Save

مراجعة كتاب ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة- صدمة الاختلاف

In: Philosophical Studies Journal
Author:
يوسف مدراري جامعة محمد الأول وجدة المغرب

Search for other papers by يوسف مدراري in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close
https://orcid.org/0009-0002-9395-7049

يوسف احنانة، ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة - صدمة الاختلاف. تطوان: مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية التابع للرابطة المحمدية للعلماء، 2025. 369 صفحة. ISBN: 978-9920-563-46-8

يعتبر هذا الكتاب تتويجا لمسار يوسف احنانة الذي ظل يراكم بحوثا مهمة في الدرس الأشعري طيلة ربع قرن. ولعل جل الباحثين قد تعرفوا على احنانة من خلال كتابه تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي (2003)، والذي صدرت طبعته الثالثة مؤخرا. شق احنانة طريقه في البحث في التراث الأشعري في الغرب الإسلامي في وقت كانت نسبة مهمة من هذا التراث مخطوطة، بالإضافة إلى منجزه المحترم في تحقيق العديد من النصوص الأشعرية المهمة‪.‬

يظهر لنا العمل المهم لخالد زهري المصادر المغربية للعقيدة الأشعرية العديد من الأعمال التي خصصها أشاعرة الغرب الإسلامي للرد على الفلاسفة، لكن عمل يوسف احنانة يتميز بقدرته على الوصول إلى مصادر غميسة ومصادر غير متوقعة تتضمن مادة مهمة فيما يخص النقد الكلامي الأشعري للفلسفة مثل شروح الحديث وكتب أصول الفقه. وعموما فقد كان هناك صراع بين منظومتين، الفلسفية والأشعرية، تسعى كل منهما لأن تكون رائدة في التفكير النظري. ويصوغ المؤلف أسئلة كتابه كالآتي: ما سر العداوة بين الأشعرية والفلسفة؟ وكيف تبلورت وتطورت الردود بين الطرفين؟ وكيف انتهت معركة المساجلة بين الطرقين؟ وهل كانت الأشعرية المسؤولة عن القضاء على الفكر الفلسفي؟ (ص. 10)‪.‬

وقد جاء الكتاب، الذي نحن بصدد مراجعته، مقسما إلى مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة. فالباب الأول خصصه المؤلف للحديث عن الفلسفة والأشعرية في الغرب الإسلامي، وكذلك درجات حضور علوم الأوائل في البيئة المغربية، بالإضافة إلى مبادئ الأشعرية ودخولها وترسيمها في بلاد المغرب. أما الباب الثاني فقد تناول فيه المؤلف ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة، ثم خصص حيزا مهما للحديث عن الردود على ابن رشد الحفيد. أما الباب الثالث والأخير فتناول فيه المؤلف ردود الأشاعرة على الفلسفة في المرحلة السنوسية وما بعدها إلى حدود القرن التاسع عشر‪.‬

1 الفلسفة والأشعرية في الغرب الإسلامي

حذر الأعلام المؤسسون للمذهب الأشعري من الفلسفة منذ القرن الرابع الهجري، حتى أنه لا يوجد مذهب في تاريخ الفكر الإسلامي رد على الفلاسفة أكثر من المذهب الأشعري (ص. 18) خصوصا في موضوعات: قدم وأصل العالم وحشر الأجساد وعلم اللّٰه بالجزئيات؛ حيث بذل الأشاعرة في الغرب الإسلامي جهدا كبيرا في الرد على الفلاسفة في تلك الموضوعات‪.‬

قبل أن يدلف المؤلف إلى الموضوع قام بالتمهيد بالحديث عن حيثيات دخول علوم الأوائل إلى الغرب الإسلامي. فمنذ الوجود الأموي في الأندلس، ظهرت فئة تعاطت علوم الأوائل ومنها الفلسفة. وكان الالتجاء لعلوم الأوائل لحاجات عملية، فكَثُر الإقبال على تعلم الطب وعلم الفلك. وهناك من رحل إلى المشرق من أجل تعلم الفلسفة، بالإضافة إلى بعض من كان يتعاطى الفلسفة من الوافدين من الشرق ودخلوا في خدمة البلاط (ص. 27). كما سعى الأمير عبد الرحمن الناصر (ت.366/977) إلى جلب كتب الفلسفة إلى الأندلس وترجمتها إلى العربية. وبرع العديد من العلماء في الطب، والذين خلطوا تعلم الطب بتعلم الفلسفة (ص.29،39). لكن علوم الأوائل ستعرف نكسة مع الحاجب المنصور ابن أبي عامر (ت.392/1002) الذي قام بإحراق وطمر كتب الفلسفة بحجة استهجان الفقهاء لكل ما له تعلق بالفلسفة، مما نتج عنه انتقال الاشتغال بالفلسفة من العلن إلى الخفاء (ص. 43)‪.‬

برز منذ القرن الثالث الهجري بعض الفلاسفة في كل من طليطلة وسرقسطة، ومن أشهر الفلاسفة الأوائل في الأندلس نجد ابن مسرة (ت.318/930)، وقد اعترف ابن حزم (ت.456/1064) أن فئة من الأندلسيين نظرت في الفلسفة “بأذهان صافية وأفكار نقية […] فاستناروا بها ووقفوا على أغراضها فاهتدوا بمنارها” (ص. 55). ستعرف الفلسفة نضجها في الأندلس مع ابن باجة (ت. 533/1139) وابن طفيل (ت.581/1185) وابن رشد (ت.595/1198). لكن احنانة يعتبر ابن باجة أول فيلسوف في الأندلس بكل ما تحمل الكلمة من معنى (ص.57). انتقد ابن باجة الأشاعرة وعلى رأسهم الغزالي (ت.505/1111) مما جر عليه عداوات واتهم بالإلحاد، ويعتقد احنانة أن ابن باجة مات مسموما على يد الطبيب ابن زهر (ت.557/1162) (ص. 59). ثم نبغ ابن طفيل الذي شكلت أفكاره محاولة للتوفيق بين الحكمة والشريعة، فكانت روايته الفلسفية حي ابن يقظان أول محاولة في الغرب الإسلامي لجعل الفلسفة في متناول العامة (ص. 64). ثم نجد الفيلسوف الأكثر شهرة وهو ابن رشد الذي انتقد بشدة المنهج الكلامي في إنشاء المعارف، لذلك كان الرد على المتكلمين، وخصوصا الأشاعرة، من أهم أركان المشروع الفلسفي لابن رشد، بالإضافة إلى رد الاعتبار للفكر الفلسفي بعد الهجوم الكاسح للغزالي (ص. 64–65). ورغم تبخيس ابن رشد لعلم الكلام والأشعري بالخصوص فقد تم ترسيخ الأشعرية في الدولة الموحدية، اسم الموحدية يحمل في حد ذاته خلفية كلامية، حيث تم ترسيم الأشعرية كعقيدة للدولة وتهافت الناس على تدريس النصوص الأشعرية مثل “الارشاد” للجويني (ت.478/1085) و“المرشدة” لابن تومرت (ت.524/1130)، و“البرهانية” للسلالجي (ص. 96)‪.‬

2 ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلسفة

يرصد احنانة ظهور شرارة العداء للفلسفة والتحذير منها من قبل المتكلمين الأشاعرة، وعلى رأسهم القاضي أبو بكر ابن العربي المعافري (ت.547/1152) من خلال كتابه العواصم من القواصم، ولعل ما ينبه عليه احنانة أن ابن العربي كان يناقش البنية المفاهيمية للفلاسفة (ص. 129). في القرن السابع نجد يوسف المكلاتي (ت. 626/1229) وكتابه لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول. الجميل في عمل احنانة هو تسليط الضوء على نماذج كان لها تعامل خاص مع الفكر الفلسفي، مثل ابن السيد البطليوسي (ت. 521/1127) الذي يعتبره المؤلف أول من دشن محاولات التوفيق بين الفلسفة والأشعرية من خلال كتابه الحدائق، الذي أبان فيه عن إعجابه ببعض الأفكار الفلسفية، لكن في الوقت نفسه يجتهد في إحداث توافق بين الفلسفة والأشعرية (ص. 105)، عن طريق تلطيف العبارة الفلسفية وإدخال تعديلات أشعرية عليها. الشخصية الثانية التي يسوقها احنانة هي أبو عبد اللّٰه المازري (ت. 536/1141) الذي كان من أشهر المالكية في عصره؛ حيث رد على الفلاسفة في شرحه على صحيح مسلم وكذلك شرحه لكتاب البرهان في أصول الفقه للجويني، في مواضيع من قبيل القول بتأثير الأفلاك والسببية، والقول بالطبائع (ص. 122)‪.‬

من مميزات عمل احنانة أنه يلقي الضوء على شخصيات مغمورة لا يُلتفت إليها؛ حيث نبه احنانة إلى شخصية أبي بكر بن ميمون (ت. 567/1172) تلميذ أبي بكر ابن العربي، والذي شرح كتاب الارشاد للجويني، هذا الشرح تضمن العديد من الردود على الفلاسفة (ص. 145). ثم أبو عبد اللّٰه الألبيري (ت. 573/177) الذي لم تصلنا كتبه ولكن نجد له ردودا على الفلاسفة في كتابه الدرة الوسطى في مشكل الموطأ، الذي رجع المؤلف إلى نسخته المخطوطة، وقد أبان الألبيري عن مقدرة في نقاش هؤلاء المنجمين انطلاقا من معرفته الكبيرة بعلم الفلك ثم جعل نقد التنجيم مدخلا لنقد الفلسفة (ص. 149–154). الشخصية الأخرى هي ابن خمير السبتى (ت. 614/1217) والذي رد على الفلاسفة من خلال كتاب مقدمة المراشد إلى علم العقائد وينبه احنانة أن ابن خمير يرد على الفلاسفة دون أن يسميهم أو حتى يذكر كلمة فلسفة، والطريف في مناقشة ابن خمير هو نقاشه للفلاسفة في مفهومهم للزمن (ص. 181–182). ثم انتقل احنانة للحديث عن أبي الحجاج يوسف المكلاتي (ت. 626/1229) في كتابه لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول، وقد أظهر المكلاتي براعة منطقية في الرد على الفلاسفة؛ حيث يعمد إلى أدلة الفلاسفة ويحللها منطقيا ثم يرد عليها، والغريب أنه لا يذكر أي فيلسوف من الغرب الإسلامي بل يذكر فلاسفة المشرق (ص. 185). وبالنسبة لغياب الرد على ابن رشد يرجح احنانة ما ذهب إليه محمد بن شريفة من كون المكلاتي لم يكن على اطلاع على كتب ابن رشد (ص. 186). أهم ما تميز به المكلاتي هو تحديد المفاهيم المشتركة في الجدال بين الفلاسفة والمتكلمين، ويبين في الكثير من المناسبات الفروق بين الاصطلاح الكلامي والفلسفي لنفس المفهوم (ص. 189)‪.‬

ثم انتقل المؤلف للحديث عن ردود ابن دهاق المعروف بابن المرأة (ت. 616/1219على الأرجح)، من خلال شرحه على الارشاد؛ حيث اعتمد المؤلف على نسخته المخطوطة. يعتبر ابن دهاق أن منشأ الخطأ عند الفلاسفة يرجع إلى أمرين: أقيسة فاسدة وجهالات مُعتقَدة، ويسطر ابن دهاق قاعدة مهمة في سجاله مع الفلاسفة وهي: “تبنى المذاهب على الأدلة ولا تبنى الأدلة على المذاهب” (ص. 220–226). ثم تناول المؤلف رد أبي زكرياء بن يحيى الشريف الإدريسي (ت. حوالي 640/1242) من خلال كتابه أبكار الأفكار العلوية (ص. 228). ثم خصص المؤلف حيزا مهما لرد ابن بزيزة التونسي (ت. 662/1264) شارح الارشاد والبرهانية الذي لم يكتف بنقد الفلاسفة، بل نقد بعض الأفكار الأشعرية، وما تميز به ابن بزيزة أنه يساير الفلاسفة في بعض الأفكار التي لا يجد فيها مخالفة لمعتقده، وينتقد بعض ردود الأشاعرة على الفلاسفة لأنها لم تستوف الشروط العلمية (ص. 233)‪.‬

انتقل المؤلف للحديث عن الردود على ابن رشد الحفيد خصوصا كتابه مناهج الأدلة في عقائد الملة الذي خصصه للرد على المتكلمين، وبيان تهافت حججهم، فقد انبرى العديد من الأشاعرة للرد على ابن رشد وعلى رأسهم ابن بزيزة التونسي، كما حذر منه أبو علي السكوني (ت. 717/1317) في كتابه لحن العوام في علم الكلام (ص. 243). ثم ينتقل احنانة للحديث عن متكلم مغمور وهو علي بن ثابت التلمساني (ت. 829/1426) الذي ألف شرحا على التنبيه والإرشاد في علم الاعتقاد لأبي الحجاج يوسف الضرير (ت. 520/1126) ومن خلال الشرح قام ابن ثابت بتتبع آراء ابن رشد والرد عليها بشكل مسهب ومفصل. ويدافع ابن ثابت عن مشروعية علم الكلام والأشعري بشكل خاص، ويشدد على أن العيب ليس في علم الكلام، بل العيب في ابن رشد نفسه لأنه لم يشتغل بعلم الكلام وتحصله، بل اشتغل بالفلسفة مما جعله يحكم على أدلة المتكلمين بكونها عويصة، بالإضافة إلى أن ابن رشد استعمل طرق الفلاسفة في الرد على علم الكلام وليس أدلة علماء الكلام (ص. 247). ولعل ابن ثابت، كما بين ذلك احنانة، كان نبيها في الرد على ابن رشد؛ فعندما استعمل ابن رشد مصطلحات فلسفية من قبيل الوجود بالقوة والخلاء والطبيعة، اعتبر ابن ثابت أن كل هذا القول متهافت لأنها مصطلحات من حقل معرفي آخر (الفلسفة) لا تلزم المتكلمين (ص. 262–263). ثم خصص ابن ثابت حيزا مهما للرد على كتاب فصل المقال لابن رشد، حيث قال: “أما تعظيم ابن رشد للفلسفة وجعلها آلة للنظر وحصره فيها فغير مسلم، إذ كثير من أئمتنا حقق النظر بغيرها ووصل إلى المقصود بدونها”، واعتبر أن محاولة الجمع بين الفلسفة والشرع محض تكلف (ص. 266–267)‪.‬

في سعي المؤلف لبيان ردود الأشاعرة على الفلاسفة، لم يكتف بالنصوص النثرية، بل اقتحم النصوص الشعرية التي تضمنت ردودا على الفلاسفة، حيث سلط الضوء على رد أبي عبد اللّٰه محمد بن حبوس الفاسي، وقد عاصر الدولة المرابطية وبداية الدولة الموحدية، فرأى حظوة الفلاسفة وسطوتهم بين مثقفي العصر فقام بالرد عليهم من خلال قصيدة شعرية (ص. 273). ثم تناول المؤلف كيف نظر المتصوفة في الغرب الإسلامي إلى الفلسفة مثل الششتري (ت. 668/1270) الذي اعتبرها تجربة إنسانية للوصول إلى الحقيقة (ص. 276–277). ثم أبان المؤلف عن نوع آخر من التفاعل مع الفلسفة؛ حيث سلط الضوء على ابن البناء العددي المراكشي (ت.721/1321) الذي حاول إدماج الفلسفة داخل منظومة التصوف وأسرار الحروف والإشراق، فيكون ابن البناء قد فتح للفلسفة بابا آخر من أجل أعادة التموضع والتلون بألوان جديدة (ص، 279–280). وكذلك تفاعل لسان الدين ابن الخطيب (ت. 776/1374)، خصوصا في كتابه روضة التعريف بالحب الشريف الذي يتناول مفهومي الحب والسعادة، حيث كان يستعرض أراء الفلاسفة دون التعليق عليها مما يعطي انطباعا أنه يتبناها (ص. 289). ويصرح احنانة أن ابن الخطيب استطاع لأول مرة في تاريخ الفكر الإسلامي السني أن يجعل المعرفة الفلسفية بوابة للوصول إلى مقام الولاية، لكن لا يعني هذا أنه يقبل الفلسفة جملة بل كان يرد في الكثير من المناسبات العديد من الأفكار الفلسفية (ص. 290). فكان كل من ابن البناء المراكشي وابن الخطيب انعطافا في تاريخ الفلسفة في الغرب الإسلامي، حيث تم التحول من نقد الفلسفة إلى استيعابها داخل التصوف الإسلامي واعتبار الفلسفة شكلا من أشكال الصعود إلى المعرفة (ص. 299)‪.‬

3 المرحلة السنوسية والرد على الفلسفة

قام أبو عبد اللّٰه السنوسي (ت.895/1490) ببعث العقيدة الأشعرية التي شابها الجمود، وانتعشت بسبب أعماله دراسة العقيدة الأشعرية في المدارس الدينية. لكن السنوسي لم يجعل الرد على الفلاسفة هاجسا مركزيا لأن الفلسفة قد عرفت في وقته ضمورا وتراجعا. ولكنه رد على الفلسفة في الكثير من المواضع مثل القول بقدم العالم ونفي الصفات (ص. 309، 317) وعلم اللّٰه بالكليات والجزئيات وحشر الأجساد. وعموما كان رد السنوسي على الفلاسفة افتراضيا، لأن الخطاب الفلسفي غائب بين الناس وصار نسيا منسيا، لذلك كان السنوسي لا يعير الفلاسفة أي اهتمام في جل مؤلفاته الكلامية باستثناء العقيدة الكبرى وشرحها، فلا وجود للفلاسفة ولا من يدافع عنهم (ص. 322)‪.‬

ثم تناول المؤلف ردود المتكلمين الأشاعرة بعد السنوسي، وخص بالذكر ردود أبي علي اليوسي (ت. 1102/1691)؛ حيث اعتبر اليوسي الفلاسفة من أصناف المشركين الطبائعيين (ص. 326). ثم رد الطيب بن كيران (ت. 1227/1812) في شرحه على توحيد منظومة المرشد المعين. ثم ختم المؤلف الردود برد كل من محمد الطالب ابن الحاج السلمي (ت. 1273/1857) في حاشيته على شرح ميارة لـ المرشد المعين، وكذلك رد محمد بن الحسن البناني (ت.1194/1780) من خلال أجوبته المصرية، فعند رجوعه من الحجاز في رحلته للحج مر بالديار المصرية فاستقبله بعض الأعيان بأسئلة في فنون مختلفة، فكانت أجوبته مناسبة للرد على الفلاسفة في بعض القضايا (ص. 333)‪.‬

يخلص المؤلف إلى أن منطقة الغرب الإسلامي لم تشهد تصالحا بين العقيدة الأشعرية والفلسفة إلا ما كان مع السيد البطليوسي الذي قرأ الفلسفة قراءة تأويلية تتماشى مع قناعاته المذهبية، وكذلك بعض المحاولات الصوفية لإدماج الفلسفة في التصوف. ويستنتج المؤلف أن الصراع ين علم الكلام الأشعري والفلسفة كان أساسه صراع بين منظومتين تقومان على النظر العقلي. ثم إن الفلسفة ستتوارى عن الساحة لتنتقل إلى العمل السري. ولا يعني أن اندحار الفلسفة أن الردود عليها ستنعدم، بل استمرت الردود رغم عدم وجود الفلاسفة، لأن الرد على الفلاسفة أضحى من وسائل بيان وعرض المواقف الكلامية الأشعرية (ص. 346)‪.‬

خاتمة

اعتقد أن عمل يوسف احنانة يُعتبر استئنافا للمدرسة التي أعادت الاعتبار لعلم الكلام ورؤيته المنهجية، في مواجهة الفلسفة وطرقها في إنشاء المعارف، خصوصا مدرسة مصطفى الرازق (ت. 1947) وتلاميذه. ويبدو أن عمل احنانة قد أعاد الاعتبار للأعمال الكلامية الأشعرية في الغرب الإسلامي، تلك الأعمال التي طالها الإهمال ولم تنشر نسبة مهمة منها إلا خلال العقدين الأخيرين. استطاع المؤلف أن يجول بنا في أجناس تأليفية مختلفة، مما مكنه من رسم صورة شمولية لمواقف وردود فعل المتكلمين تجاه الفلسفة. ولم يفت المؤلف أن يخصص حيزا مهما لهؤلاء المتكلمين الأشاعرة الذين كان لهم موقف مختلف من الفلسفة؛ وتعاملوا بانتقائية مع الأفكار الفلسفية، بل منهم من حاول إدماج الكثير من الأفكار الفلسفية في نسقهم الديني. وأعتقد أن عمل احنانة يقدم للباحثين مادة للاشتغال عليها بشكل أكثر تفصيلا، وربط ما توصل إليه المؤلف بتخصصات علمية أخرى، فات المؤلف أن يسلط الضوء عليها، لأنها تضمنت مادة مهمة في الرد على الفلاسفة، وأقصد بذلك كتب المنطق والبلاغة‪.‬

Content Metrics

All Time Past 365 days Past 30 Days
Abstract Views 0 0 0
Full Text Views 212 212 20
PDF Views & Downloads 430 430 16