Save

مرجع كامبريدج في إبستمولوجيا الدين

In: Philosophical Studies Journal
Author:
عبد اللّٰه هداري أكاديمية الدار البيضاء الدار البيضاء المغرب

Search for other papers by عبد اللّٰه هداري in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close
https://orcid.org/0009-0005-5142-5804

جوناثان فوكو، جون غريكو، تايلر دالتون مكناب (تحرير)، مرجع كامبريدج في إبستمولوجيا الدين. ترجمة مصطفى سمير عبد الرحيم. بيروت، وهران: ابن النديم للنشر والتوزيع، دار الروافد الثقافية-ناشرون، 2024. 528 صفحة‪.‬

يؤكد مرجع كامبريدج في إبستمولوجيا الدين استمرارية الإنسان في التعايش مع قلق البحث عن المعنى، بل إن العملية برمتها جزء من تركيبته الطبيعية حسب تعريف الفلاسفة الأخلاقيين له. لهذا، ارتأى محررا هذا الكتاب، جوناثان فوكوا Jonathan Fuqua وثايلر دالتون مكناب Tyler Dalton McNabb، جعل السؤال القديم الجديد عن العلاقة بين العقلانية والإيمان محور جل الدراسات التي ضمتها فصوله، فجاء مقسما إلى ثلاثة أقسام كبرى، تتناول العقلانية والإيمان، التقاليد الدينية، الاتجاهات الجديدة، ثم توزعت كل قسم منها عدة فصول بحثية بلغت في مجملها تسعة عشر فصلا. وأما الأسئلة - على سبيل المثال – التي أوْلتها المقدمة الاعتبار فهي من قبيل: أسئلة الإيمان والعقل أو العلاقة المركبة وغير الواضحة فيما بين المعتقد الديني والعقل أو التعقل، وسؤال هل من الضروري أن نكون عقلانيين لنكون متدينين؟ وما هي طبيعة هذه العقلانية المفترضة؟ وهل تحتمل العقلانية الإيمان بموجودات غيبية؟

وإذا كانت قدرتنا على العقلانية، حسب مقدمة الكتاب، تدخلنا رغمًا عنا رحلة البحث عن المعنى، فإن التقدم في هذا المسار يجعلنا أمام عقلانية متجاوزة لذاتها إن صحت العبارة؛ بمعنى أن العقل يشير إلى ما وراء نفسه، في تجاوز ظاهر لحدوده التقليدية-الطبيعية. ومن هنا ينبع دوما سؤال الكيف العقلاني للاعتقاد والممارسة الدينيين. وفي هذا السياق يؤكد المحرران بأن الابستمولوجيا (نظرية المعرفة) الدينية - في المجمل – محاولة متكررة للتفكير في هذه الأسئلة، بحسب ما تتيحه سقوف المعرفة العلمية والفلسفية في كل لحظة من لحظاتها التاريخية. وقد لا نبالغ إن قلنا بأن الدراسات التي تضمنها الكتاب جاءت منتصرة للعقلانية المرنة، أي التي تجعل الإيمانيات محتملة لعقلانية تخصها -ربما- ليس من الضرورة أن نقيسها على العقلانية التقليدية، أو أن نرفع عنها صفة العقلانية لمجرد احتكامها للحس أو التجربة العملية أو الشعائرية والغيبيات وما سواها من القضايا الإيمانية. والكتاب، كما يقول Joel Pierce جويل بيرس، في مراجعة سابقة ومختزلة لهذا المرجع،1 مساعد للمؤمنين الباحثين عن توافقات بين إيمانهم والعقلانية (البحث عن المعنى) المتجذرة فيهم‪.‬

تناول القسم الأول قضية العقلانية والإيمان، من خلال سبعة فصول هامة، شملت سؤال اللاهوت الطبيعي والاعتقاد الديني وصلة هذا الأخير بأسئلة الدليل ثم صلة العقلانية بالمعجزات؛ غير أن اللافتَ في هذا القسم الدراسةُ التي أنجزها مايكل بيرغمان Michael Bergmann حول “الإبستمولوجيا الإصلاحية” (reformed epistemology)، والتي تعني حسب بيرغمان “.. أن الاعتقادات الدينية يمكن أن تكون عقلانية حتى لو شُكِّلت ودُعِّمت على نحو غير استدلالي، أي ليس على أساس الحجج”. والدراسة عبارة عن تعريف مدرسي مجمل بهذا النوع من الإبستمولجيا، سواء من حيث مناهجه أو مراحل تطوره التاريخية، والقضايا التي يعنى بدراستها‪.‬

وفي سياق بيان مراحل تلقي هذا التوجه الابستمولوجي في دراسة المعتقدات الدينية يقترح بيرغمان تقسيمها إلى ثلاث مراحل كبرى: بدأت الأولى أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين، ويمكن نعتها بنوع من التعميم “لحظة التأسيس” من طرف أسماء ذاع صيتها في هذا المجال، من قبيل ألفين بلانتينغا Alvin Plantinga ونيكولاس ولترستورف Nicholas Wolterstorff وويليام الستون William Alston ؛ أما المرحلة الثانية فكانت بدايتها لحظة التسعينيات؛ لتأتي بعدها في الألفينيات - تحديدا - المرحلة التي ستكون المستقر الأخير للتوسعات التي طالت هذا المجال المعرفي‪.‬

وحسب بيرغمان فإن الابستمولوجيا الإصلاحية قد انتقلت من لحظة التأثير الضيق والمحدود، إلى التوسع والانتشار الواسع في كل من المرحلة الثانية والثالثة، وصارت اليوم الموقف البارز داخل فلسفة الدين التحليلية، أي أنها أصبحت صاحبة الحظوة داخل مجال عقلانية الاعتقاد الديني. وأما انتشارها هذا فيعني تضييقا وربما تجاوزا للموقف التقليدي الذي كان رائجا في أوساط الأكاديميين والمتدينين، القائل بأن الاعتقادات لا يمكن أن تكون عقلانية إلا إذا تم تبنيها على نحو استدلالي على أساس الحجج. وعلى كل، فالتعريف الذي قدمه بيرغمان يكتسب أهمية بالغة هنا، حيث سيدفع القراء، من المتخصصين أو غيرهم، للانفتاح أكثر على هذا النوع، وتقبله والاستعانة بآلياته المنهجية ومخرجاته المعرفية بالأخص في الأوساط المعنية بالفلسفة الإسلامية والعقلانية الدينية في مجال الأكاديميا العربية الإسلامية‪.‬

أما القسم الثاني، فيمكن القول بأنه مسح تحليلي لتشكلات الابستمولوجيا الدينية من خلال “التقاليد الدينية”، سواء الإبراهيمية (اليهودية، المسيحية، الإسلام)، أو غيرها (الهندوسية، البوذية). وتحاول الدراسة التي أنجزها كل من إنيس ديكو Enis Doko وجيمي ب-تيرنر Jamie B. Turner حول “الإبستمولوجيا الدينية الإسلامية”، رسم خارطة فكرية عبر استعراض المنظورات الإبستمولوجية المتنوعة داخل التراث اللاهوتي (العقدي) الإسلامي، وباستحضار واضح لمفاهيم فلسفة الدين التحليلية المعاصرة، ومراعاة منهجية للسياق التاريخي واللغة الفلسفية الحديثة‪.‬

وإذا اعتبرنا السياق العام لتطور دراسات الإسلام فلسفيا اليوم، فإن الباحثيْن لم يخرجا عن التصورات السائدة - إلى حدا ما - حول الاتجاهين الكبيرين داخل المدارس العقدية في الإسلام، وهما: الاتجاه الأول الذي أطلقا عليه “الاتجاه العقلاني” ويقصدان به اتجاه أهل الرأي، والذي يضم المدراس الكلامية الكبرى (المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية)؛ وأما الاتجاه الثاني فهو ما أطلقا عليه “اتجاه أهل الحديث” والذي ركزا فيه على المدرسة الحديثية من خلال ما اعتبراه المحدد الأساس لطبيعة التفكير في الأسئلة العقدية، وتحديدا نصوص ابن قدامة (ت 1223)، وفكر ابن تيمية الحراني (ت 1328)‪.‬

غير أن الهام في الدراسة تصنيفها لهاتين المدرستين بناء على التقسيم الثلاثي المُراعى في أدبيات فلسفة التحليل المعاصرة، أي “الدليلية المؤلهة” (theistic evidentialism) و”الإبستمولوجيا الإصلاحية“ ثم “الإيمانية” (fideism). فجعلا من مدرسة الكلام الإسلامية في اتجاهها المسمى عقلانيا صورة لتداخل وتنوع في المنهجيات، حيث نجد أشكالا من الدليلية المؤلهة والفلسفية داخل علم الكلام. والمعتبر في هذا الطرح تصنيفه أهل الحديث في صورة أقرب ما تكون إلى الإيمانية والإبستمولجيا الإصلاحية، دون الاستغناء التام عن المطالبة بالدليل، وفي ذلك تجاوز نسبي للصور النمطية والسطحية التي لطالما راجت حول التقسيم الثنائي بين المدرستين، باعتبار الأولى ممثلا وحيدا للعقلانية بينما الثانية ممثلا وحيدا للأثر والنقل المرتبط بالحديث‪.‬

أما القسم الثالث والأخير والذي تناول الاتجاهات الجديدة في الإبستومولوجيا الدينية، فيمكن القول بأنه هو الآخر من أهم المباحث اللافتة للنظر داخل هذا المرجع، التي تناولت موضوعة الثقة والشهادة والاعتقاد الديني، والخلاف الديني، والفهم العملي المشبع شعائريا، إلى جانب مواضيع أخرى. وفي واحد من فصول هذا القسم، تخلص لورا فرانسيس كالاهان Laura Frances Callahan، في دراستها حول مسألة “الثقة والشهادة والاعتقاد الديني”، إلى أن الشهادة والثقة قد تكونان مصدرا أساسيا عند المتدينين لتسويغ الاعتقادات؛ ذلك أن المؤمنين حينما يعتقدون بصحة الديانة، كالمسيحية حسب المثال الذي قدمته، فإنهم يثقون على سبيل الواجب بالرب، ويثقون أيضا ببعض الشهود البشريين. ولعل الباحثة تروم هنا لفت أنظار القراء إلى أهمية هذين العنصرين في عملية التسويغ العقلاني للمعتقدات، وهما عنصران لطالما رأى فيهما الكثيرون خروجا عن حيز العقلانية، أو تسويغا لا يمكن أن ننعته بهذه الصفة‪.‬

أما كاثرين دورماندي Katherine Dormandy فتناولت موضوعة “الخلاف الديني”على غير المنوال الذي اعتاد الكثير من الفلاسفة تناوله به، أي باعتباره مشكلة؛ ذلك أن الخلاف فيما بين الأديان أو بين أفراد الديانة الواحدة، بالأخص حينما يكون تفاعلا مدروسا مع المعتقدات الأخرى، قد يساعد في تحسين معتقدات الفرد. وحسب وجهة النظر هاته، فإننا نتجاوز الفهم القديم لمسألة الخلاف باعتباره “تهديدا”، لننظر إليه في المقابل باعتباره “فرصة”. ولذلك، ليس الموقف الدفاعي، حسب دورماندي، أفضل خدمة يمكننا أن نقدمها للحياة المتعلقة بالمسائل الدينية، بل سيكون معيقا لقدراتنا العقلانية؛ بينما النظر للخلاف الديني بوصفه “فضولا”، أمر سيوسع لا محالة مداركنا وينميها. ولعل القارئ سيلحظ هنا البرغماتية التي ميزت نظرة كاثرين لموضوعة الخلاف، حينما اعتبرتها من زاوية نظر إبستمولجية فرصة دائمة لتوسيع مدارك المؤمنين؛ كما تبدو واضحة رغبتها في توطين فكرة مفادها أن الخلاف ليس بالضرورة مؤديًّا إلى مزيد من البعد بين المؤمنين أو الأديان، أو إلى التحول من ديانة لأخرى؛ وإنما هو فرصة لتوثيق الصلة بالمعتقد الأصلي، وتوسيع إدراكه لنفسه. والعملية في المحصلة تمرين عقلاني لا يمكنه إلا أن يسند مسوغات الاعتقاد العقلاني عند المؤمنين‪.‬

ودون أن نجاوز الجانب العملي في صلته بأشكال تعقُّل المعتقدات، تناولت تيرينس كيونو Terence Cuneo هي الأخرى ما أسمته “الفهم العلمي المشبع شعائريا”، وتقصد به الفهم العملي الذي يتولد جراء معاناة حفاظ المؤمنين على الشعيرة بشكل دائم وما يولده لديهم من “قلق الموائمة” مع ظروفهم المختلفة، والذي يدفعهم دوما للتفكير في كيفيات دفع هذا القلق ومواءمة وقائعهم المستجدة مع الممارسات الشعائرية عندهم. والعلمية في محصلتها تسهم في توليد معرفة عملية أو فهم عملي لحدود ما يمكن توقعه على نحو معقول عند الانغماس في الشعائر، وهذا النوع من الفهم حسب تيرينس يعد من زاوية نظر أخرى محاولة لرؤية العالم والرب (الغيب) حسب الفهم العملي المتولد عن التفاعل مع الشعائر‪.‬

وختاما، فإن هذا المرجع، في ترجمته العربية، يعد مادة علمية رصينة، ستمد الباحث الأكاديمي والقارئ غير المتخصص على السواء برصيد معرفي هام حول طبيعة القضايا والأسئلة التي لطالما شغلت الباحثين في مجال الإبستولوجيا الدينية، وستجعله مطلعا كذلك على الأسئلة والأجوبة المستجدة في هذا المجال، وما صاحبها من نظريات تساير التطور الحاصل في مجال الفلسفة عموما، والإبستمولوجيا الدينية على وجه الخصوص. ويمكن أن نعد الكتاب انتصارا لمسالك النظر الجديدة في تأويل وتعقل القضايا الدينية سواء المرتبطة بالشعائر (التجربة الدينية) أو الكتب المقدسة والمعجزات وغيرها من مصادر الاعتقاد الديني، إلى جانب الحجج الفلسفية ذات الصلة بالوجود الإلهي ونقائضها الخ. وحسب عبارة المحرر، فإن أهمية الكتاب تتأتى إجمالا من استفادة الدراسات المتنوعة فيه من الأدوات الفلسفية والإبستمولوجية المتاحة اليوم لاستيعاب المسألة الإيمانية في ذاتها، والوعي بطبيعة مصادر الاعتقاد الديني، وكيف يمكن للاعتقاد أن يستحيل عقلانيا أو يرتقي إلى مستوى المعرفة‪.‬

1

Pierce, Joel. The Cambridge Handbook of Religious Epistemology, by Jonathan Fuqua, John Greco, and Tyler Dalton McNabb, eds. Pneuma, The Journal of the Society for Pentecostal Studies. Volume 46 (2024) : Issue 3–4 (Dec 2024) : Pentecostal Higher Education.

Content Metrics

All Time Past 365 days Past 30 Days
Abstract Views 0 0 0
Full Text Views 171 171 12
PDF Views & Downloads 369 369 19