي المتخيل، جملة من صور متعالية مركبة نواتها اللغة الدينية التي لها قدرة على تمكين المتخيل من استذكار مستمر للماضي والتراث.73 بل يتجاوز هذا كلّهِ باعتباره تعبيراً على المدونات المكتوبة والتعبيرية الشفاهيّة في ً في الثقافةِ العربيّة الإسلاميّة. يقول أركون أنّ المتخيل يستعمل آليات التعبئةِ المناسبة لـ” لحظات الغليان والفوران التي سببتها أحداث وتدابير خارجيّة والتاريخ الواقعي للمجتمعات الإسلاميّة شبيه الحكايات الشعبيّة التي تشكل بنيوياً المتخيّل الجماعي.”74

في المقابل، تنهلُ تحليلات محمد عابد الجابري للامعقول السياسي والديني لفهم تاريخنا العربي من أدوات تحليل علم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا السياسيّة والنقد الأيديولوجي. فما يتعقبه الجابري هو الميثولوجيا الإمامية، أو المتخيل السياسي والديني إنِ جازتْ العبارةِ، والّذي يختلف عنده عن ابراز الطاقة المبدعة للفرد في الشعر والآداب، والنثر، فتلك قضيّة أخرى. من ثمَّ فنقده يتحددُ في كشف بنيات اسطوريّة تستخدم النص الديني على أساس ثنائية الحقيقة والشريعة، والظاهر والباطن، تلك هي الخطورة الهائلةُ على العقل والمعقول.75 يستفاد من هذا أنَّ اللامعقول والعقل المستقيل يكرس التضليل الأيديولوجي والوعي الزائف بأدوار العقل ونظام البرهان في المستوى السياسي والعملي. غرض صاحب نقد العقل العربي هو محاصرة اللامعقول في المجال السياسي والأيديولوجي‪.‬

نستطيع أنْ نقول، على الجملة، إنَّ محمد أركون ومحمد عابد الجابري ينخرطان في العراك السياسي والأيديولوجي ضداَ على خطاب التلاعب بالدلالات والمعاني وتحوير للنصوص وتوظيفها رمزياَ وأيديولوجياً، ووضعها موضع جدل بين السيادة العليا والسلطة في الإسلام. يقول أركون:” لقد أصبحتْ دولة المدينة هذه الدولة مثالاً نموذجياً؛ يعني يتحكم بوعي كلّ المسلمين. لدرجة أنّه فقد تأريخيته أو طابعه التاريخي المحسوس، لكي يتحوّل إلى مثال تقدسي أكبر خارج التاريخ، وراح هذا المتخيّل يتضخم ويتوسع بمقدار حجم الهزائم التي واجهه بها التاريخ وتجربة حكم الخلافة التاريخيّة المحسوسة المرتبطة بأرض الواقع، ثم تجربة حكم السلطنة في الإسلام“76، نفهم أن المثال الديني يتحول في السياقات التاريخيّة والسياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة إلى أداة للتوظيف الأيديولوجي أو المذهبي من أجل السيادة التي “تبدو بالنسبة للمحكومين شيئاً مقدساً متعالياً يتفوق على السلطة السياسيّة المقتنصة عن طريق القوة من قبل فريقين”؛77 وعليه، فتحرير الفكر الإسلامي لا يمكن أن يحصل ما لم نقم بتفكيك جذري لماضي كلّ أمة أو كل طائفة دينيّة من أجل فهمهِ وإعادة تقسيمه من جديد.78

يدور نقد العقل السياسي العربي لمحمد عابد الجابري على توثيق الصلةَ بين المتخيل وأبعاده السياسيّة، والاجتماعيّة والدينيّة بواسطة منهجية التحليل التاريخي النقدي؛79 إذ قام بربط وثيق بين النص الديني، والسياق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي. والواقع أنّ هذا العقل في السياسةِ والتاريخِ محكوم بمحددات القبيلة والغنيمة والعقيدة، وخاضعٌ أيضا لتجليات واضحة مثل الميثولوجيا الإمامية وفقه السياسة والآداب السلطانيّةِ. وهكذا أمست العقيدة موضع التوظيف السياسي والأيديولوجي أو ضمن إطار ميثولوجيا الإمامة، الإطار المناسب الّذي يجمعُ بين العبيد والموالي” يجتمعَ الذين كانوا يعانون من وضعيّة اجتماعيّة يكفي أن نقول عنها أنهم كانوا يشعرون بأنّهم عبيد وموال”؛80 وهنا، استطاع المختار ابن أبي عبيد الثقفي (ولد السنة الأولى للهجرةِ) توظيف هذه التناقضات الاجتماعيّة والسياسيّة بين مؤيدي معاويّة ومناصري ابن الحنفيّة، ومحاولة إيجاد الأرضيّة الأيديولوجيّة الخصبة عبر استثمار المرويات المتخيّلة، والمخزون الثقافي والرمزي لشحذ الهمم واستنهاض الإرادات، والتي ستشكّلُ “الوجه العملي التطبيقي لمعارضة أيديولوجيّة ذات طابع ميثولوجي، كانت تشكل تياراً بارزاً في صفوف أنصار علي بن أبي طالب منذ الإعداد للثورة على عثمان.”81 خيضت هذه المعارك الكلاميّة ،ذات الطابع السياسي والمذهبي، من أجل العرفان، والمتخيّل الشيعي الّذي يلغي العقل لصالح اللامعقول.82 يقول الجابري:” ذلك ما جعل الميثولوجيا تعيش وتزدهر في أوساط الشيعة. فبما أن التشيع يقوم أساساً على رفض مبدأ “الشورى” والاختيار. وبالتالي رفض العقلانيّة في السياسة، وبما أنّ السياسة تقوم دوماً على نوع من “الاختيار” يفرضهُ ميزان القوى، فإنّ التمسك بالوصيّة جعل من الضروري تبرير “الاختيار” الّذي يفرضهُ ميزان القوى لفائدةِ هذا الوصي أو ذاك، فكانتْ وراثة “العلم السري” الّذي هو مضمون “الوصيّة” هي التبرير الوحيد الممكن.”83 وهذا ينعكس نظرياً وعملياً على المتخيل الشيعي الّذي سيراهنُ على فكرة المهديّة والوصيّة وأيديولوجيا العلم بالغيب والعلم السري والوصيّة لصالح بناء رؤيّة أسطوريّة للعالم واللامعقول العقلي،84ويتمثل تبرير هذا الوضع الديني في أنَّ” ما يهمهم هو “غيب”السياسة، وليس “غيب” الدين، فإذا انشغلوا بهذا فمن أجل ذلك”؛85 مفاد هذا أيضاً أنَّ العقل المستقيل في الثقافة العربيّة الإسلاميّة يصرُّ على توظيف الأسطورة والمخزون الثقافي والرمزي من أجل ترسيخ الأيديولوجيا الإماميّة.86

ولمزيد من الإيضاحِ، لقد كان رهان محمد عابد الجابري من نقد الميثولوجيا الإماميّة وخطاب اللامعقول في العقل السياسي العربي هو محاصرة امتداداته الدينيّة والسياسيّة والفلسفيّةِ؛ والّذي يشكلُ، في حسبانهِ، واحدًا من عوائق العقلانيّة في الوطن العربي. وهذا لا يحصلُ إلاَّ عن طريق الانتقال من القبيلة إلى الدولة والاجتماع المدني، ومن الغنيمة إلى الاقتصاد الوطني، ومن العقيدة إلى الرأي. إذ بهذه الطفرات النوعيّة نكون على طريق استقلال الذات العربيّة وتحررها من اللامعقول. وهو ما يرادف عند أركون تحرير المتخيّل الديني من القيود والأغلال الدينيّة والفقهيّة المتكلسةِ، والتي لا ترى الواقع بقدر ما تمعن في نسيانه، وتجاهل أثره على الوعي. يقول أركون هنا:” إنّ الفكر الحديث يعتقد، مصيباً أو غير مصيبٍ، أنّهُ قد توصّلَ أخيراً إلى إعادة تركيب التاريخ الكلي الإيجابي، والتمييز بين الأسطورة والتاريخ”،87 هذا التمييز الّذي يتحقق بمشروع إنجاز التاريخ المقارن هو تحرير التراث من الالتحام بين السيادة العليا والسلطة السياسيّة مثل شخص علي بن أبي طالب الّذي هو مثال أسطوري كبير ونموذج تاريخي في الوقت ذاته.88 وبكلمة جامعة نقول إنّ استراتيجيّة النقد في مشروع نقد العقل الجابري وأركون نقد اللامعقول والمتخيل الديني بمعيّةِ بيان نسبيّةِ الحقيقةِ، وفاعلية الفكر الإنساني، ودور الفكر التاريخي، في نشوء الأفكار والثقافات.89

4 قراءات القرآن وخطاب الوحي : جدل التاريخ والمتخيّل

لم تقف معركة مشروع نقد العقل الإسلامي عند محمد أركون في تعقب المتخيل الديني بجميع مظاهره وتجلياته، والحفر على بنياته في الأصول والفقه والكلام والتصوف؛ بل أبعد من هذا، فهو مشروع قراءات الوحي في ضوء الدراسات القرآنيةِ المعاصرة. إنه مشروع نقدي لكشف الخلط القائم بين الوحي وتجلياتهِ التاريخيّة والثقافيّة والاجتماعيّة، وهو ايضاً تحليل الخطاب الّذي يفضح كيف تتشكل المعاني، وتصاغ الدلالات، وتولد الأنظمة الفكريّة، ويؤسس خطاب التلاعب السياسي بالنص الديني والأحاديث النبويّةِ. يقول أركون: “إنّنا لا نستطيع أن نحلل بشكل جيد التجربة الدينيّة المرتكزة على حركة اجتماعيّة سياسيّة إذا لم نكتشف مجال المقدس le sacre الّذي يتجلى فيه وتستند إليه بشكلٍ حرفي الممارسات الدينيّة- السياسيّة”؛90 وينتج عن هذا أنّ تعرية المقدس من توظيفاته الاجتماعيّة والثقافيّة والفقهيّة يتطلب، في رأي أركون، تفكيك المعنى والدلالة التي طمستْ وكتبتْ ونسيتْ من قبل التراث الشفوي؛91، ذاك المعنى الّذي انتقلَ إلى نصوص وتفاسير تراهن على التطلعات الاجتماعيّة والأيديولوجية للقوى المتصارعةِ‪.‬

ولمّا كان مشروع محمد أركون في قراءة في القرآن قائمًا على أساس كشف مفهوم المعنى بحمولته التاريخيّةِ والثقافيّة والسياسيةِ، فإنّ مشروع الجابري لا يتخطى عمليّة توثيق الصلة بين الوحي ومسارات التكوين؛ إذ استطاع أنْ يبيّنَ دور الكتاب العزيز في توجيه الدعوة المحمديّة ضمن مشروعه في التعريف بالقرآن (2006) ، وهو مشروع الدفاع على المعقول الديني أي النظام المعرفي البياني.92 لكنّ لم يمتلكهُ الحماس المعرفي والبحثي لتفكيك المقدس وتحليل آليات المتخيل الديني مثلما هو الحال في مشروع نقد العقل الإسلامي، وذلك لسببيْن، منهجي وايديولوجي. يتعلق المنهجي بأنّ الجابري اختار النقد الابستيمولوجي وتحليل أساسيات العقل العربي، في ما يعود السبب الأيديولوجي إلى تحفظه في ممارسة النقد اللاهوتي كما وظفه أركون إذ يقول:” إنّ التشكيل الخيالي للاعتقاد يهيمن على كل المنتجات الفكريّة؛ وذلك بدرجات متفاوتة طبقاً لأنماط ومستويات الثقافات التي يجري فيها الصراع بين العقل/الخيال أو العقلاني والخيال/ أو المخيالي”.93 نفهم إذاً الحاجة إلى تجذير الخطاب القرآني وموضعتهِ في التاريخ والاجتماع الإنساني حتى يمكننا التمييز أيضاً بين العقل الديني والعقل الاستطلاعي الجديد. يمنح هذا الأخير اركون فرصة الكشف عن “كلّ الانحرافات الموضوعيّة “من قبيل” تدمير المصاحف الجزئيّة للقرآن من أجل ضمان انتصار النص الرسمي المعلق أو مصحف عثمان، وكذلك تدمير كلّ الكتابات المفسرة غير أرثودكسيّة و[…] نسيان أشياء كثيرة بسبب ضغط عمليات الانتخاب، والانتقاء، والإبقاء، والحذف. ونذكر أيضاً ضياع وثائق أخرى بسبب حادث عرضي أو غير مقصود”.94

يبدو لنا أنّ محمد أركون استطاع في مشروعه النقدي والحفري أنْ يبرزَ كيف يتم تحوير المعاني والدلالات، بل أكثر من ذلك التلاعب بالنصوص والأحاديث لأغراض سياسية ومآرب أيديولوجيّة ومحاولة حذف كلي أو جزئي للنصوص والمضامين التي تزعجُ النزعات الأرثودكسيّة وتهددُ نسقها العقدي- الأيديولوجي.95 تقتضي مواجهة هذه المعضلة التاريخيّة في تاريخ الفكر العربي الإسلامي توظيف مناهج العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة ونظريات القراءة والتلقي في نقد كلّ الأطروحات المؤدلجة للنص القرآني، فـ” القرآن ليس سنياً، ولا شيعياً ،ولا خارجيا. القرآن لكل المذاهب وفوق كل المذاهب”.96 لكن الواقع السياسي والديني يحكي أنّ التصور التقليدي لهذه المشكلة أي الانتماءات المذهبيّة والاصطفاف الأيديولوجي مازالَ قائماً،97 الأمر الّذي يرجع إلى متخيّل الفقهاء والسلف في الإصرار على بناء “هوة بين النظام التشريعي الّذي قصدهُ القرآن وبين النظام الفعلي المبلور والمطبق داخل الدولة”.98 بل أبعد من ذلك التفريق بين الظاهرة القرآنيّة والظاهرة الإسلاميّة99؛ فالأولى تتعلقُ بالبعد الرمزي والمتعالي الّذي لا يمكن حصره في تفسير واحد، لأنّ دلالات هذه الظاهرة القرآنيّة مفتوحة على الوجود. وأمّا الثانيّة؛ أي الظاهرة الإسلاميّة فهي تجسدُ تجربة تاريخيّة معيّنةٍ من خلال الفقهاء والمتكلمين والمتصوفة والفلاسفة أيضاً الّذين يقدمون تفسيرات متنوعة ومتضاربة للنص القرآني. يترتب عن ذلك الوعي العميق بالتمايز القائم بين الحدث القرآني وشخص النبي.100 أما الهدف فهو تحريرِ الفكر العربي الإسلامي على أساس النقد، فـــ” من المعروف أنّ العقل النقدي لا يمكن أنْ يكون خاضعاً للسيكولوجيا التقليديّة، إنّهُ مستقل ومسؤول بذاته ولذاته. ونحن نهدفُ من وراءِ كلّ ذلك إلى تغيير اللغة النظريّة التقليديّة والتوصل إلى لغةٍ جديدةٍ متوافقة مع العصر من أجل عرض الرؤيا الأخلاقيّة والسياسيّة للإسلام كما هي وبشكلٍ تاريخي”؛101 والّذي لا يتحقق بصورة فعالة وحيّة إلا حينما نعترف بأنّ” العقلاني والمتخيّل وجهان مرتبطان وفي توتر تربوي في كلّ فعل معرفي يقوده الفكر، فنحن نتحرر من الفكر الثنائي الّذي طالما عارض بين الفكر والخيال، بين العقل والأسطورة، بين التصور والاستعارة”.102

لقد جمع محمد أركون بين أساليب التعقل ووظائف المتخيل الديني في دراساتهِ للقرآن الكريم؛ إذ نبّهَ في مقدمته الطويلة لكتاب قراءات في القرآن (2017) إلى ضرورة توظيف مكتسبات علميّة ومنهجيّة لدراسة النص الديني. يقول في هذه المسألةِ:” أولاً ما يجب على القارئ أن يتزوّد به من تكوين علمي والإحاطة بالأرضيّة المفهوميّة الخاصة باللسانيات والسيميائيات الحديثة مع ما يصاحبها من أطر التفكير والنقد الايبستيمولوجي. وثانيّاً أن يتدرب القارئ على التمييز بين الاحتجاج والإدراك والتأويل والتفسير الّذي يتم في الإطار المعرفي العقائدي الدوغمائي وبين التحليل والتفكيك للخطاب الديني”.103 إنه مشروع تأسس على رؤيّة نقديّة وثقافيّة ومعرفيّة لمفهوم التراث؛ فهو لا يتعلقُ بالثقافةِ العالمة فحسب، كما هو حال الجابري؛ بل هو أيضاً يحتوي على الثقافة الشفاهيّة، فضلا عن ذلك توظيف علم الإنسان المعاصرة.104 وبالمحصلة، يتحول الفكر الديني إلى وجهة نظر تتأسس على التأويل والحقيقة النسبيّة105 في ضوء تغير مفهوم العقل المعاصر الّذي لم يعد هو إقصاء الخيال بقدر ما هو عقل دامج له ومستوعب لأدواه ومظاهره.106 ومن المفيد القول إنّ عمليّة الانتقال من المرحلة الشفويّة للوحي إلى “المدونة الرسميّة المغلقة”107 في جمع القرآن افسحتْ البحث أمام دور المتخيل الاجتماعي والسياسي والثقافي في تحقيقها وإعدادها. ومقتضى هذا أنَّ قراءة القرآن وآياته هي قراءة على ضوء الواقع التاريخي. ذلك ما يقررُه أركون:” هذا يعني أنّ كلّ قارئ يعيد كتابة النص بواسطة شبكة إدراكه الحسي والمبادئ التي توجه تأويله وتفسيره لهذا النص. وكل قارئ يقرأ النص على طريقته ووفق ثقافتهِ وإمكاناته [ِ…] وإنّما أبضاً بالإكراهات الأيديولوجيّة لوسطه الاجتماعي ولزمنهِ. ”108، وهذا ما أسعف أركون في استخلاص أنّ الفقهاء واللاهوتيين عندما يقرؤون ينخرطون في التأويل والقراءة فهم يقدمون، حقيقةً، قراءتهم همْ، الذين” شكلوا أنظمة دوغمائيّة لتسيير النظام الفقهي والقضائي والسياسي، بل حتى الفكري والمعنوي لكلّ المجتمعات البشريّة التي هيمنتْ عليها تلك الظاهرة الجبارة للكتاب المقدس/ الكتاب العادي”،109 ومردً هذا أنّ تصورات الفقهاء للعقيدة، ورسمهم للحدودِ والأحكامِ ليستْ إلاَّ تمريرًا لحقائقهم، أو على الأقل لاجتهاداتهم تفقد شرعيتها بفقدان الشرط التاريخي وتغير الواقع، من واقع كلاسيكي إلى واقعٍ جديد بقواعده وعلومه، ومعارفه، وهو تنتسبُ إلى الزمن الراهن‪.‬

هكذ ا تظهرُ الخطورة في منع الفكر من اتخاذ الوحي موضوعا للتفكير في عصرنا الحالي، وتحويل هذا التحريم إلى دائرة المستحيل التفكير فيه. وهكذا فالقرآن الذي “جُمع فوراً أو لاحقاً في المصحف تحت الإشراف الرسمي للخليفة عثمان بن عفان، لا يمكن أنْ يكونَ موضوعاً للدارسةِ أو مادة للتحرّي النقدي. “110 لقد وضع محمد أركون دراسات التراث ضمن استراتيجيات معرفيّة جديدة بغايةِ فتح موضوعات للتفكير والدراسة منها: تخلي عن الاعتقاد المطلق للطائفة الدينية في حقائقها ووقائعها، والتخلي عن تمجيد الذات والهويّة. التسليم بأنّ الأنظمة اللاهوتيّة أنظمة أيديولوجيّة لها شبكتها الرمزيّة واللغويّة والثقافيّة التي يجدر تفكيك منطقها وآليات اشتغالها. يقول أركون:” من المهم أن نتبين أن جميع الخطابات المشتقة من كلام اللّٰه الموحى والهادفةِ إلى تفسير أوامر ووصايا وتطبيقها قد ساهت في تشكيل البنى الأنثروبولوجيّة للمخيال الديني السياسي الاجتماعي. إن تفكيك هذه البنى يقع على كاهل المؤرخ المحترف القادر على الحفر والتنقيبِ عن العمليات النفسانية، والثقافيّة والسياسيّة الناتجة عن تأثير الوحي، والمتواصلة عبر التنافس المتكرر للفاعلين الاجتماعيين في مجالين مترابطين: مجال البحث المعنى، ومجال إرادة القوةِ والرغبةِ في الهيمنةِ. “111 وهذا يجعلنا أمام إشكال منهجي هو: كيف نفهم القرآن؟ أعتقد أنّه سؤال يتعلق بسؤال آخر صريح: هل ينبغي أن نقرأ خطاب الوحي بشكلٍ حرفي أم بشكلٍ مجازي؟112

لا مندوحة عن القول إن تفسير المجاز ووظائفه في الآيات القرآنيّة قد أسهم في تشغيل العقل وممارسة أساليب التعقل والاستدلال في مواجهة العقل المنغلق الّذي اختار عدم التأويل وتوظيف الرأي والقياس. لكن بالرغم من وجود هذين التيارين في التراث العربي الإسلامي واختلافهما الجذري، فهما يشاركان في بناء متخيّلٍ ديني على أساس القيم الروحيّة والعقديّة. يقول محمد أركون:” إنَّ الخيال، على طريقتهِ، هو ملكة من ملكات المعرفةِ. إنَّ المخيال يساهم في هذه الفعاليّة بصفتهِ وعاء من الصور وقوة اجتماعيّة ضخمة تكمن مهمتها في إعادة تنشيط هذه الصور بصفتها حقائق رائعة، وقيماً لا تناقش تكون الجماعة مستعدة لتقديم التضحيّة العظمى من أجلها. إنَّ أعضاء الجماعة الذين ماتوا من أجل القيم المشتركة يصبحون شهداء ويضيفون بذلك أبعاداً تقديسية وتنزيهيّة إلى هذه القيم. وعبر هذه العمليّة التاريخيّة والاجتماعيّة والنفسانيّة تغتني الذاكرة الجماعيّة، ويُمتحن المخيال الاجتماعي ويظل حياً. “113 على هذا النحو من النظر نقول إنَّ الحقائق التاريخيّة ورهانات المعرفة تكون عَرضة للتهميش والإقصاء أو السكوت عنها، والعجيب أو المدهش هو الّذي يفرز لنا فكراً مجازياً واسطورياً، وربما يعود الاستغراب إلى عجز العقل على التفسير السببي. لهذا، ندرك كيف يؤسس القرآن” علاقة بين شيئين اثنين هما: الإدراك الحسي، والوعي الشعوري، وهي علاقة قائمة على قبول العجيب المدهش، أي الجميل والخيّر واللانهائي بصفتهِ محلاً لانبثاث وظهور الشخص الإلهي”.114

وهكذا نستطيع القول إنَّ قدرة الخطاب القرآني تمكن في تحويل ما هو واقعي إلى رمز متعالٍ بواسطة العمليّة المجازيّة؛115 إذ المجاز، إذن هو المجال الحيوي الّذي قام بعمليّةِ تشيطِ آليات المتخيل الديني لدى محمد أركون ضداً على واقع انتشار النزعات العلميّة والوضعيّة التي توظف المناهج التاريخيّة والفيولوجيّة في قراءة النص الديني والسيرة النبويّةِ.116

خـــاتــمة

على الجملةِ، إذا كان المتخيل الديني واللامعقول في مشروعيْ محمد أركون ومحمد عابد الجابري يشتركان في قدرتهما الفائقةِ على قراءة التراث العربي الإسلامي؛ فإنّهما وُظفا في معرض تعرية البنيات الأسطورية الثاوية في علوم الفقه والتصوف والكلام الأخبار والسير، التي حملت في طياتها تصورات تفقد للشرعية التاريخية والسند العقلي المقبول. من هنا جاء المتخيّلُ الديني في أعمال أركون لتحقيق كشوفات معرفية جديدة مثل اللامفكر فيه والمنسي والمهمش، أما الجابري لم ير في اللامعقول غير تكريس لمبادئ التواكل وخطاب الجواز ونظريات الفيض الميتافزيقية. باختصار: أمسى اللامعقول في مواجهة خطاب العقل ونظام البرهان‪.‬

ولما كان مشروع أركون النقدي يروم تجديد العلاقة مع الوحي والقرآن في ضوء فهم التاريخيّ والاجتماعيّ وتمثلِ علاقة الدين بالمجتمعِ في الثقافةِ الإسلاميّة، فإنّ هذه الطموحات المعرفيّة تتجذر بواسطة توظيف مناهج العلوم الإنسانيّة المختلفة وتوسل مفاهيم فلسفيّة متنوعة بتنوع فلسفاتها وتياراتها. من ثمة، استطاع أركون أن يستخدم المتخيل الديني أداةً إجرائية للتفكير في العقل الإسلامي من جهة أولى، وتحرير هذا المتخيل من حمولته اللاهوتيّة والعقل الديني المنغلق، من جهة ثانية‪.‬

في مقابل ذلك، شدد الجابري في مشروعه النقدي على توظيف منهج النقد الابستيمولوجي في قراءةِ نظام اللامعقول والعقل المستقيل والعرفان، الّذي لا نشك أنّه يستعمل آليات المتخيل الديني الّذي يتحدث عنه أركون، من تقديس وخلط بين التاريخي والإلهي والمقدس والدهري. يبدو أنّ غرض الجابري في هذا المعرضِ، هو محاصرة اللامعقول وكشف بنياتهِ وتعبيراتهِ المتجليّة في استعمال التأويل الباطني فضلا عن ذلك التحريض الإيديولوجي والتشكيك في شرعيّة الخصوم. يشكف اللامعقول في أعمال الجابري إذن عن وجهه السياسي والايديولوجي. أمّا محمد أركون فقد شهدت كتاباته ومشاريعه على نقده المتواصل والمستمر لعمليّة الفصل القسري بين الخيال والعقل؛ ذلك أنّ التأثر بالنزعات التاريخية والوضعيّة في تحليل الثقافة العربيّة أدى إلى نتائج وخيمة، وسوء الفهم لمجريات العلوم والمعارف. من ثمَّ كان دور العقل في الخطاب الثقافي العربي الكلاسيكي دوراً رائداً بمعيّة الأبعاد الرمزيّة والدينيّة واللغويّة فضلا عن وظيفة النص الديني- القرآن الكريم والحديث النبوي- في تشكيل الوعي السياسي والديني والفلسفي. من هنا ذهب إلى القول إنّ مشروع نقد العقل الإسلامي هو دراسة المتخيل في جميع مظاهرهِ، وتجلياتهِ: الدين، والسياسة، والأدب، والتاريخ. وبهذا الاعتبار، إذا كانت القطيعة عند الجابري تتجلى في عمليّة تحرير المعقول من اللامعقول، فإنَّ قطيعة محمد أركون تلحُ على ضرورة الإيمان بأنّ شروط العقلانيات في التراث العربي الإسلامي فقدتْ استمرارها التاريخي واسبابَ وجودها اليوم‪.‬

وعموما، مهما كانتْ اختلافات أركون والجابري المنهجيّة والفلسفيّة في توظيف المتخيّل الديني ونظام اللامعقول، وكيفما كانتْ طموحات مشروعيْهما في نقد العقل، فالثابت أنّ مفكريْنا، يحاربان في درب واحدٍ من أجل النهوض العربي وتحرير الذات العربيّةِ من عوائق التحديث والتنوير. ومع ذلك كلهِ، لا بد من الإدلاء بأربعِ ملاحظات نقديّة:

  • ‮1–‬ وظف الجابري وأركون مفهوم اللامعقول والمتخيل الديني في سياقين منهجيينِ، وفلسفيين مختلفين؛ أعلن الأوّل تمسكه بمبادئ البرهان والعقلانيّة في مواجهة اللامعقول والعرفان، ودافع الثاني عن صعوبة الفصل بين المعقول والمتخيل. غير أننا نرى ممارستهما لمنطق النبذ والاقصاء، ونسف نصوص وأثريات شاهدة على ابداع الثقافةِ العربيّة وثراء مخزونها الرمزي. عمل الجابري برؤيته النقديّة الصارمة على تعميم اللامعقول على نصوص المتصوفة، وفلاسفة الإشراق. وأمّا أركون فقد ساهم، بوعي أو بدون وعي، في تكريس منطق الإقصاء والنبذ. رفض الجابري منتوج العرفان والتصوف والميثولوجيا عامة، لأنّها تفتح العقل على المجهول، وأمّا محمد أركون فاقتصر على نقوده للعقل السني الأشعري في الرسالة للشافعي من دون أنْ يمارس على العقل الفلسفي والمعتزلي المنسوب النقدي ذاته؛ ويفسر هذا الوضع بمنطق الأيديولوجيا والتحليل السيكولوجي؛ إذ أنهما تعرضا للاضطهاد والملاحقة‪.‬

  • ‮2–‬ لما كان المتخيّل الديني واللامعقول هو مفتاح نقد العقل لدى أركون والجابري، فإنّ هذا المفهوم بقدر ما فتح أبواب التفكير النقدي على المهمش في التراث العربي الإسلامي، أسهم في تكريس الرؤيّة الأيديولوجيّة والسياسيّة. لم يغب الهاجس الأيديولوجي في مشروع الجابري تماماً، حتى في تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي، الكتابان اللذان أعلن في مقدمتيْهما أنّ منهجه تحليلي وبنيوي. أزلق المقاربة إلى حبائل التحليل الايديولوجي بين الفينةِ والأخرى، وهذا ما انعكس على اختياره لنظام اللامعقول بمثابة اختيارٍ أيديولوجي. وهذا حكم يجري على مشروع أركون النقدي أيضا، الّذي أسهم في نقد الإسلاميات الكلاسيكيّة وتهافت خطابات الاستشراق بدعوى ميلها إلى المنحى الوضعي دونما أيّ اعتبار لأدوار المثل والقيم في بناء الأفكار والمعارف. لكنّ هذه الروح النقديّة انقلبتْ في بعض الأحيان إلى أحكام مطلقة أو تعميم أيديولوجي تحوّل إلى عائق من العوائق دون أنْ يصيرَ حلاً من الحلول الممكنة، والناجعةِ‪.‬

  • ‮3–‬ من المهم أنْ نعترفَ أنّ المنهج ومفاهيمهِ لدى الجابري وأركون هو الخلفيّة الفلسفيّة والأيديولوجيّة التي كانت وراء التحيّز السلبي أو الإيجابي إزاء مفهوم المتخيّل. يبدو أن تمييز الجابري في التراث الفلسفي العربي بين المحتوى المعرفي والوظيفة الأيديولوجيّةِ أسهم في رسم حدود فاصلة بين المعقول واللامعقول، بين عالم السببية والضرورة، وعالم الجواز والإمكان مما أدى به، بالمحصلةٍ، إلى نقد المتخيل السياسي والديني. كما أنّ اختيار أركون لمفهوم المتخيل الديني في قراءة التراث العربي الإسلامي منحه المرونة وسعة الأفق في التعاطي مع نصوص التراث. وهذا يظهر لنا ذلك في انفتاح على أعمال في الآداب والقصص والأخبار، في الوقت الّذي اقتصر فيه الجابري على نطاق الفلسفة العربية الإسلاميّة والثقافة العالمة‪.‬

  • ‮4–‬ يبدو أن البحث في مدى المطابقة بين مناهج أركون والجابري، بأصولها الغربيّة وتياراتها السياسيّة والأيديولوجية، إنما يؤدي إلى القراءة الانتقائيةِ والنزعة الإسقاطيةِ، وهو أمرً ينتقده الجابري بشدةِ. عمل الجابري على توظيف مفاهيم القطيعِةِ والنظام المعرفي واللاشعور السياسي في إطار الثقافة العربيّةِ. ينطبق الحكم نفسه على مشروع نقد العقل الإسلامي، الذي يراهن على بناء التراث على ضوء النقد الحفري ونتائج العلوم الإنسانيّةِ في منأى منطق المطابقة على مستوى النتائج والخلاصات، لانَّ التراث العربي له خصوصياتهُ وشروطه. وينضاف إلى ذلك أنّ منهجية أركون والجابري حصدتْ فوائد كبيرة لا ينكرها المتابع والدارس والباحث، لكنّنا نقول إنّ مفهوم القطيعة بين اللامعقول والمعقول بقدر ما كشف التحريض والإجهاز على العقل ومبادئهِ، فقد كرس خطاب القومية، والعصبيةِ بين الفلسفة المشرقيّة والفلسفة المغربيّة. أما مشروع أركون فقد أحرز السبق في تدشين مبحث المتخيل الديني والحفر على بنياته وعناصره ورصد وظائفه في تراثنا، ولذلك إنّ أعماله ونصوصه مشاريع مفتوحة تنتظرُ أجيال الباحثين للمزيد من الإيضاحِ والفحص والدارسة‪.‬

وبكلمة جامعةٍ، نقول إنّ أعمال محمد أركون ونصوص محمد عابد الجابري في قراءة التراث العربي الإسلامي تحتاجِ لمزيد من التأويل والمراجعة، والتطوير والاستدراك؛ إذ إنّ ترسيخ العقلانيّة والفكر والتاريخي في ثقافتنا ومجتمعنا في مسيس الحاجةِ إلى الفكر النقدي؛ فلا عقلانيّة ولا تنوير ولا تحديث في غياب الممارسة النقديّةِ‪.‬

1

إذا كانتْ القوة المتخيلّة على مستوى السيكولوجي تعمل على تركيب الصور والفصل بينها في عالم النوم والأحلام فإنّ الثورات المعرفيّة والعلميّة الحديثة جعلتْ من مفهوم المتخيل الديني نواة التفكير في المقدس والمهمش والمنسي. لمزيد من التفصيلات، يُنظر:

ابن رشد، كتاب النفس، تحقيق محمد صغير المعصومي (دمشق: مطبوعات المجمع العلمي العربي، 1960)‪.‬

ابن سينا، الشفاء- النفس، تحقيق جورج قنواتي وسعيد زايد (القاهرة: الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1975)‪.‬

Mircea Eliade, Le sacré et le profane, (Paris : Gallimard, 2003).

Jean-Paul Sartre, l’imagination, Septème édition (Paris : PUF Quadrige, 2012).

Gilbert Durant, les structures anthropologiques de l’imaginaire (Paris : Presses universitaires de France, 1960).

Gilbert Durant, L’imagination symbolique, (Paris : Presses universitaires de France, 1968).

2

يوظفُ محمد عابد الجابري النقد الإبسيتمولوجي في قراءة التراث ضمن شروطٍ رئيسة، وهي كما يلي: الشرط الأوّلُ، التمييز بين الابستيمولوجيا في حقل نظرية المعرفة العلميّة، وبتوظيف مفهوم العائق والقطيعة في التراث؛ الشرط الثاني نقد آلة العقل التي تنتج الخطابات والأفكار والمضامين؛ وأمّا الشرط الثالث فيتعلق برؤية الجابري ومنهجه، الّذي أدى به إلى الاهتمام بالثقافة العالمة بدون غيرها من الثقافات الشفوية مثلما هو الحال لدى محمد أركون. يقول الجابري:”الإيبستيمولوجيا كعلم، ليس شغلي الآن، أما مكتسبات الدرس ومنجزاتهُ فإني أحاول كما يحاول صاحب العلوم الإنسانيّة أن أوظفها في موضوعي، لكن لا توظيفاً قسرياً ولا توظيفاً توجهه “موضة” بل توظيفها هو إنْ شئنا توظيف إجرائي برغماتي..” للمزيد حول نقد العقل العربي في مشروع الجابري يُنظر: محمد عابد الجابري، التراث والحداثة ط3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2006)، ص284.

3

يبحث المنهج الأركيولوجي أو الحفري في الوقائع والوثائق التاريخيّة للثقافة من أجل كشف عن بنياتها الخطابيّة والأيديولوجيّة والثقافيّة لبيان القواعد المشتركة التي تتحكم في العقل، ومن ثم فقد خاض أركون مهمة نقد التراث وتشريح مكوناته وعناصره، ورفع هالة القداسة عنه على أساس النقد اللاهوتي. وقد عُرفَ مشيل فوكو بتطبيقاته لهذا المنهج في العديد من الأعمال مثل المراقبة والعقاب، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، تاريخ الجنسانية، والكلمات والأشياء‪.‬

4

يتصور الحبابي أنّ التراث العربي الإسلامي لا يخصُ الثقافة العالمة، بل هو يضمُّ التراث الرمزي والشعبي والشفوي، يقول في هذا المعنى؛” أنْ يكون التراث نصوصاً لا أقل، مقولة لا نزاع فيها. لكن أن يؤكد الجابري أن التراث مجرد نصوص لا أكثر ففي ذلك نظر. فمع اعتبار أن النص ليس مجرد نص وليس مجرد بنيّة لغوية. بل هو كذلك تشخيص لغوي لبنيّة الفكر، فكر صاحب النص وفكر مجتمعه وعصره، يبقى أن التراث إرث عام يشمل النصوص كما يشمل الثقافة الشفويّة والممارسات اليوميّة.” محمد عزيز الحبابي، مفاهيم مبهمة في الفكر العربي المعاصر (القاهرة: دار المعارف، 1990)، ص95.

5

يحتاج عالم اللامعقول والعرفان إلى ايديولوجيةّ حاملة لهموم الفئات المضطهدة أو المعارضةِ، يقول الجابري: " تنطوي فكرة " المهدي " إذن على إيديولوجيا كاملة " إيديولوجيا المساكين " الذين لا يملكون القدرةَ على رفع الظلم عليهم فينتظرون الخلاص من شخص يبعثه اللّٰه " ليملأ الأرض عدلاً بعدما ملئت جوراً "، محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، ص 241.

6

محمد أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي. ترجمة وتعليق هاشم صالح، ط2 (بيروت- الدار البيضاء: مركز الإنماء القومي/ المركز الثقافي العربي، 1996)، ص 13.

7

كمال عبد اللطيف، الفكر الفلسفي في المغرب. قراءات في أعمال العروي والجابري (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2008)، ص168.

8

مضي الجابري قائلاً:” أما الإسماعيليون فقد غرفوا من “بحر” الهرمسيّة مباشرة فأعادوا صياغة ميثولوجيا الإمامةِ على أساس نظريةِ المثل والممثول”، الجابري، العقل السياسي العربي، ص250.

9

محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1982)، ص 181. وأنظر أيضاً: محمد نور الدين أفاية، النّهضة المعلّقة (بيروت-الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2020)، ص ص15 و58.

10

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص14(أيضًا ص18)‪.‬

11

المرجع نفسه، ص 19–20. يُنظر أيضا نقد أركون للاستشراق في: المرجع نفسه، ص22.

12

الطقوس الدينيّة والمجتمعيّةِ التي تمثلُ الصور والرموز القديمة التي يتم توظيفها بشكل أو بآخر، أو بوعي أو من دون وعي في السلوك الفرد والجماعة. وهو مبحث يندرج ضمن مباحث متقاطعة بين علم الاجتماع الديني والأنثروبولوجيا الثقافيّة وعلم النفس الاجتماعي، لذلك السبب دعا محمد أركون إلى نقد الخلط بين التراث التاريخي والتراث الميثولوجي‪.‬

13

الجابري، العقل السياسي العربي، ص229.

14

محمد عابد الجابري، بنيّة العقل العربي. دراسة تحليليّة نقديّة لنظم المعرفة في الثقافة العربيّة (الدار البيضاء – بيروت: المركز الثقافي العربي، 1991)، ص353–352.

15

محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ط8 (الدار البيضاء: دار النشر المغربيّة، 2000)، ص138.

16

المرجع نفسه، ص135.

17

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص65–66.

18

المرجع نفسه، ص23. وللمزيد حول مفاهيم الذاكرة والتراث، والمخيال الاجتماعي، يُنظر المرجع نفسه، ص34؛ عبد الإله بلقزيز، نقد التراث (بيروت: دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الأولى 2014)، ص ص365–408.

19

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص30. وفي الصفحة نفسها أيضا، يتناول أركون احتقار الأسطورة والخيال في خطاب النهضة‪.‬

20

الجابري، تكوين العقل العربي، ص154.

21

محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، ط5 (بيروت: دراسات الوحدة العربيّة، 1994)، ص32–33. يُنظر أيضاً: أفاية، النّهضة المعلّقة، ص ص15–58.

22

الجابري، تكوين العقل العربي، ص180.

23

المرجع نفسه، ص160–161. أنظر: محمد عابد الجابري، ” الهرمسيّة والمواقع التي احتلها في الثقافة العربيّة الإسلاميّة” ضمن: مجموعة مؤلفين، دراسات فلسفيّة أعمال مهداة إلى الأستاذ الطاهر وعزيز، منشورات كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة (الرباط: منشورات كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، سلسلة: ندوات ومناظرات، رقم 26–1993)، ص ص103–122.

24

محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص171. أنظر: محمد عابد الجابري، “الهرمسيّة..” “، ص103. وبخصوص مكونات فكر الغزالي التي تعكس تناقضات الثقافة العربيّة الإسلاميّة، يُنظر الجابري، التراث والحداثة، ص ص161–174.

25

محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص190–191. يُنظر أيضاً: الجابري، “ الهرمسيّة…”، ص113–114.

26

الجابري،“الهرمسيّة والمواقع التي احتلها في الثقافة العربيّة الإسلاميّة”، ص118؛ الجابري، تكوين العقل العربي، ص ص201–204.

27

الجابري،” الهرمسيّة “، ص 119. يُنظر أيضاً: الجابري، تكوين العقل العربي، ص211؛ نايلة أبي نادر، التراث والمنهج بين أركون والجابري (بيروت: الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، 2008)، ص336–337.

28

يقصد بالتلاعب توظيف النصوص والمعاني والأفكار ضمن مسار أيديولوجي معين ومن آلياته الحذف والانتقاء والاقصاء في اعلى درجات التوظيف. وعلى سبيل المثال لا الحصر تلاعب محمد رشيد رضا بتراث الشيخ الإمام محمد عبده بحيث تدخل في تغيير عنوان رسالة الشيخ محمد عبده “رسالة الواردات في سر التجليات” إلى “رسالة الواردات في نظريات المتكلمين والصوفيّة في الفلسفة الإلهيّة” على يد الشيخ محمد رشيد رضا. الغرض من ذلك ايهام القارئ والمتلقي بأنّ الشيخ لم يكن له أدنى علاقة بالإرث الصوفي. لمزيد من التفصيل يُنظر: محمد الحداد، محمد عبده قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني (بيروت: دار الطليعة، 2003)، ص68–71؛ يوسف بن عدي، “سينوية الإمام محمد عبده: من العقل إلى الذات”، مجلة كتابات فلسفيّة، منشورات كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة جامعة محمد الخامس، العدد 3 (2025)، ص147–165.

29

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص 82. وبخصوص وظيفة التلاعب في قراءة التراث الديني، يُنظر: المرجع نفسه، ص83.

30

محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني. كيف نفهم الإسلام اليوم. ترجمة وتعليق هاشم صالح (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1998)، ص 232. يُنظر أيضا:

31

Mohammed Arkoun, pour une critique de la raison islamique, (Paris : ED, Maisonneuve et Larose, 1984).

محمد أركون، نحو نقد العقل الإسلامي (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2009).

32

أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ص30.

33

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص 85.

34

يُنظر: أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ص85، 233–234. يقول أركون في العقلانيّة المتحولةِ:” إنَّ تجاوز الإطار الثنائي القائمُ بين العقل والخيال، والتاريخ والأسطورةِ، والحق والباطن، والخير والشر يتم تأمينه بعقلانيّة متحولة تعددية.” أنظر:

Mohammed Arkoun, ABC de l’islam. Pour sortir des clôturés dogmatique, (Ed : Grancher, 2007), p. 84.

35

الجابري، بنيّة العقل العربي، ص 254. يُنظر أيضا الجابري، تكوين العقل العربي، ص254.

36

المرجع نفسه، ص 255.

37

المرجع نفسه، ص374 و378.

38

الجابري، بنيّة العقل العربي، ص276. يُنظر أيضا مفهوم التأويل العرفاني في: المرجع نفسه، ص283.

39

المرجع نفسه، ص354–355. وينظر أيضا مفهوم الأحدية عند المتصوفة ورؤيا هرمس في: المرجع نفسه، ص358.

40

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص35. يبيّنُ أركون إذن أنّ مناهج البحث التاريخي فتحت محال البحث عن اكتشافات معرفيّة جديدة، يقول: “علم الابستيمولوجيا التاريخيّة هو ذلك العلم الّذي يدرس نضالات العقل عبر التاريخ من أجل استكشاف مناطق الواقع الجديدة والتي لا تزال مجهولة”، أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ص220.

41

يعتبر أركون أنّ الإنسان هو العقل والخيال على السواء؛ إذ “ ليس بالعقل وحده يحيا الإنسان وإنّما برطوبة الخيال أيضاً وجموحه واتساعه الخلاف. ولكننا نلاحظ أنّ العلوم الاجتماعيّة والسياسية لا تقبله عموماً فهي ليست مستعدة لاعتبار العقل والخيال كشيئين مترابطين أو يمكن أن يتواجد معاً وإنّما كشيئين متضادين أو متنافسين “ أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ص200.

42

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص52–53؛ أبي نادر، التراث والمنهج بين أركون والجابري، ص148.

43

محمد عابد الجابري، نحن والتراث. قراءات معاصرة لتراثنا الفلسفي (الدار البيضاء-بيروت: المركز الثقافي العربي، 1983)، ص22–26.

44

الجابري، نحن والتراث، ص77. يُنظر أيضا: محمد عابد الجابري، “ ابن سينا وفلسفته المشرقيّة. حفريات في جذور الفلسفة العربيّة الإسلاميّة “ في: الفكر العربي والثقافة اليونانية، أعمال الندوة الثالثة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 7–10 ماي 1980، ص 90؛ الجابري، نحن والتراث، ص 126.

45

الجابري، “ ابن سينا وفلسفته المشرقيّة “، ص90. (أيضا ص127).

46

محمد أركون، نزعة الأنسنة في الفكر العربي. جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، 1997)؛ محمد أركون، الأنسنة والإسلام. مدخل تاريخي نقدي. ترجمة وتقديم محمود عزب (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2010).

47

الجابري، “ابن سينا وفلسفته المشرقيّة”، ص91؛ الجابري، نحن والتراث، ص136–137.

48

الجابري، ابن سينا وفلسفته المشرقيّة”، ص101. ينظر أيضا: الجابري، نحن والتراث، ص137؛ بلقزيز، نقد التراث، ص ص307–363.

49

ينظر: محمد وقيدي، “جدل المعرفي والأيديولوجي في فهم التراث الفلسفي “نحن والتراث” لمحمد عابد الجابري” في: محمد وقيدي، حوار فلسفي قراءة نقديّة في الفلسفة العربيّة المعاصرة (الدار البيضاء: دار توبقال 1985)، ص ص103–137، خاصة، ص115.

50

عبد السلام بنعبد العالي، الفكر الفلسفي في المغرب (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1983)، ص56–57.

51

يولي محمد أركون أهميّة للمقارنةِ بين العقل الديني والعقل الأيديولوجي؛ هذا الأخير الّذي يتسمُ بخِصلة رئيسة تتمثلُ في قدرتهعلى احتواء العديد من الأيديولوجيا الدينيّة وغير الدينيّة. يُنظر أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ص236.

52

الجابري، نحن والتراث، ص 30–31. بنعبد العالي، الفكر الفلسفي في المغرب، ص ص54–57.

53

الجابري، نحن والتراث، ص 141؛ الجابري، “ ابن سينا وفلسفته المشرقيّة”، ص 105–122.

54

الجابري، “ابن سينا وفلسفته المشرقيّة”، ص115. وبخصوص تصور ابن سينا للنفس، يُنظر: المرجع نفسه، ص133، 175.

55

المرجع نفسه، ص 115.

56

المرجع نفسه، ص115، 154.

57

المرجع نفسه، ص157، 11.

58

المرجع نفسه، ص 136، 165–166.

59

المرجع نفسه، ص 133.

60

المرجع نفسه، ص136. لمزيد من التفصيلات عن أثر الصابئة ومدرسة حران على الفكر الفلسفي العربي الإسلام ينظر المرجع نفسه، ص 136–141.

61

المرجع نفسه، ص159. هذا، ويردُ اسم الفلسفة والأيديولوجيا في قراءة ابن سينا؛ بحيث إن أخطر الفلسفات هي التي تعيد انتاج أيديولوجيات مضللة، ينظر: المرجع نفسه، ص160.

62

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص55. في مقابل إبستيمي القرون الوسطي، يرى أركون “أنَّ الفكر التاريخي عمل على تغيير رؤيتهِ في ثنائية الأسطورة والتاريخ؛ إذ لم يبق أداة للنظر للأسطورةِ بمثابةِ خرافة أو مجموعة من الأساطير تفتقد لحمولة تاريخيّة، على حين يشرعُ التاريخ على اثبات الوقائع والأحداث الوضعيّة”، يُنظر:

Arkoun, ABC de l’islam, P. 87.

63

بخصوص مفهوم القطيعة، يُنظر: محمد أركون، الإسلام. الأخلاق والسياسة. ترجمة هاشم صالح (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1986)، ص13. وبخصوص الفرق بين القطيعة أو الاختلاف الجذري ومفهوم حدث إبستيمولوجي، يُنظر: الحبابي، مفاهيم مبهمة، ص98.

64

الجابري، نحن والتراث، ص385.

65

المرجع نفسه، ص388.

66

المرجع نفسه، ص 390.

67

يقوم التاريخ عند ابن خلدون الأسباب الذاتيّة والعقليّة، وفي ذلك يقول الجابري: “ لقد فشل ابن خلدون في تحقيق طموحهِ السياسي، فاتجاه إلى التاريخ، فتحولات مطامحه السياسيّة إلى مطامح علميّة […] من هنا تحول المشكل السياسي إلى مشكل معرفي في ذهن ابن خلدون، فغدا نقده للمؤرخين صادراً لا عن خلاف مذهبي أو أيديولوجي. بل عن الرغبة في الارتفاع بالتاريخ من مستوى السرد القصصي الّذي تنمو فيه الأفول إلى مستوى العلم الّذي يعتمد النظر، والتحقيق والتعليل والتفسير.” يُنظر: الجابري، نحن والتراث، ص430.

68

الجابري، نحن والتراث، ص395.

69

المرجع نفسه، ص413. يتصور ابن خلدون العقل محدودا لا يتجاوز ما يدركه حسيّاً وعقلياً، وفي ذلك يقول الجابري:” إنّ موقفه [ابن خلدون] من الفلسفة يعني الميتافيزيقا هو نفس موقفهِ من علم الكلام: العقل محدود بحدود الحس والتجربة لذلك فلا يمكن أن تتخذه وسيلة للمعرفة خارج دائرة المحسوسات وما يرتبط بها يجرد منها.” ينظر: المرجع نفسه، ص413. ويلاحظ الجابري أن “ابن رشد قد ركز هجومهُ على الفارابي وابن سينا حول مسائل ثلاث هي نفسها التي أعلن ابن خلدون بطلانها؛ نعني بذلك نظريّة الفيضِ ونظريّةَ “ الاتصال “ ونظريّة السعادةِ “ المرجع نفسه، ص444.

70

الجابري، نحن والتراث، ص439.

71

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص56–57. أنظر: مفهوم الإسلاميات التطبيقيّة: المرجع نفسه، ص57.

72

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص 57؛ عبد الجبار الرفاعي (حوار وتحرير)، الدين وأسئلةُ الحداثةِ (بيروت- بغداد: دار التنوير/ ومركز دراسات فلسفة الدين، 2015)، ص 45–49.

73

أركون، الإسلام. الأخلاق والسياسة، ص10. وبخصوص تعريف الخيال عند أركون، يُنظر: المرجع نفسه، ص10؛ محمد أركون، من فيصل التفرقة إلى فصل المقال. اين هو الفكر الإسلامي المعاصر. ترجمة وتعليق هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، الطبعة الثانيّة 1995)، ص 12–13.

74

أركون، الإسلام. الأخلاق والسياسة، ص 66.

75

الجابري، العقل السياسي، ص379–378.

76

أركون، الإسلام. الأخلاق والسياسة، ص 127.

77

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص18. بخصوص تحوّل القانون الوجودي الواقعي إلى قانون مثالي للتاريخ، يُنظر: المرجع نفسه، ص107؛ وبخصوص دور ابن خلدون في تقويّة المتخيّل الديني للخلافة، يُنظر: أركون، الإسلام. الأخلاق والسياسة، ص 139.

78

أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ص220.

79

للمزيد حول الفرق بين مؤرخ الفلسفة ومؤرخ الأيديولوجيات، يُنظر: بنعبد العالي، الفكر الفلسفي في المغرب، ص ص48–57.

80

الجابري، العقل السياسي، ص224.

81

المرجع نفسه، ص231–232.

82

الجابري، العقل السياسي، ص379.

83

المرجع نفسه، ص237.

84

المرجع نفسه، ص238. ويبيّن الجابري أنّ المتخيل الديني يحمل قضيّة الضعفاء والمضطهدين، بحيث” إنّ التعبئة تبدأ بتجنيد المخيال الاجتماعي الديني، إلخ، وقضيّة الضعفاء دائماً هي “الغد”: الضعيف يعيش يومه مشغولا بلقمة العيش، ولذلك فـ “ العلم بما سيأتي “ هو عنده قضيّة القضايا: ماذا يخبئ المستقبل. متى ستتغير الأوضاع إلخ. مشكلة المصير هي مشكلة الضعفاء. أمّا الأغنياء فهم يصنعون مصيرهم بأموالهم”، المرجع نفسه، ص238.

85

المرجع نفسه، ص238.

86

الجابري، نقد العقل السياسي، ص242. هذا، وتحضر هذه الظاهرة عند أركون على شكل جدل بين التاريخي والمتخيّل. يُنظر: أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص17.

87

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص159. ولكن للفكر الأسطوري رد فعله أيضا على تطرف العقل الوضعي- المنطقي. ينظر: أركون، الفكر الإسلامي. قراءة علميّة، ص126.

88

يتحدثُ أركون عن التوتر السياسي في الإسلام الّذي ينعكس على الاجتماع السياسي الحاصلُ بين السيادة العليا والسلطة والاجتماعية. ينظر: أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص 171، 176.

89

مختار الفجاري، نقد العقل الاسلامي عند محمد أركون (بيروت: دار الطليعة، 2005)، ص26.

90

أركون، تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، ص266. ولاكتشاف المقدس، يوظف أركون التفكيك لتحليل علاقة هذا المقدس بالمتخيل الديني: محمد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل نحو تاريخ آخر للفكر الإسلام، ترجمة وتعليق هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، 1999)، ص67. ويحدد بلقزيز ثلاثة مداخل في قراءات الوحي عند محمد أركون:1. التمييز في الوحي بين الكلام الأزلي والوحي المسجد في لغة بشريّةٍ.2. قراءة الوحي على أساس التمييز بين فالقراءة المجازيّة للقرآن، والقراءة الحرفيّة الحنبليّة. 3. قراءة الوحي في ضوء التاريخ والأحداث. بقلزيز، نقد التراث، ص 392–394.

91

محمد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، ص29. أنظر أيضاً: نايلة أبي نادر، التراث والمنهج بين أركون والجابري، ص83.

92

يُنظر: عبد الإله بلقزيز، “نقد العقل النظري”، في: مجموعة مؤلفين، العقلانيّة والنهضة في مشروع محمد عابد الجابري (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الأولى 2013)، ص364؛ وجيه قانصو، “في تفسير القرآن الكريم: المنطلقات والأدوات”، في: المرجع نفسه، ص358.

93

أركون، الفكر الأصولي، ص280.

94

المرجع نفسه، ص151. وعلى إثر هذه العمليات التي طالت المصحف، يرى أركون أنه “تم إعلان أنّ جمع القرآن اكتمل، وأنّ النص أمسى ثابتا غير قابل للتبدل أو التغيير؛ لهذا السبب تمَّ إتلاف النصوص الجزئيّة حتى لا تحفزُ الخلافات في شرعيّة المدونات الرسمية.” يُنظر:

Arkoun, ABC de l’islam, p. 87.

95

يُنظر: أركون، الفكر الأصولي، ص151؛ محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ترجمة هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، 1991)، ص104

96

محمد أركون، الإسلام، أوروبا، الغرب. رهانات المعنى وأرادات الهيمنة، ترجمة واسهام هاشم صالح، ط2 (بيروت: دار الساقي، 2001)، ص193.

97

محمد أركون، العلمنة والدين. الإسلام، المسيحيّة، الغرب، ط3 (بيروت: دار الساقي، 1996)، ص217.

98

أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ص55.

99

يُنظر: أركون، الإسلام. الأخلاق والسياسة، ص24؛ عبد الجبار الرفاعي، “ نقد العقل الإسلامي والإسلاميات التطبيقيّة. ما الّذي يحيل إليه المفهومان؟ “، في: الرفاعي (حوار وتحرير)، الدين وأسئلةُ الحداثةِ، ص 21–22.

100

Mohammed Arkoun, la pensée Arabe, p. 18.

101

أركون، الإسلام. الأخلاق والسياسة، ص22. ولكن في هذا “الاستبدال اللغوي”، يقرّ أركون”إننّا نعجز على نقل لغة دلاليّة حرفياً دون أنْ يؤدي هطا إلى افقار لنظام دلالات معقد. ومن البيّن، كما قلنا آنفاً، المرور بواسطة التحليل الأدبي الّذي يفترض علم العلامات المتعلقة باللغةِ الدينيّةِ. “يُنظر:

Mohammed Arkoun, la pensée Arabe, p. 20.

102

محمد أركون، نافذة على الإسلام، ترجمة صيّاح الجهيّم (بيروت: دار عطيّة للنشر، 1996)، ص242–243.

103

محمد أركون، القرآن. من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، ط2 (بيروت: دار الطليعة، 2006)، ص5.

104

المرجع نفسه، ص7.

105

محمد أركون، قراءات في القرآن، ترجمة هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، 2017)، ص13.

106

المرجع نفسه، ص17.

107

محمد أركون، قراءات في القرآن، ص 21. وينوه أركون على بأن مصطلح “ المدوّنة الرسميّة المغلقة” ينطبق على سيرورة تكوّن القرآن مثلما ينطبق “على الأناجيل المدعوة القانونيّة أو الصحيحة أو الشرعيّة (تمييزاً لها عن الأناجيل المحرفة أو المزورة)’ كما ينطبق على التوراة. الدليل على ذلك أن اليهود والمسيحيين والمسلمين يعودون بلا كلل أو ملل إلى مدوناتهم النصيّة الرسمية الناجزة المغلقة التي يدعونها أيضاً الكتابات المقدسة، وهذا يعني ترجيح المرحلة الكتابيّة التدوينيّةِ على المرحلة الشفهيّة للوحي”، المرجع نفسه، ص21–22.

108

المرجع نفسه، ص22.

109

المرجع نفسه، ص23. في مقابل قراءة الفقهاء واللاهوتيين، يقول أركون عن قراءته الجديدة للقرآن الكريم: “ أرجو أنْ يكون القارئُ قد فهم المقاصد النظريّة لما أدعوه “ قراءات القرآن” بالجمع، فأنا أريد دراسة الشروط النظريّة التي يؤدي توافرها إلى إمكانيّة التوصل إلى قراءة جديدة للقرآن، وأقصد بها القراءة التي تتوصل إلى معانيه الأصليّة عندما كان لايزال نصاً شفهياً قبل أن يصير نصاً مكتوباً.” المرجع نفسه، ص23. ويشرح أركون معنى الكتاب العادي بالقول:” وهذا الوسيط في حالة الإسلام يُدعى الرسول أو النبي…ثم يسجل هذا الوحي كتابة فيما بعد على الرق أو الورق لكي صبح كتاباً عادياً يمكننا أن نخزّنه أو نفتحه أو نقرؤه ونفسره”، محمد أركون، القرآن. من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، ص25.

110

أركون، القرآن. من التفسير الموروث، ص12.

111

المرجع نفسه، ص28.

112

يُنظر المرجع نفسه، ص7، 24.

113

المرجع نفسه، ص29. يُنظر أيضاً: أركون، قراءات في القرآن، ص381.

114

المرجع نفسه، ص285. يشير أركون إلى تبدل نظرة العقل الحديث إلى العجيب المدهش؛ إذ “ بالنسبة إلى الإنسان اللا متدين أو الروح الوضعيّة كما نقول اليوم، فإنّنا نجد العكس أي نجد أن العجيب المدهش ليس إلاّ تنازلاً مؤقتاً يقدمه العقل للإثارات الخياليّة أو الوهميّة قبل أن يستطيع تفسيرها وحلّ لغزها لاحقاً عن طريق المنهج العلمي”، المرجع نفسه، ص286–287.

115

أركون، قراءات في القرآن، ص 285.

116

المرجع نفسه، ص 316.

内容统计数据

全部期间 过去一年 过去30天
摘要浏览次数 0 0 0
全文浏览次数 463 463 21
PDF下载次数 926 926 26