Save

دفاعًا عن جماليات القرون الوسطى: أومبرتو إيكو وفكرة العمل المفتوح

In Defense of Medieval Aesthetics: Umberto Eco and the Idea of the Open Work

In: Philosophical Studies Journal
Author:
سامح محمد عطية الطنطاوي [aka. Sameh Eltantawy] أستاذ بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة حلوان (Lecturer of modern Aesthetics, Helwan University) حلوان (Helwan) مصر (Egypt)
باحث بمعهد الكونسرفاتوار جيوفان باتيستا مارتينى بولونيا إيطاليا

Search for other papers by سامح محمد عطية الطنطاوي [aka. Sameh Eltantawy] in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close
https://orcid.org/0009-0004-9164-2179

ملخص

قدم أومبرتو إيكو رؤيته الجديدة في النظر للفن والدين والإحساس بالجمال في القرون الوسطى في إطار الفكر الهرمينوطيقي، مقدما رده على بعض الاتجاهات التي تزعم خلوها من الفكر والتأمل الفلسفي والأخلاقي والجمالي، مؤكداً على ضرورة مراعاة السياق الذي عاشت فيه القرون الوسطى وليس الحكم عليها من منطلق السياق الذي نعيشه نحن الآن، مركزاً على أنها لم تكن عمياء تجاه القيم الأخلاقية والجمالية، مستشهداً بأحد أعلامها وهو ”القديس توما الأكويني“. ونستجلي، في هذه الدراسة، أوجه الجدة فيما طرحه إيكو بصدد جماليات العصور الوسطى في ضوء فكرته عن الانفتاح من خلال كتابه العمل المفتوح الذي ألّفه بعد كتاب مشكلة الجمال عند توما الأكوينلى، مبيّنين كيف ساعدته رؤيته المفتوحة للسياق الذي عاشت فيه العصور الوسطى على تشكيل رؤيته حول الجماليات المعاصرة. لقد شغلت فكرة العمل المفتوح إيكو منذ بداية مشواره الفلسفي، وتكاد تمثل البوصلة الأساسية التي تتحكم في معظم كتاباته سواءً في الفلسفة أو في الأدب وغير ذلك من موضوعات، وقد عرض في هذا العمل للعديد من النماذج والأمثلة الجمالية ليبين من خلالها كيف يسيطر العمل المفتوح على الجماليات من حولنا. ولا تخلو هذه النظرة التي نأمل تقديمها لجماليات العصور الوسطى في ضوء العمل المفتوح من أهمية؛ لأنها تعيد النظر فيما تم كتابته في تاريخ نشأة علم الجمال من جهة، وتكشف عن سمة بارزة في فلسفة إيكو الجمالية، وهي الاهتمام بالسياق الجمالي للقرون الوسطى من جهة أخرى‫.‬

Abstract

In response to the claim that the Middle Ages were devoid of intellectual, moral, and aesthetic contemplation, Umberto Eco offered his novel perspective on art, religion, and the feeling of beauty in the period within the context of hermeneutical thought. He emphasizes the need to look at the Middle Ages within their own context rather than ours. This paper explores Eco’s view on medieval aesthetics considering his idea of openness which also influenced his view on contemporary aesthetics. Ever since he wrote The Open Work, which after he has published The Problem of Beauty in Saint Thomas Aquinas, the idea of the open work has occupied Eco and it almost represents a leitmotif of his writings, whether in philosophy or fiction. It will be demonstrated that this concept of openness illuminates a key aspect of Eco’s aesthetic philosophy and challenges several established views on the origins of aesthetics.

‫ستكون كل محاولة للخوض في التاريخ الجمالي للعصور محاولة لمعرفة كيف كان مفكروها يفكرون، لا كيف نفكر نحن أو كيف يجب أن نفكر‬

أومبرتو ايكو، الفن والجمال في القرون الوسطى

Ma se si tenta una storia dell’estetica medievale è per cercare di dire come pensavano i medievali, non come pensiamo o dovremmo pensare noi

U. Eco, Arte e bellezza nell’epoca medievale

‫∵‬

1 تقديم

‫لم تبدأ رؤية أومبرتو ايكو U. Eco1 (‫1932‬–2016) المفتوحة لفكر القرون الوسطى مع كتابه العمل المفتوح Opera aperta الذى تم نشره عام 1962؛ بل قبل ذلك مع بحث تخرجه عن مشكلات الجمال عند القديس توما الأكويني ”Il Problema estetico in Tommaso d’Aquino“ عام (1954)، وقد اكتملت رؤيته حول دراساته عن الجماليات في القرون الوسطى في كتابه المهم الفن والجمال في القرون الوسطى ”Arte e bellezza nell’estetica medievale“ عام (1987). وكما نرى، فكتابته عن جماليات القرون الوسطى أتت على فترات متباينة، بين سنوات مختلفة، ولكن معظم الأفكار التي قدمها نابعة من الأساس المفتوح المبني على الاحتمالية.‬

‫مثلت فكرة العمل المفتوح، كما عرضها في العمل المفتوح (1962)، الجوهر الرئيس الذي قامت عليه فلسفة أيكو، عمل يرفض الثبات ويؤمن بالحركة والتنوع، إنه عمل له ”بناء“ ولكن هذا البناء خاضع للتأويل والحركة بشكل مستمر. و إيكو أهم وأول فيلسوف وروائي إيطالي اهتم بهذه الفكرة بشكل واضح، على الرغم من وجود بعض الإرهاصات غير المباشرة التي ظهرت قبله وبالأخص عند ”بانفي“ و”بيتي“ و”لويجي باريسون“، والتي حاولت التعبير عن هذه الفكرة، ولكن إيكو هو الذي وضع أساس هذا المصطلح، ومرحلة العمل المفتوح في فلسفة إيكو الجمالية تسمى في الفكر الفلسفي الإيطالي ”المرحلة قبل السيميوطيقية“ (1955–1968) وهى المرحلة التي سبقت كتاباته المباشرة عن السيميوطيقا والهرمينوطيقا والتي بدأت مع البنية الغائبة (1968)، أشكال المضمون (1971)، العلامة (1973) ونظرية علم العلامات (1973). وهذه الأعمال جميعها ترجع أهميتها إلى الأساس الذي بناه إيكو في العمل المفتوح وكتاباته حول القرون في ضوء فكرة الانفتاح.‬

‫وما دفعنا للقول بأنه أهم وأول فيلسوف إيطالي اهتم بهذه الفكرة، هو أن بعض من مؤلفاته تحمل مباشرة هذا العنوان، كما أن هذه الفكرة شغلته بشكل واسع النطاق منذ بداية مشواره الفلسفي والجمالي والسيميوطيقي، ولعل العمل المفتوح هو أحد أهم كتبه التي كانت سببا من أسباب شهرته، وهذا الكتاب في الواقع يعرض للعديد من الموضوعات التي يبدو أنها لم تطرح على ساحة فلسفة الجمال بشكل واسع، خاصة في الفلسفة الإيطالية المعاصرة، وفي باقي الفلسفات بصفة عامة، مثل فكرة العمل المفتوح، وجماليات العمل المفتوح، والقاموس والموسوعة، وبالأخص في ضوء تناولهما من منظور هرمينوطيقى وسيميوطيقى.‬

‫تشير فكرة العمل المفتوح، عند إيكو، إلى الصلة الوثيقة بصياغة الجدل بين عمل الفن ومؤوله، فالعلاقة بين العمل الفني المعاصر وتأويله في ضوء العمل المفتوح، هي علاقة وطيدة الصلة وذلك مقارنة بالعمل الفني التقليدي القائم على أحادية النظرة وتقييد حرية التأويل سواءً عند المؤلف أو المؤول، غالبا ما يلجأ منظرو علم الجمال، على سبيل المثال، إلى تعبيريْ ”الاكتمال“ و”الانفتاح“ في صلتهما بعمل من أعمال الفن. وهما يشيران عند إيكو إلى موقف معياري نكون فيه جميعا على معرفة بتلقينا للعمل الفني: نراه كمنتج نهائي لجهد أحد المؤلفين لنظم سياق من التأثيرات التواصلية، بطريقة يستطيع بها كل مؤول أن يعيد تشكيل التكوين الأصلي الذي استنبطه المؤلف، والمتلقي هنا يدخل في تفاعل بين المثير والاستجابة، ويعتمد في ذلك على قدرته المميزة لتلقي العمل. وبهذا المعنى فإن المؤلف يقدم عملا مكتملا بنيّة أن يلقي التكوين الخاص والتقدير من المتلقين له، وذلك يتوقف على المتلقي الفرد بحسب إحساسه بالعمل، وثقافته، وحسب طبيعة الأذواق والميول والتحيزات الشخصية.2‬

‫يندرج إسهام إيكو أيضا في سياق أكبر هو الموقف من تاريخ الإستطيقا. تبدأ النظرة التاريخية السائدة حول نشأة علم الجمال إما من اليونان من أراء ”أفلاطون“ و”أرسطو“ في فلسفة الفن حيث كان السؤال ”ما الجمال“ مركز النظريات الجمالية منذ العصور الكلاسيكية القديمة للإغريق، أو من منتصف القرن الثامن عشر مع الفيلسوف الألماني ”ألكسندر جوتليب بومجارتن“ 3 ”Baumgarten A. G.“ (‫1869‬–1714)، عندما ابتكرت هذه الكلمة لأول مرة. ويرى معظم مؤرخي علم الجمال أن الاستقلال الحقيقي لنشأة علم الجمال يبدأ من هنا. هنا يتقدم إيكو ويحدثنا عن العودة والاهتمام بالجمال في القرون،4 ونشأة علم الجمال والإحساس به في هذه المرحلة التاريخية – حيث كان الجمال جزءاً من الميتافيزيقا اللاهوتية – والاهتمام بأحد روادها مثل القديس أوغسطين“ ”‫Sant.Agostino‬“ (‪354‬–430)، أو القديس توما الأكويني”‪Tommaso D’aquino‬“ (‫1225‬–1274)، الذي كتب عنه مؤلفاً كاملاً بعنوان مشكلة الجمال عند القديس توما الأكويني (1956)، واتبعه بعمل آخر بعنوان الفن والجمال في القرون الوسطى (1987). يعد هذا فيما يبدو تغييراً جذرياً في تاريخ نشأة علم الجمال من جهة، والرد على كثير من المؤرخين في اتهامهم القرون الوسطى بخلوها من الجماليات.‬

‫كيف شكلت هذه النظرة المفتوحة موقف إيكو من القرون الوسطى؟ كيف يمكننا فهم السياق الجمالي الذي عاشت فيه القرون الوسطى؟ كيف يمكن رؤية القرون الوسطى في عيون العمل المفتوح؟ هل من الممكن الرد على الفكرة السائدة القائلة بأن القرون الوسطى خالية من الفكر الجمالي؟ كيف شكل إيكو رؤيته حول الجماليات المعاصرة؟‬

‫حاول إيكو بدراسته ومعايشته للسياق لعالم القرون الوسطى الرد على التساؤلات السابقة في ضوء رؤيته الجمالية المفتوحة، التي كان لها أثر واسع في معظم كتاباته، حيث إن اهتمامه بالقرون الوسطى بدأ منذ كان طالباً، كما شكلت هذه الرؤية المفتوحة موقفه تجاه الفن المعاصر والذي يراه دائماً على أنه عمل مفتوح من الممكن أن نراه ونتأوله بطرق شتي. وسنركز فيما سيلي على عناصر الجدة فيما طرحه إيكو بصدد جماليات القرون الوسطى في ضوء فكرته عن الانفتاح، لكي نبين كيف ساعدته رؤيته المفتوحة للسياق الذي عاشت فيه القرون الوسطى على تشكيل رؤيته حول الجماليات المعاصرة، وكيف مثلت له الجذور الأولى – مثلما مثلت ”لجيمس جويس“ – التي بنى عليها العديد من أفكاره الفلسفية فيما بعد، خاصة وأنه كتب العمل المفتوح بعد مشكلة الجمال عند القديس توما الأكويني.‬

2 الفن والجمال في القرون الوسطى

‫هناك نظرة عامة – من قبل بعض المفكرين المعاصرين – إلى الفن والجمال في القرون الوسطى، تتمثل في أنه يصعب الحديث فيها عن طبيعة العمل الفني أو النظريات التي تحكمه؛ بدعوى أن جل اهتمام القرون الوسطى انصرف إلى رؤية الجمال الفني بوصفه تأكيداً على جمال الرب خالق العالم ومخلص البشرية، وأن الفن ما هو إلا وسيلة أخلاقية لمعرفة اللّٰه. ويرى ”هانز بلتنج“ 5 ”‪Belting H.‬“ (‫1935‬–) أنه يمكننا تقسيم الفن المسيحي إلى نوعين، الأول يطلق عليه اسم الصورة المقدسة والذي تمثله كل الأيقونات المسيحية المقدسة التي تملأ أرجاء كنائس الغرب والشرق، وأن هذه الأيقونات لا تعد عملاً فنياً من الأساس، بقدر ما هي موضوع للعبادة والتقديس والطقوس الدينية وتمثل تغيراً رمزياً للسلطة، حيث تعمل لتحقق المطالب العامة للجماعة المسيحية. أما النوع الثاني من الصور فهي الصور التي تعمل بين الجماعة المسيحية في القرون الوسطى بوصفها نصوصاً، أو ما يسميها البعض بإنجيل الفقراء، حيث كانت تلعب دوراً معرفياً وإرشادياً في حكي قصص العهدين القديم والجديد بشكل مصور للشعوب المسيحية التي لم تكن تعرف اللغة اللاتينية في هذا الوقت. وعلى الرغم من انطلاق ”بيلتنج“ من تصور محدد للفن يختلف عن طبيعة الأعمال الفنية في القرون الوسطى المسيحية إلا أنه لم يجانب الصواب عندما أكد أن الفن في القرون الوسطى لم يكن فناً بالمعنى الذي نفهمه في يومنا هذا أي بوصفه نتاج حرية خلاقة لعمل الفنان الفرد وفقاً لنظرية محددة عن ماهية الفن وطبيعة العمل الفني. إن ميتافيزيقا الفن المسيحي تعتمد بالأساس على الإيمان بعقيدة خلق اللّٰه للعالم وتجسد المسيح المخلص للبشر من خطيئتهم، ومن ثم يهتم الفن بالمادة بكافة أشكالها من ناحية، وبالإنسان وملكاته العقلية من ناحية أخرى، وبحيث يجد الإنسان في الفن إيمانه باللّٰه وقد بات أنموذج الفن وغايته.6‬

‫يبدو أن الفن الاوروبي في القرون عكس بدوره الخصائص الدينية والعقائدية والأسطورية لهذه العصور، وتتحدد بالتالي نظرة جمالية مسيحية بعض عناصرها عقائدية لاهوتية مستمدة من نصوص معينة من الكتاب المقدس، أو ترجع إلى آثار بعض آباء الكنيسة. كما ينجم البعض الأخر من عناصر هذه النظرة من امتزاج الفن بشعائر العبادة وطقوسها في إطار مقررات المجامع الكنسية، أو التعاليم المنبثقة من النظام الكنسي ومع وجود هذه النظرة الجمالية، إلا أنه لا يمكن تجاهل الشكوك التي راودت أذهان آباء الكنيسة الأوائل حول قيمة الجمال والفن. وما تملكهم من قلق ازاء كل ارتباط أو اهتمام بالأشياء والموضوعات الأرضية قد يعرض الروح للخطر. ومن ثم كان موقف رجال الكنيسة الحذر من الفن والفنانين، خصوصا وأن الفنون المرئية والأدبية والدرامية التي كانت شائعة ارتبطت أساسا بحضارات وثقافات وثنية يونانية ورومانية، الا أنه على الرغم من خطر الوثنية، فإن فنون النحت والتصوير بدت وسائل مشروعة في تدعيم العقيدة، كما أن الفنون الأدبية لاقت استحسانا وقبولا باعتبارها جزءا من علم التربية في الفنون الحرة، ومع ذلك لا يمكننا القول بوجود اهتمام أصيل بالمشكلات الجمالية يتيح لنا تناوله باعتباره جزءا مستقلا من تراث الفلسفة الأوربية في القرون .‬

‫وكل ما يمكن قوله بوجود خصائص عامة امتزجت في مجملها بالإطار الحضاري للعصور من مناخ مسيحي عام إلى أغراض ومواضيع أيديولوجية إلى موضوعات للرسوم الأيقونية.7‬

‫إذا نظرنا إلى المقومات العامة للنظرة الجمالية السائدة في القرون يمكننا استخلاص المناخ العام لهذه العصور. لقد كان الاطلاع على آيات الانجيل يوضح لنا بعض المظاهر المأسوية ومظاهر الألم وإطار كامل من مشاعر الرقة والسلام والطهارة والأمل، كما يقدم لنا بعض الرموز الانسانية كالنظر إلى الطفولة باعتبارها النموذج المثالي، حتى للبالغين من حيث البساطة والسذاجة والنقاء والثقة. وفى ضوء هذا المناخ ينمو شعور بالأخوة الانسانية وهي أخوة عالمية كونية تتعدى نطاق التآخي بين أبناء المجتمع الواحد، وهي أخوة ترتبط بتطور الحب الذي تجاوز مدلوله اليوناني باعتباره نوعا من الاحساس المؤلم بالحنين نابع من الاحساس بالجمال. ومن ثم أصبح للحب معنى الشعور الهادئ والعميق الذي يجسد مظهرا من مظاهر الأخوة وتقترن به علاقة عميقة تربط الجميع بالذات الالهية، وهنا يتجلى رفض كل أنواع العنف.8‬

‫لقد اعتمد الفن المسيحي على العلاقة بين المادة والروح في الإطار التفسيري المسيحي اللاهوتي، ولكن وعلى الرغم من ذلك فإن ”القديس أوغسطين“ – بوصفه أول من أقام صرح الكنيسة الفكري والفلسفي – كان يرى الفن، مثله في ذلك كمثل ”شيشرون“ بوصفه مجالاً يبزغ فيه الجميل لا بوصفه انعكاساً ومحاكاة لجمال الطبيعة – كما نجد في نظرية الفن في عصر النهضة تؤكد بإصرار ودأب لا يعرف الكلل أن مهمة الفن الأصلية هي محاكاة الواقع والطبيعة – بل بوصفه فكرة تعيش في عقل الفنان والتي يحاول ترجمتها في المادة. تابع القديس أوغسطين آراء فلاسفة ”الأفلاطونية المحدثة“ فكان يرى الجمال الحسي في درجة أدنى من الجمال العقلي. وعلى الرغم من كونه درجة في سلم معرفة الجمال المطلق، إلا أنه تحول بآراء الأفلاطونية المحدثة صوب التأكيد على وجود اللّٰه من حيث إن الأشياء والأفكار الجميلة التي يملكها الفنان في عقله خير دليل على وجود جميل بالذات، هو اللّٰه والذي ينبغي على الجميع الإيمان به وبوجوده. من هنا فمفهوم الجمال عند أوغسطين ”يقوم في الوحدة في المختلفات، والتناسب العددي، والانسجام بين الأشياء“؛ ولذلك فالجميل هو ما هو ملائم لذاته، وفى انسجام مع الأشياء الأخرى. ”وكل جمال في الجسم يؤكد تناسق الأجزاء، مقروناً بلون مناسب. وقد عَرَّف القديس توما الأكوينى الجميل على أنه ”ذلك الذي، لدى رؤيته يسر“ وأنه يسر لمحض كونه موضوعاً للتأمل، سواء عن طريق الحواس، أو داخل الذهن ذاته. لقد كانت الجماليات في القرون، اذن تنبع من اللاهوت)مع وجود استبصارات جمالية عميقة مبكرة لدى القديس أوغسطين خاصة(وكرست نظريات الجمال والفن تلك تصوراً حول الجمال باعتباره إشعاع الحقيقة)أو شعاع الحق (”Splender Veritatis“ ذلك الذى يشع من خلال الرمز الجمالي الفني أو الطبيعي ويعكس وجود اللّٰه.9‬

‫لقد كانت التصورات الأساسية في نظرية ”أوغسطين“ الجمالية ترتبط أساسا بالوحدة والعدد والتماثل والنسبة والنظام. والوحدة هي الفكرة الأساسية ليس فقط في الفن، وإنما في الطبيعة أيضا. بحيث يمكن القول بأن وجود الأشياء الفردية كوحدات وامكانية المقارنة بينهم بالنظر إلى التشابه أو التماثل يفسح المجال أمام النسبة والقياس والعدد. والعدد، كما يؤكد ”أوغسطين“ يشكل تصورا أساسيا لكل من الوجود والجمال، وفى هذا المعنى يقول: افحصْ الشكل الجسدي، وستجد أن كل شيء في موقعه عن طريق العدد. ان العدد يؤدى إلى النظام واعادة تنظيم الاجزاء المتماثلة وغير المتماثلة في مركب متكامل وفقا للهدف والغاية. ومن النظام ينبثق المستوى الثاني من الوحدة. وهى الوحدة المتاحة من كليات متغايرة الخواص أو العناصر، كما يتحقق الانسجام والتناسق خلال العلاقات الداخلية من التشابه بين الأجزاء.10‬

‫يبدو أن الخاصية الهامة في نظرية أوغسطين مؤداها أن إدراك الجمال يتضمن حكما معياريا، فنحن ندرك الشيء المنظم باعتباره ما ينبغي أن يكون الوجود عليه، كما ندرك الشيء غير المنظم باعتباره شيئا ناقصا معيبا. ومن هذا المنطلق ينبغي على الفنان أن يبدع أعماله الفنية، فيعدل ويصحح وينفتح ابتغاء تحقيق النظام والتناسق. ومن هذا المنطلق أيضا ينبغي للناقد أن يقيم الأعمال الفنية. ويرى أوغسطين أن المشاهد أو المتذوق ينبغي أن يستحضر معه تصورا عن نظام مثالي نابع من نور الهى وعلى هذا النحو يمكن القول بأن الحكم الجمالي صحيح من الناحية الموضوعية بمعنى أنه لا مجال للنسبية فيه.11‬

‫لقد تمحور مفهوم الجمال عند ”أوغسطين“ حول مفاهيم النظام والانسجام والتكامل أو الاكتمال من أجل تفسير مفهوم الجمال. وقد أكمل الأكوينى هذا المفهوم الذي بدأه بقوله أن الجمال يتطلب ثلاثة شروط، الشرط الأول هو التكامل أو الاكتمال باعتبار أن الأشياء المكسورة أو الفاسدة والأشياء الناقصة تعد قبيحة. أما الشرط الثاني فيعود إلى النسبة أو الانسجام وقد يقصد به الاشارة إلى العلاقات بين الاجزاء في الشيء نفسه، كما يقصد به أيضا الاشارة إلى العلاقة بين الشيء والمدرك. أما الشرط الثالث فهو الوضوح، وهنا نلاحظ أن هذا الشرط قد فسر على انحاء مختلفة، وارتبط فقط بتقاليد الأفلاطونية المحدثة والتي بمقتضاها اعتبر الضوء رمزا للحقيقة والجمال الإلهي كما أن الوضوح قد يفيد روعة أو فخامة الشكل.12‬

‫لقد انصب الجدل في القرون الوسطى حول ربط الفن بالإطار اللاهوتي من أجل تبيان طبيعة الخلق. وقدمت إجابات تعود بدورها لتوضيح فكرة خلق اللّٰه للعالم ولا تفيد في معرفة كيف يمكن للفنان أن يخلق علمه الفني، وما هي الفكرة الفنية التي يبدع على أساسها. كما أن الجدل المسيحي في هذه الفترة لم يولِ اهتماما للتفسير الأرسطي للمثل بوصفها أشكالاً داخلية توجد في العقل البشري ولكونها لا تتماشي مع العقيدة المسيحية، خاصة في ظل نظرية أرسطو عن المحرك الأول، كما تم إقصاء التعريف الأفلاطوني للمثل بوصفها جواهر خالدة لها وجود بالفعل خارج عالم الكون والفساد لأنه تعريف ينطوي على مخاطرة الإيمان بوجود جواهر خالدة ومتعددة غير الذات الإلهية. لقد تحول الاهتمام في القرون من القضايا الميتافيزيقية إلى القضايا المنطقية واللاهوتية بفعل التأثير الطاغي للكنيسة حينئذ، وأصبحت الأفكار الجوهرية متعلقة بالمشكلات الدينية، بينما صارت قضايا الفن قضايا فرعية، وتناقش في ضوء التصورات الدينية فقط، وحافظ ”الجميل“ على مكانته لكنه كان محاطا بهالة من القداسة، وقطعت كل صلاته القديمة بالفن، وتم إحلال صلات جديدة بدلا منها تربطه على نحو وثيق بالمقدس الديني.13‬

‫وفي ظل هذه الظروف المربكة، ومحاولة الثقافة المسيحية في عصورها الوسطى تناول الفن في إطار ديني لاهوتي، كان من الصعب أن نجد اهتماماً أصيلاً بنظرية الفن أو طبيعة العمل الفني بشكل ملائم في الحضارة المسيحية، فلقد انصب اهتمام الثقافة المسيحية، مثلها مثل أفلاطون، على الجميل ولم تهتم بطبيعة العمل الفني، مع الأخذ في الاعتبار أن الجميل لا يتحدد في المسيحية إلا بناء على مرجعية دينية ينبغي أن يتواءم معها. ولا يمكننا معاينة طبيعة الفكرة الفنية في الفلسفة المسيحية إلا بطريقة معاينة أفكار اللّٰه نفسها، فيصير العمل الفني تطبيقاً للروح المسيحية عند الفنان على المادة سواء تجلي ذلك في فن المعمار أو النحت أو الموسيقي أو حتى فن الشعر. وهكذا أصبحت الاهتمامات الأفلاطونية الصوفية لدى ” بونا فنتورا“، وكذلك الواقعية المدرسية الأرسطية لدى توما الأكوينى محصورة داخل إطار لاهوتي. وأصبح الجمال علامة على إعجاز الخلق الإلهي، سواء تمثل هذا الجمال في الكون بمعناه الكبير، أو في كائن صغير. وأصبح الفن نسخا أو محاكاة لما كان موجودا في عقل الخالق الأول. وهكذا وصل أوغسطين قبل توما الأكوينى أيضا إلى حل لتلك الحالة المضنية من الحيرة وعدم اليقين التي عاش فيها، والتي جعلته يقول ”أومن لأنه غير معقول“، ومن ثم نظر إلى الإسهام الأدبي والفلسفي الإنساني باعتباره مبررا لتوق الإنسان الدائم إلى الجمال: فكل ما خلقه الإنسان من فن ذي قيمة يرمز إلى الحقيقة، والحقيقة ترتبط بالجمال، والفن يعكس بعض صور هذا الجمال.14‬

3 تصور أومبرتو إيكو للفن والجمال في القرون الوسطى

‫تتضح رؤية إيكو المؤسسة على فكرة ”العمل المفتوح“ ليس في نظرته للفن المعاصر فقط، وإنما من الممكن أن نتكشف ملامح هذه الفكرة في تناوله للفن والحساسية الجمالية ”La sensibilità estetica“ في إطار الفكر الهرمينوطيقي في القرون15 ”Epoca medievale“، وذلك من خلال عدة أفكار أساسية قام عليها تصور إيكو للفن وقيمته الجمالية في القرن العشرين، سنطرحها في نقاط ونحاول التعليق عليها.‬

‫– تأويله للفكر الجمالي في القرون الوسطى تأويلاً جديداً، يخلص منه إلى أن الفكرة السائدة عن خلوّ القرون من الفكر الجمالي أو من تأويل الجمال هي فكرة زائفة. وقد عالج إيكو ذلك بتأكيده أن ثمة تجاهل لبعض مظاهر الجمال في القرون الوسطى من قبل بعض المفكرين، ففي العصور التالية لها لم يكن هناك رؤية واضحة للجمال فيها، ولكن رغم ذلك نجد بعض من الأدباء المعاصرين مثل ”جيمس جويس“ بنى بعض تصوراته الجمالية في ”أوليس“ في ضوء اهتمامه بالفهم الواعي للقرون الوسطى، بتركيزه على القديس توما الأكويني وهنا يؤكد إيكو تأثير الأكويني على شخصية ”جويس“ وخاصة في رؤية الأكويني المتعلقة بعلم الجمال، ففي الاقتباسات أحال أليها ”جويس“، لم يكن الأمر يتعلق بالعمل الذي يمكن أن يعبر عن شخصية الشاعر، ولكن هناك حوار بين شخصية الشاعر والعالم المحيط به، فالعمل يعتبر جماله واقعياً وقابلاً للقياس، والقيمة الجمالية منبعها البنية، من هنا رأى ”جويس“ أنه لابد من الكشف عن الفهم العميق لفكر القرون الوسطى، وقد اقتنع بهذا كثيراً، وهذا ما تمثل في اهتمامه بإمكان تحقيق نظرية للخلق الإبداعي بناءً على أسس الفكر التوماوي، وفي اتجاه أن تكون هذه النظرية مفيدة في الإبداع الشعري فإنها تختزله إلى صيغة موجزة وهي ”أن الفن هو الشكل الإنساني لوضع المادة الملموسة والمفهومة في سيرورة جمالية“.16‬

‫تأثر إيكو في كتاب العمل المفتوح“ بجماليات ”جويس“، ويؤكد أننا يمكننا عرض أفكار من القرون الوسطى تم إعادة توظيفها من قبل بعض المفكرين والفنانين المعاصرين. بنى ”جويس“ بعض أفكاره عن ”الساحرات“ ”Epifania“ – ظاهرة إلهية خارقة للعادة، وبوجه خاص الاحتفال المسيحي الذي يقام في السادس من يناير في ذكرى زيارة المجوس الثلاثة إلى المسيح وهو مازال في المهد، عند أول تجليات ألوهيته عند المسيحيين – والكلمة يونانية الأصل وتعني الكشف أو التجلي – مطوراً بعد ذلك اهتمامه بالسياق الجمالي في القرون الوسطى مستعيناً ببعض أفكار الأكويني، في محاولة لفهمها.17‬

‫العملية – كما يقول إيكو – أن التاريخ يعيد نفسه، فعلى سبيل المثال مفهوم أرسطو عن القوة يشرح استخدام السيارة. إن إعادة فهم التاريخ يهدف إلى إظهار العالم أثناء القرون الوسطى، وكيف أجاب على تساؤلات وضعتها ظواهر الجمال في إطار ما وراء الطبيعة في تلك العصور، وفي إطار ثقافتها ورؤيتها للعالم، بمعنى آخر هناك إعادة بناء تساعدنا على فهم هذا العالم بشكل أفضل، وعند فهمه ربما يؤدى بنا هذا إلى تأمل عالمنا بشكل أفضل أيضاً، وعند الخوض في التاريخ الجمالي أثناء القرون الوسطى، فإنها محاولة لمعرفة كيف كان مفكروها يفكرون؟ ليس كيف نفكر نحن أو كيف يجب أن نفكر؟.18 يبدو أن هذا التناول في فهم جماليات القرون الوسطى له أهميته من جهة أنه يخلق حالة من التصالح والفهم بين ما تعودنا عليه في النظر إلى العصور الوسطى في إطار ربطها باللاهوت فقط، ومن جهة أخرى يجعلنا ننظر لها بطريقة مفتوحة تساعدنا على تطور أفكارها باستمرار ومراعاة السياق الذي عاشت فيه، وهذا ما يمكن أن نستوضحه فيما يلي:‬

‫1 – أخذ إيكو على كثير من المفكرين والفلاسفة المعاصرين مثل ”كروتشه“ إهمالهم الكثير من الأفكار الجمالية الأصيلة عند بعض أعلام القرون الوسطى، وهذا ما يمكننا أن نتبينه من خلال كتابه مشكلة الجمال عند توماس الأكويني, وهي أطروحة إيكو للتخرج عام (1954)، التي ناقشها ”لويجي باريسون“، أستاذه في علم الجمال ونظرية التأويل بكلية الفلسفة بجامعة تورينو، وقد نشرت منه أجزاء في مجلة الفلسفة آنذاك قبل أن يطبع في شكل كتاب.19 رد إيكو خطأ هؤلاء المفكرين إلى أنهم يحاكمون القرون الوسطى بمعيار العصر الحاضر وينسون أن لكل عصر طريقة لتذوق الجمال ولمعالجة قضاياه والتفكير فيها. فمن الضروري النظر إلى لعصور الوسطى، والإحساس بالجمال فيها من خلال السياق التاريخي الذي وجدت فيه، لأن الإحساس بالجمال آنذاك، له سياق مختلف عن المعاصر.20 وهنا يؤكد إيكو أن الأمر عندما يتعلق بعلم الجمال والإنتاج الفني، فإن العالم الطبيعي يوجه أو يركز انتباهه على الطبيعة، غير أن السياق الذي عاشت فيه القرون الوسطى جعلها تركز اهتمامها على العالم التقليدي؛ لأن ثقافة القرون الوسطى لم تؤسَّس على ظواهر الواقع، بل على ظواهر أو ”فينومينولوجيا التقاليد الثقافية“ (Fenomenologia della tradizione culturale)، من هنا ركّزت القرون الوسطى على التقاليد عِوض التركيز على الواقع. وبينما كان إنتاج الفن وتلقيه أو استهلاكه من اهتمامات ”المدينة“ أو ”الجمهورية“ لدى أفلاطون، فإن هذه المسألة أصبحت بالنسبة لأوغسطين من مهام الكنيسة. فبمقدار ما يتفق الفن مع حقائق الإيمان، وبمقدار ما يعكس التناغم أو الانسجام والتآلف في قدرة الخلق الإلهي، يكون له مبرره. وللفن ومظاهر الجمال الطبيعي موقعهما في رحلة الصعود الإيمانية، وحيث يكمن الملاذ الأفضل للروح في عودتها إلى الكلي والمطلق، وهذا يتطلب الابتعاد عن الموضوعات الحسية التي تحتاج إلى استخدام حاسة البصر. وتعكس الفنون البصرية – كفن التصوير – في رأى أوغسطين العالم الحسي، وتبعد الإنسان عن العالم السماوي، ولذلك فضل الموسيقى على التصوير واعتبرها أكثر سمواً أو أعلى قيمة لأنها تعكس الحس بدرجة أقل.21‬

‫إن القضية هنا معايشة السياق الذي عاشت فيه القرون الوسطى، فهذه العصور لم تكن عمياء تجاه القيم الجمالية والمرئية للفن. وتشهد الدراسات الحديثة، بالاهتمام الأصيل والعميق بالقيم الشعرية والعقلية لفنون الأقدمين الهلينية والهيلنستية، في العصور الوسطى. يمكن القول فقط، أنها لم تكن في ذروة تقدمها، ونقصد القرنين الثاني والثالث عشر، تستخدم الموتيفات الفنية للعصر الكلاسيكي، لتمثيل موضوعات كلاسيكية محضة، فعلى الرغم من استخدامهم لموتيفات كلاسيكية، إلا أنهم كانوا يحوّلون موضوعاتها لتتوافق مع روح المسيحية، شأنها شأن الفلسفة المسيحية في القرون الوسطى بصفة عامة، من حيث استخدام براهين وأدلة فلاسفة اليونان في الدفاع عن عقائد المسيحية، مثل دليل المحرك الأول الذى استخدمه توما الأكوينى، كأن يتم استبدال النبي ”داود“ بـ ”أورفيوس“ كموضوع للوحة فنية، أو استبدال ”المسيح“ بـ ”هرقل“ في مملكة الموت كموضوع للعمل الفني، مع الحفاظ على نفس أسلوب التصوير، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن القرون الوسطى كانت تعي جيداً القيمة الفنية لأعمال التراث اليوناني والروماني، ولكنها حولت بعض الموتيفات في هذا التراث كي تتوافق مع روح الديانة المسيحية.22‬

‫على أي حال يطرح تصور المسيحية عن الفنان بوصفه خالقاً مصطنعاً، إشكالية قديمة تتعلق بسؤال من أين يتحصل الفنان على المثال أو الفكرة التي يبدع على أساسها عمله الفني. ولئن كان الفنان المسيحي يعد بعمله خالقاً مصطنعاً، فإنه يستحيل وفقاً للعقيدة المسيحية أن يملك الفنان في عقله المثال الفني الذي على أساسه يبدع أعماله، كما يبدع اللّٰه العالم. ولذلك قدم ”توماس الأكويني“ حلاً لهذا السؤال، انطلاقاً من اعتقاده أن الفنان على الرغم من أنه لا يمتلك مثالاً في عقله كما يملكه اللّٰه، إلا أنه يملك ما يمكن تسميته شبه مثال ”Quasi idea“ يسبق وجود عمله الفني الذي يبدعه بناءً على شبه المثال هذا، وعلى الرغم من استخدام معظم الكتابات الفلسفية المسيحية في هذا العصر مثال المعمار للدلالة على عملية الخلق الفني، وابتعادهم عن فكرة الفن بوصفه محاكاة للطبيعة – أو لنقل محاكاة لنمط عمل ”modus operandi“ الطبيعة – كما فهمها ”أرسطو“ أي بوصفها محاكاة تلازمية، بمعنى عدم ضرورة وجود علاقة سببية بين النشاط العقلي للفنان من جهة، وبين المادة في الطبيعة من جهة أخرى. فالفن في الفكر المسيحي عند القديس توما الأكويني لا يحاكي ما تصنعه الطبيعة، بل هو يحاكي في فنه، نمط وطريقة عمل الطبيعة، محققاً غايات محددة من خلال وسائل معينة، ومطبقاً لأشكال معينة على مادة محددة، وهذا ما يؤكده إيكو عندما أشار إلى حقيقة عدم اهتمام الفلسفة المدرسية المسيحية بالفن وقيمته الجمالية في ذاته، وأن القديس توما الأكويني عندما يتحدث عن الفن فإنه يقدم للقارئ قواعد عامة ينبغي الالتزام بها دون الخوض في مشكلة الخصوصية الفنية، وهذا يرجع – كما أوضحنا سابقاً – إلى السياق الذي عاشت فيه القرون الوسطى. لقد ربط القديس توما الأكوينى كذلك بين الجمال والحب والإيمان. وذلك لأن ”الجميل“ يؤمن بالحب ويثيره في النفس، والحب إذا ارتبط بالإيمان والصدق، قاد إلى الحقيقة، وبينما تغير مفهوم الإيمان والصدق منذ ما كتبه الأكوينى حوله، فإن الافتراض الخاص حول ارتباط الفن بالصدق ظل موجوداً حتى الآن.23‬

‫يترتب على تلك الرؤية اللاهوتية المسيحية لطبيعة العمل الفني في القرون الوسطى؛ أنه ليس نتاج مقاربة يقوم بها الفنان تجاه الطبيعة، بل نتاج تسليط الفنان للصورة الداخلية في عقله – ما أطلق عليه توما الأكويني شبه المثال – على المادة في الطبيعة. كما لم تعد هذه الصورة مثالاً ولكنها فقط تشبهه من جهة فاعليتها، وعلى الرغم من عدم اهتمام الفلسفة المسيحية بشكل أصيل، وفي عصورها بدراسة طبيعة العمل الفني أو طبيعة ومثال الجمال، إلا أن العمل الفني ظل في مقام الوسيلة الناجحة التي يمكن من خلالها أن يطرح اللاهوتيون حلولاً عملية لمشكلاتهم العقائدية أمام الناس، حيث بات مثال الفنان وعمله الفني أفضل مماثلة تقريبية، تشرح للمسيحيين كيفية خلق اللّٰه للعالم، ولكننا لا نغفل في الوقت نفسه، عن أنّ هذه المماثلة بين خلق اللّٰه للعالم وخلق الفنان لفنه؛ جعلت من الفن – بشكل ضمني – وسيلة للمعرفة تتضمن حقيقة ما، ووسيلة لاهوتية لمعرفة اللّٰه واستحضار ذكرى المسيح المخلص وغيره من القديسين والشهداء.24‬

‫يمكن القول إن مسيحي القرون لم تكن لديهم فكرة أو اهتمام بالفن من أجل الفن؛ وإنما اهتموا بتقديم المناخ العام للمسيحية، من المشاعر والأحاسيس الجياشة التي يثيرها فيهم ذلك المناخ، وهو ما يعنى سيطرة الشعور الديني على ما عداه من المشاعر الأخرى. وهكذا تغلغل الشعور الديني في الكاتدرائيات القوطية، وتحقق الانسجام بين مجموعة العناصر الأسلوبية التي يتألف منها البناء الكاتدرائى، ابتداءً من ارتفاعها الصاعد وانتهاء بكل ما يساعد على التأمل الذاتي الداخلي، وبين مجموعة المشاعر التي ينبغي أن تعمل على ربط الانسان باللّٰه، كما ينبغي الأخذ في الاعتبار موضوع العظمة، باعتبار السماوات تعبيرًا عن عظمة اللّٰه، كذلك يجب أن تتجه الكاتدرائية إلى تمجيد اللّٰه أو تمجيد السيدة العذراء أو تمجيد القديس التي تسمى به الكاتدرائية كما كان للكاتدرائية القوطية وظيفة تعليمية وأيديولوجية، فهي بناء يستهدف تقديم منظومة عقائدية إلى جماهير الشعب عن طريق الصورة والرسم.25‬

‫نخلص مما سبق إلى القول إن الاهتمام بالفن والجمال في القرون الوسطى كان له سياق مختلف عن العصور اللاحقة، وللاستفادة من هذا السياق فلابد من محاولة فهمه والاقتراب منه بدلاً من اتهامه بخلوه من الفكر الجمالي، وذلك لكي يمكننا أن نقيم أعمالاً جمالية تحمل ملامح الماضي المستنيرة والواقع المعيش، والمستقبل المأمول، من هنا يتأتى الاقتراب والدمج بين ظواهر جمالية مضت، وظواهر جمالية حاضرة ومستقبلية.‬

‫إن ما حدث في تاريخ الفن هو التركيز على الانتقاء من الماضي وليس سياق الماضي، فمثلاً نظرية الفن في عصر النهضة أحدثت قطيعة فنية مع القرون، ولكنها أحدثت تصالح مع الفكر اليوناني، لقد اتسم عصر النهضة بالنزوع نحو تبجيل المسائل العقلية والإبداعية بذاتها، كما اتسم أيضاً بالرغبة في التحرر من القوالب الجامدة التي وقع العقل تحت إمرتها في ظل القرون الوسطى. ولا ريب وجد هذا العصر ضالته في الرجوع لمنابع اللذة العقلية والإبداعية عند اليونان، والتي كانت قد دخلت طي النسيان محاولاً استعادة هذا الطريق الذي يسلكه الإنسان من خلال خبرته بالفن، ولكن هذا العصر الجديد لم يسع إلى محاولة استيعاب السياق الذي عاشت فيه القرون الوسطى، بحجة أن هذا العصر إن جاز التعبير عصر الفن اللاهوتي.‬

‫لقد شهد عصر النهضة إحياء وبعثاً للفنون بحجة غيابها في القرون الوسطى، ولم يرض عصر النهضة عن واقع الفنون في القرون الوسطى، الذي اعتبر مسخاً لأصل هيليني وروماني، اختفى في غياهب الاتجاه الكنسي ومحدداته لمسيرة الفن. لقد اغترب عصر النهضة عن فنون القرون الوسطى ولم يأتلف معها، فكان لزاماً عليه البحث عن أصل يسمح للفن باستئناف مسيرته في ظل مناخ يتمتع بالحرية والاستقلال عن محددات الكنيسة المسبقة للنشاط الفني. وتمثل هذا الأصل في الرجوع لفنون الأقدمين لاتخاذها مطية تصل بهم لفن جديد يساهم في رفقة عصرهم.26‬

‫2 – النظرة التأويلية الشاملة للفن في العصر الحديث، منذ أن بدأ مذهب التأنق المفرط ”Manierismo“ في منتصف القرن السابع عشر، إلى الحركات الطليعية الفنية في النصف الأول من القرن العشرين، ونظرة إيكو هنا تكشف عن الأساس العميق الذي قامت عليه الفنون الحديثة كلها، وهو عند إيكو يتمثل في نظرة الولع بالتجديد ”rinnovamento“ والانفتاح.‬

‫يمكن ملاحظة ذلك في أعمال إيكو، سواء مجال السيميوطيقا أو رواياته ومقالاته الصحفية، إذ أنّها تنم عن سعة أفق ونشاط وافر، فمقالاته تتناول الأزياء والرياضة والسينما والفنون الجميلة والقصص الشعبي وعالم القرون الوسطى والسياسة لمعاصرة، مما يجعله مثلاً حي للتزامن المتعدد النبرات، وهو ما يميز ما بعد الحداثة في إيمانها بالتنوع والتجديد.27‬

‫وعلى الرغم من إيمان إيكو بالانفتاح كأساس للعمل الفني، إلا أن هذا الإيمان لم يكن منقطع الصلة بالماضي، ويمكن فهم ذلك إذا اطلعنا على تعريفه لما بعد الحداثة، فهو يعرفها من خلال تداخلها النصي وصلتها بالماضي، في حين كانت الحداثة تتطلع عبثاً إلى إلغاء الماضي، فإن ما بعد الحداثة تعود إليه بروح ناقدة، وردّ ما بعد الحداثة على الحداثة، قوامه إدراك أن الماضي يجب أن يبعث من جديد ولا ينبغي تدميره؛ لأن تدميره يؤدي إلى الصمت. وإحياء الماضي للنظر فيه ينبغي أن يتسم بالنقد لا بالبراءة.28 ، وتعريف إيكو هنا لم يذهب بعيداً عن ما طرحه عالم الاجتماع الفرنسي ”آلان تورين“ (1925–2023) في كتابه ”نقد الحداثة“ يقول ”فالحداثة هي معاداة التراث، وسقوط الأعراف والعادات والتقاليد، هي الخروج من الخصوصيات والدخول إلى عالم الكونية“،29 كما لم يذهب بعيداً عما طُرح في مقدمة الترجمة العربية لكتاب ”مستقبل الفلسفة في القرن الواحد والعشرين“ ل ”أوليفر ليمان“ في التأكيد على أن التوجه الفلسفي ينبغي ألا ينطبق على الحاضر فقط بل ينبغي أن يرجع إلى الوراء نحو الماضي ويمتد إلى الامام نحو المستقبل.30 منطق الحداثة إذن هو هدم الماضي وقتل التراث، ما سبّب قلق إيكو من تجاهل الماضي، فيقول ”يجب على مفكري ما بعد الحداثة أن يتخذوا خطوة للخلف كما يخطون خطوتين إلى الأمام، عليهم أن يعوا أن الماضي يجب الاهتمام به، على أن يكون الاهتمام من منطلق نقدي“ هكذا يشير إيكو إلى أن القرون الوسطى تحوي جذور كافة المشاكل الساخنة في الفكر المعاصر، ويؤكد بأن حقبنا التاريخية هذه تتوازى مع القرون الوسطى في احتياجها إلى مناهج جديدة للتآلف والتأقلم وهو أمر يتطلب ”عملاً ضخماً ومجهوداً يوازي بين عوامل الحنين والأمل واليأس“ التي يراها إيكو واضحة في الطريقة التي حافظت بها القرون الوسطى على تراث ماضيها من خلال إعادة تأويله واستخدامه بشكل مستمر ومن ثم يوصي إيكو مراراً بثقافة قادرة على التأقلم والتغير المستمرين، ثقافة تجمع بين الماضي والحاضر، لا ثقافة تؤمن بامتلاك الحقيقة المطلقة.31‬

‫يبدو تعريف إيكو لما بعد الحداثة تعريفا مستبصراً وعميقاً خاصة في محاولته لإيجاد حالة من حالات التصالح المسؤول بين قيم الماضي والحاضر، وهكذا تقدم رؤية إيكو تحليلاً يجمع بين الماضي والحاضر، أي بين العودة للعصور الوسطى من جهة، والفكر المعاصر من جهة أخرى. من هنا يمكننا القول إن معظم روايات إيكو مثل اسم الوردة (1980)، بندول فوكو (1988) وجزيرة اليوم السابق (1994) تجمع بين الماضي والحاضر والغد، ففي هذه الروايات الثلاث يتحرك إيكو بخفه من اعتاد على الأمكنة وتعرف على أسرارها فكأنه في اسم الوردة واحد من رهبان الدير وفى البندول عضو في مؤامرة وفى جزيرة اليوم السابق32 عالم يبحث عن فكرة يريد الوصول إليها. ومن اختلاف هذه العوالم تنشأ قصص مختلفة منها ما هو وسيط ومنها ما هو حديث ومنها ما هو معاصر أو امتزاج لكل هذا. وفى جميع هذه البيئات ريفية كانت أو حضرية، برية أو بحرية، يقف البطل موقف الحائر يتساءل ماذا يفعل في هذه الدنيا؟ وأين مكانه من الكون؟ وأين نقطته في مسار الزمن؟ ويضع معتقداته وثوابته محك الشك.33‬

‫ماذا أراد إيكو أن يبلغنا من خلال رواياته الثلاث؟ فكرة أن الكون متعدد وليس واحدا؟ أو أن اليقين ينتج من شكوك لا متناهية؟ أو انعدام فكرة قوية صالحة لكل زمان ومكان؟ أم أنه أراد أن ينظر إلى مشكلات العصر من خلال دروس الماضي وبواسطة روايات تبدو في الظاهر بعيدة في الزمن وفى الأحداث عن مشاغلنا، ولكنها في الواقع تجتر هواجس راسبة في أعماق الذات البشرية؟34 جميع هذه الافتراضات ممكنة، وهذه الروايات تبقي أعمالاً مفتوحة قابلة لشتى القراءات ولأبعد التأويلات، وقد نجح إيكو من خلالها في صنع ”آلة لخلق المعاني“ تتأكد من خلالها من صحة أفكاره السيميوطيقية والهرمينوطيقية .‬

4 تطور رؤية أومبرتو إيكو للعصور الوسطى في دراسته للفنون والجماليات المعاصرة

‫لعل اهتمام إيكو بدراسة القيم والفن والجمال في القرون الوسطى، في ضوء اهتمامه وبانفتاحه عليها؛ ترك أثراً في كتابته لعمله المفتوح في الستينيات، رغم تأكيدنا الواضح في مقدمة البحث أن فكرة العمل المفتوح هي الأساس الذي انطلق منه إيكو في كل أعماله. في ما يبدو، هذا العمل يمثل المحطة الرئيسية التي انتقل منها من دراسة مشكلة الجمال عند توما الأكويني إلى دراسة الفنون المعاصرة؛ ليبين أن العمل الفني المعاصر قائم على فكرة العمل المفتوح، وهذا ما يميزه عن العمل الفني التقليدي.35 يوضح إيكو ذلك من خلال تناوله لبعض النماذج الفنية المعاصرة فيقول في العمل المفتوح: ”من بين أحدث المؤلفات الموسيقية التي تعتمد على الآلات، يوجد عدد منها يتميز بالحركة الكبيرة التي تعطيها للشخص الذي يعزف عليها (وهو ما لا يوجد في الموسيقي التقليدية المحدودة) فعلى المؤدي فيها تنفيذ تعليمات المؤلف حسب إحساسه الخاص، أما في الموسيقي غير التقليدية فنجد العازف أو مؤدي العمل يؤثر على بنية العمل الموسيقي، ويحدد مدة النوتات أو تتابع الأصوات في إطار فعل ارتجالي وخلاق“.36‬

‫ومن الأمثلة على ذلك التي يعرضها ايكو:‬

  • ‫في كلافيير ستوك (XI) لكارلينز ستوك هوسن“ (1928–2007)‬

  • Nel Kalvierstück (XI) di Karlheinz Stockhausen.

‫يقترح المؤلف في نفس الصفحة سلسلة من البنيات الموسيقية، على العازف أن يختار منها وبحرية البنية الأوْلى، ثم إنه يرتب البنيات الأخرى، فحرية العازف تؤثر هنا على التتابع الحكائي للقطعة، وتحقق تركيباً حقيقياً للجمل الموسيقية.37‬

  • ‫وفي مقطع الفلوت المفرد ”Nella Sequenza per flauto“ لـ ”لوتشيانو بيريو“ ”Berio, Luciano“ (‫1925‬–2003) يجد العازف نفسه أمام شبكة موسيقية تمت الإشارة إلى تتابع أصواتها ومددها، ولكن مدة كل صوت مرتبطة بالقيمة التي يعطيها هو إياها، وذلك في إطار زمني تحدده النبضات للآلة الموسيقية.38‬

  • ‫في ”سكامبي“، تتكون القطعة من ستة عشر مقطعاً، يرتبط كل واحد منها بمقاطع أخرى دون أن يتأثر التواصل المنطقي للأداء الصوتي، وبالفعل، هناك مقطعان يبدآن بشكل واحد وتحددهما خصائص مشتركة، وانطلاقاً منه يتطوران بشكل مختلف. وعلى العكس من ذلك هناك مقطعان آخران يمكن أن يؤديا نفس النقطة وإمكانية البدء والانتهاء بأي مقطع تتيح عدداً كبيراً من التوليفات. وأخيراً فإن المقاطع التي تبدأ بشكل متشابه يمكن أن تركب فتخلق تركيباً أكثر تعقيداً… ويشرح ”هنرى بوسور“ ”Pousseur, Henri“ وهو بصدد تأليف ”سكامبي“ ”Scambi“ (تبادلات)، أن العمل هو حقل من الإمكانات، وهو دعوة للاختيار أكثر مما هو قطعة. يقول إيكو ”يمكن أن نتخيل تسويق تسجيل للمقاطع الستة عشرة في شريط ممغنط، وإذا ما توفر لكل هاوٍ للموسيقى، جهاز سمعي غالي الثمن نسبياً يمكن له أن يحقق بتركيبها قدرة إبداعية أصلية، وأن يحقق بمفرده حساسية جديدة في المادة الصوتية“.39‬

‫تكشف الأمثلة السابقة عن المسافة الشاسعة التي فرضها علينا التقليد. يشكل العمل الموسيقي الكلاسيكي مجموعة من الوقائع الصوتية التي يقوم المؤلف بتنظيمها بشكل ثابت، فهو يترجمها إلى علامات اتفاقية لكي تتيح للعازف الوصول إلى الشكل الذي تصوره. أما في الأعمال الموسيقية التي سبق أن تحدثنا عنها فهي لا تشكل خطابات منتهية ومحددة أو أشكالاً معينة بصورة نهائية، فنحن لا نكون في اتجاه محدد وثابت، ولكن أمام اتجاهات تتطلب أن يعاد فيها التفكير وأن تعاش من جديد، أعمال مفتوحة يقوم العازف بتأديتها في الوقت الذي يقوم فيه بدور الوساطة.40‬

‫يبدو أن العمل المفتوح عند إيكو هو عمل خاضع للاحتمالات التأويلية، هذا العمل هو تصوير لمشاعر لا محدودة بشكل يدفع المتلقي إلى قراءات متنوعة وإلى تحسس بناء له عناصر بينها علاقات مختلفة ومتبادلة، وهذا يمكن أن نلمسه في الفنون غير التقليدية التي تندرج تحت التعريف الأشمل والأعم لنظرية العمل المفتوح، فعلى سبيل المثال الرسم غير التقليدي يعد سلسلة من التجارب أجريت لكي تمهد لحركة مفتوحة داخل العمل.41‬

‫إن مصطلح ”حركة“ كما يقول إيكو له أكثر من مدخل والبحث عن الحركة يسير مع تطور الفنون التجسيمية التي نراها في الرسومات الصخرية، فهي بحث عن تمثيل الحركة في بناء ثابت، بحث عن حركة الأشياء المصورة في الحقيقة. شكل آخر للحركة يظهر في إعادة صورة بغرض تمثيل شخص معين أو واقعة كاملة في أثناء حدوثها في لحظات متتالية كما يظهر في الأعمال النحتية العظيمة ”دير سويلاك“ ”Souillac“– في جنوب فرنسا فيه بقايا من مدخل باب كبير تم نحته حوالي عام (1130) – وفيه نجد صوراً مركبة فوق بعضها البعض، إن الأمر يتعلق بتمثيل الحركة من خلال بناء ثابت، فالحركة لا تختلط ببناء العمل وطبيعة العلامة.42‬

‫يمكن القول إن العمل الفني عند إيكو هو عمل ذو بناء، قائم على حركة مستمرة، وهذه الحركة لا تقلل على الإطلاق من شأن البناء؛ بل تثريه على الدوام، لأن البناء قابل للعديد من التأويلات المختلفة؛ فمثلاً داخل الفيلم نجد العديد من العلامات التي تبدو غير محددة، ومزدوجة ”غامضة“ ولكن هذه العلامات مع تعدد معانيها تتكامل مع بعضها البعض لتعطي معنى للبناء، وستظل هذه المعاني حواراً مفتوحاً للاتصال بين بعضنا البعض. وفي النحت ”Scultura“ نجد وجهاً آخر لانفتاح العمل، حيث يتطلب الأمر تدخلاً من قبل المتلقي نتيجة لازدواجية أو لتعدد أوجه الشكل، وبالتالي يمكن رؤيته من زوايا مختلفة وبطرق مختلفة، مثال ذلك عندما ننظر لأخطبوط منحوت به العديد من الزوايا والأشكال المختلفة، فلا شك أننا سنجد العديد من الرؤى المختلفة تجاه هذا العمل.43‬

‫يمكن القول إن العمل الذي يمكن رؤيته من أكثر من جانب يهدف في النهاية إلى لفت الانتباه إلى تكوين وجهات نظر متعددة تتكامل مع بعضها من أجل المحصلة النهائية، التي هي بداية لمراحل أخرى.44‬

‫إن العمل المفتوح عند إيكو في حالة حركة مستمرة، وهذه الحركة تتولد مع حركة المتلقي نفسه بمعنى أن كلاً من حركة العمل والمتلقي يتولدان في الوقت نفسه، فالعمل الفني القائم على العمل المفتوح هو عمل قائم على التعمق في المعنى، ومن ثم يدفعنا إلى محاولة الوصول إلى درجة عالية من النضج بصدده، ففيه نجد ”العلامات“ تتكون من مجموعة نجمية ”Costellazioni“ بينها علاقات بنائية ”Le relazione strutturale“، أو علاقة بنائية غير محددة، فيها ازدواجية الشكل والخلفية.45‬

5 التجربة التليفزيونية والجمال

‫اهتم إيكو بالحديث داخل العمل المفتوح عن التجربة التليفزيونية والجمال، فيقول: ”سيكون من المفيد عند الحديث عن الظاهرة التليفزيونية تناول العلاقة التي يمكن نسجها بين البناءات الاتصالية للحديث التليفزيوني والبناءات المفتوحة“.46‬

‫كما يذكر البناءات الجمالية في التصوير المباشر قائلاً: ”عند الحديث عن شاشة التليفزيون والعمق الذي تعكسه الكاميرا، يلاحظ خصائص الزمن التليفزيوني وعلاقته بالجمهور التي تعد علاقة نفسية أو علاقة اتصال بين التليفزيون والجمهور، إن الحديث عن التليفزيون يصلح أيضاً لكل الفنون الأخرى: المسرحيات، الملاحم، الأعمال الدرامية الأخرى […] إلخ“ ولكننا سنتناول الوسيلة التليفزيونية لكي نستخلص منها فنيات الجمال عن طريق التصوير المباشر حيث نجد أنفسنا أمام عملية مونتاج، وذلك لأن التصوير يتم بأكثر من كاميرا، ويتم إرسال الصورة التي تعد أكثر ملائمة، فهو مونتاج مفاجئ وفوري. التصوير Ripresa، المونتاج Montaggio، العرض Proiezione هي ثلاث مراحل للتصوير السينمائي، وهي مراحل منفصلة تماماً، ولكل منها هيئته الخاصة، وبالتالي يكون له هويته، يتبع هذا الأمر تحديد هوية الزمن الحقيقي والزمن التليفزيوني، دون أن يستطيع أي راوٍ أن يعقد تواصلاً زمنياً، فهذا يتم ذاتياً في أثناء التصوير نفسه، ومعنى هذا أن التصوير لا ينقل مجرد حدث ولكن ينقل ”تأويله“ إن المخرج يضع كاميراته في ثلاث نقاط مختلفة ليحصل على ثلاث وجهات نظر متكاملة تكمل بعضها البعض، سواء كانت هذه النقاط تنطلق من نفس مجال الرؤية أو أنهما في زوايا مختلفة لنقل حركة مستمرة، صحيح أن وضع الكاميرات هو وضع فني، ولكن لا يمكن تجاهل عامل الاختيار لهذه المواقع أيضاً.47‬

‫يستقبل المخرج على ثلاث شاشات الصور التي تبعثها الكاميرات الثلاث، حيث أن المصورين بناءً على أوامر المخرج يمكنهم اختيار صور لأشكال محددة في نطاق زوايا الرؤية، مستهدفين عدداً معين من الأشكال بصورة تجعلهم يضيقون ويوسعون مجال الرؤية، ويبرزون قيماً محددة ذات عمق ما.48 وعند هذه اللحظة يكون المخرج أمام اختيار آخر فيجب عليه أن يختار بشكل نهائي من الصور الثلاث، ثم يُمَنْتج بشكل متتالٍ الصور المختارة، وبالتالي يصبح الاختيار إخراجاً وحكاية أو يقوم بالربط بين صور منفصلة لنص أو أكثر، أو لسلسلة واسعة من الأحداث الواقعة والمتشابكة، ويؤكد إيكو ذلك بالعديد من الأمثلة، فمثلاً في مباريات كرة القدم تكون بؤرة الاهتمام (حركة الكرة) وليس من السهل الانحراف عن هذا الهدف، ومع ذلك فانطلاقاً من استخدام وتوظيف الأهداف وبلورة القيم من وجهة النظر الفردية أو قيم الفريق يدخل هنا عامل الاختيار، إنْ مصادفة أو بطريقة عفوية أو بسوء النية. يضرب إيكو مثالاً آخر لحفل الزفاف، الذي من المفترض أن الكاميرا تركز فيه على الفرقة الموسيقية، ولكن في لحظة ما ركزت على رد فعل العريس الذي انحني لتنظيف البنطلون، ورد فعل العروس لموقف العريس ونظرتها له بدهشة.49‬

‫في ضوء هذه الأمثلة يمكن القول إن إيكو قام في عمله المفتوح بمحاولة الربط بين الظاهرة الجمالية بالواقع الحي المعاش، سواءً كان واقعاً اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً.. إلخ، وهذه المحاولة مهمة، لأن تناول ظواهر حياتنا بهذا الشكل المفتوح، سيؤدى بنا إلى إعادة النظر في توسيع مفاهيم جمالية عديدة، وإعادة إداراتها وتناولها باستيعاب أكثر، خاصة فيما يتعلق بالعملية الإنتاجية وشخصية المؤلف وهوية المحاولة والنتيجة لعمل ما، إنها محاولة لإعادة تشكيل أو تكوين ما اعتدنا استخدامه وتعودنا عليه.‬

‫لم يعد الفن المعاصر استمراراً منطقياً لمسيرة الفن التاريخية، كما يزعم أنصار الحداثة، في ظل التغير الدائب لمثل الفن ذاتها، مما يجعل من غير المعقول مقارنة مرحلة من تاريخ الفن بمرحلة أخرى وهذا ما يجعلنا نؤكد على فكرة السياق التي أوضحناها سابقاً عند إيكو في ظل اختلاف المثال الذي يحكم الفن في كل عصر، كما أن حالة السيولة والغموض التي تنتاب الفن المعاصر، لا تضع الفنان المعاصر أمام طريق فني واحد يمكنه السير فيه، بل أصبحت كل السبل مفتوحة أمامه، ودليل هذه السيولة تنوع المدارس الفنية الحديثة والمعاصرة التي لا يمكن بحال من الأحوال مقارنتها بالمدارس التقليدية كالنهضة والقوطية والباروك.. إلخ، فلقد أعطت هذه الحالة الفنان حريات جديدة في صك تصوره عن الفن دون الالتزام بتكملة المسيرة المنطقية المزعومة من قبل مؤرخي تاريخ الفن.50‬

‫ولا ريب أننا نتذكر جميعاً التعاقب السريع لحركات الفن الجديدة منذ بدايات القرن العشرين، مثل ”التكعيبية“ ”المستقبلية“ ”التجريدية“ ثم ”السوريالية“ ”الدادية“ ”التعبيرية“ ”التعبيرية التجريدية“ وغيرها، مما تسمي تاريخياً الآن بالمدارس الفنية وفقاً لتمايز طرزها الفنية، وجدير بالذكر أن بعضها لم يستمر أكثر من ستة أشهر، وبعضها تجاوز العامين. كان المبدعون في تلك الفترة وكأنهم يهتمون بتسطير اسم جديد أو لنقل عصر جديد في تاريخ الفن أكثر من اهتمامهم بتقديم الأعمال الفنية ذاتها، فبات الأمر أشبه بالمراهنة على من يحالفه النجاح ليصير المتعهد الرسمي لهذه الحقبة الفنية الجديدة.‬

‫إن المخرج عند إيكو من أزمة الفن المعاصر وبالتالي الإنسان؛ هو أن ننظر إلى كل عمل حولنا وكل شيء نفكر فيه في ضوء العمل المفتوح، وانطلاقنا من هذه الفكرة لن تفرض علينا رؤية أو مدرسة ما أو رأياً واحداً يظل هو الصحيح، بل إن كل تأويل جديد سيؤدى إلى معرفة جديدة للبناء الذي نؤوله.‬

6 خاتمة

‫انصب الاهتمام في هذه الدراسة على محورين أساسيين في فلسفة أيكو، يتمثل الأول في تصوره للفن والجمال في القرون الوسطى، وكانت محاولته للعودة لفهم ومعايشة السياق الجمالي لها محاولة هامة، وذلك للتأكيد على فكرة أنها لم تكن خالية من التأملات الجمالية، أما المحور الثاني فقد تمثل في تطور رؤية إيكو للقرون الوسطى في دراسته للفنون والجماليات المعاصرة.‬

‫ومما لا شك فيه أن أثر اهتمام إيكو بالجماليات السابقة عليه واضح، فهو متأثر في ذلك بـ ”جيمس جويس“ وبالأخص في روايته أوليس. ويذكر إيكو في العمل المفتوح أن اهتمام ”جويس“ باللاهوت ساعده في دراسة الجمال، كما أن إيكو استنطق في رواياته جماليات القرون الوسطى، ويمكننا أن نلاحظ ذلك عنده في اسم الوردة وبندول فوكو.‬

‫لقد كشف إيكو عن الطابع الجمالي الموجود في فكر رواد القرون الوسطى مثل توما الأكويني، ويؤكد في مشكلة الجمال عند الأكويني أن الجمال عنده لم يكن حقيقة مجردة دائماً تعبر عن مفهوم محدد، ولم يكن أيضاً حقيقة تجريبية ولكنه اتخذ مظاهر مألوفة بدت له في شكل تناغم موسيقي وتعبير شعري، إن الفكر الجمالي عند الأكويني من وجهة نظر إيكو ينزع للبرهنة على أن التأمل الجمالي موجود في أشكال متعددة : دنيوي، وميتافيزيقي، طبيعي أو فني، وعلى أسبقية الجوهر اللاهوتي على الأشكال الصناعية، وبناءً على ذلك أسبقية الإبداع الإلهي على الإنتاج البشري.‬

‫إن السياق الذي عاشت فيه القرون الوسطى يختلف عن السياق الذي يعيش فيه الفن المعاصر، فهذا الأخير نجد فيه علاقات بين أشياء تتغير باستمرار، فطبيعته يغلب عليها التعدد، والغموض الدلالي وعدم التحديد، ولا يوجد استقرار للمعنى حول البناء، بل ازدواجية وتشابك دلالات؛ ومن ثم فقد بات لدى المؤول المعاصر القدرة على الوعي بتعددية التأويلات، ومن ثم الوضع في الاعتبار العلاقة المعقدة بين العمل ومؤوله.‬

‫في ظل هذه الملامح الجديدة التي التفت حول العمل الفني، رأى إيكو الحل في فهم ذلك عن طريق العمل المفتوح، ففيه يكون العمل مفتوحاً من حيث نهايته وناقصاً من حيث أهدافه، ويكون على القارئ إكمال هذه النهاية الناقصة وإضافة هذا النقص في الأهداف.‬

‫لقد لعب وعي إيكو بالانفتاح، منذ بداية مشواره الفلسفي ومن خلال دراسته لجماليات القرون الوسطى، دوراً مهماً في فهم الجماليات المعاصرة، من هنا نجد اهتمامه وتركيزه على المؤول وإعطاءه الحرية في تأويل النص، وهذا ما أمكننا ملاحظته من خلال بعض الأمثلة التي طرحها إيكو عن الأعمال المفتوحة سواء في مجال الموسيقي (لكارلينز ستوك هوسن ولوشيانوبيريو، وهنري بوسر)، أو من خلال النصوص الشعرية لفرلين ومالارميه، والنصوص الروائية لـ ”جويس“ والمسرحية لـ ”بريخت“ أو في الأعمال الفنية والمعمارية كما تجلي ذلك في الفن الباروكي، أو في الأعمال النحتية، أو في التجربة التليفزيونية والجمال.‬

‫لقد أولى هذا الفيلسوف الإيطالي أهمية بالغة في دراساته لتاريخ علم الجمال مركزًا على نقاط جوهرية لم تأخذ حقها الكافي من البحث مثل فترة القرون الوسطى في أوروبا، وهذا ما يجعلني من باب الاستشراف أؤكد على أهمية دراسة جماليات الفكر الإسلامي الوسيط للنهوض بها مثلما فعل أومبرتو إيكو في دراسته للقرون الأوروبية، لقد شكل الفكر الجمالي العربي – الإسلامي حلقة هامة ومتميزة من حلقات الفكر الجمالي الإنساني؛ وذلك لموقعه التاريخي من جهة، ولما اتصف به من عمق في طرح المسائل الجمالية من جهة أخرى، فلم يكن المبحث الجمالي فيه ثانويا أو من سقط المتاع، بل إن له مكانة هامة لا يمكن إغفالها أو تجاهلها. ويكفي أن نذكر – تدليلًا على ذلك – أن هذا المبحث يرتبط بكل من مبحث الإلهيات، والمحبة، واللذة، والحواس والقوى الإنسانية. بحيث يصبح التوكيد أن صورة الفكر العربي – الإسلامي لا تكتمل من دون منظومته الجمالية. وعلى الرغم من ذلك، فقد بقى الاهتمام الحديث والمعاصر به قليلًا ونادرًا.51 وهنا أوصى به من خلال هذه الدراسة بالمزيد من الدراسات والأبحاث العلمية الجادة من أجل إعطاء صورة شاملة تامة لجماليات الفكر العربي والإسلامي.‬

قائمة المصادر والمراجع

أولًا: قائمة المصادر والمراجع باللغة العربية

  • أوليفرليمان: مستقبل الفلسفة في القرن الواحد والعشرين، ترجمة مصطفى محمود محمد ومراجعة رمضان بسطاويسي، عالم المعرفة، العدد 301، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2004‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ايكو، أومبرتو. جزيرة اليوم السابق، ترجمة أحمد الصمعي، طرابلس – ليبيا: دار أويا للطباعة والنشر، 2000‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ايكو، أومبرتو. جماليات العمل المفتوح، في كتاب الصناعات الإبداعية “كيف ننتج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة، تحرير جون هارتلي، ترجمة بدر السيد سليمان، عالم المعرفة، الجزء الأول، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2007‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • إيكو، أومبرتو. فن القصة بعد الحداثي، الحداثة وما بعد الحداثة، إعداد وتقديم بيتر بروبكر، ترجمة عبد الوهاب علوب، مراجعة جابر عصفور. أبو ظبي: منشورات المجمع الثقافي بأبو ظبى، 1990‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • أيمن فؤاد رضوان: الوعي الجمالي عند هانز جورج جادامير، رسالة ماجستير غير منشورة، اشراف محمد مجدي الجزيري وحسن عبد الحميد، كلية الآداب، جامعة عين شمس، 2007‫.‬

  • بدوي، عبد الرحمن. ملحق موسوعة الفلسفة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • تورين، آلان. نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث، سلسلة المشروع القومي للترجمة.، العدد (38)، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1997‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الجزيري، محمد مجدي. مدخل حضاري إلى فلسفة الفن، القاهرة: دار الضاحي للطباعة والنشر، [د ت]‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • زربرج، نيكولاس. أومبرتو إيكو والعودة إلى القرون الوسطى، في توجهات ما بعد الحداثة، ترجمة وتقديم ناجى رشوان، مراجعة محمد بربري، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2002‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • عبد الحميد، شاكر. التفضيل الجمالي، “دراسة في سيكولوجية التذوق الفني”، عالم المعرفة (267)، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2001‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • كازانوفا، باسكال. أومبرتو إيكو والرواية الدولية أو فن اللعب على الانتمائيين، ترجمة، ريشار جاكمون، مجلة إبداع، يوليو 1993‫.‬

  • كليب، سعد الدين. البنية الجمالية في الفكر العربي-الإسلامي، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1997‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation

ثالثا: قائمة المصادر والمراجع باللغات الأجنبية

  • AA.VV., Letteratura Italiana, Gli autori. Dizionario bio – bibliografico e Indici: I (A–G), Torino: Einaudi, 1990.

  • Belting Belting. Il culto delle immagini – Storia dell’icona dall’età, Il culto delle immagini – Storia dell’icona dall’età imperiale al tardo medioevo, Trad. May, B., Roma: Carocci, 2004.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Belting, Hans. La Fine della storia dell’arte o la libertà dell’arte, traduzione di Pamarici, F., Torino: Einaudi, 1990.

  • Belting, Hans. L’arte e il suo pubblico – Funzione e forme delle antiche immagini della passione, Introduzione di Cusatelli, G., Bologna: Nuova Alfa, 1986.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Dizionario di Filosofia di Nicola Abbagnano, III edizione aggiornata e ampliata da Fornero, G., , Torino: UTET, 2006.

  • Eco, Umberto. Il problema estetico in Tommaso d’Aquino, Milano, Bompiani, 1970.

  • Eco, Umberto. Arte e bellezza nell’estetica medievale, Milano: Bompiani, 1987.

ثالثًا: قائمة المصادر باللغة الإنجليزية

  • Eco, Umberto. “A componential analysis of the architectural, sign/column,” Semiotica, vol. 5, no. 2 (1972).

  • Eco, Umberto. Travels in hyperreality, Essays, translated from the Italian by William Weaver, San Diego, New York, London: Harcourt Brace Jovanovich, Publishers, 1986.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • West, R. “Umberto Eco and the Open Text: Semiotics, Fiction, Popular Culture by Peter Bondanella,” Modern Philology, vol. 97, no. 1 (Aug. 1999).

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
1

‫ولد ”ايكو“ بمدينة ”اليساندريا“ ”Alessandria“ الايطالية سنة 1932 والتي تقع تحديداً إلى الشرق من مدينة تورينو في ايطاليا، تخرج عام (1954) من قسم الفلسفة بجامعة تورينو بأطروحته حول ”مشكلة الجمال عند القديس توما الأكويني“ وذلك تحت إشراف أستاذه ”لويجي باريسون“.‬

‫بدأ ”ايكو“فى وقت مبكر فيلسوفًا، وهذا ما لاحظناه من خلال أعماله الفلسفية بداية من منتصف الخمسينيات وحتى أواخر السبعينيات، ولكنه بدأ عمله الروائي في وقت متأخر من حياته، إذ كان قد ناهز الخمسين من العمر عندما نشر روايته الأولى ”اسم الوردة“ ‫”Il nome della rosa“‬ (1980)، التي حازت نجاحاً منقطع النظير وشهرة جماهيرية وعالمية، وقد كانت من الروايات الأكثر مبيعاً في العالم، وهذه الرواية قصة بوليسية تدور أحداثها حول القرون الوسطى، عنيت بشكل خاص بإعادة بناء تاريخ تلك المرحلة واستعادة جدالاتها الايديولوجية. إن اهتمام إيكو وشغفه بالقرون لا يقتصر على الدراسات فحسب، بل حتى روايته اسم الوردة تدور أحداثها في هذه الحقبة.‬

‫للمزيد عن سيرة أومبرتو ايكو إلى المصادر والمراجع التالية:‬

  • Umberto Eco., “A componential analysis of the architectural, sign/column,” Semiotica, vol. 5, no. 2 (1972), p. 107.

  • R. West, “Umberto Eco and the Open Text: Semiotics, Fiction, Popular Culture by Bondanella, P.,” Modern Philology, vol. 97 no. 1 (Aug. 1999), pp. 157–162.

  • AA.VV., Letteratura Italiana, Gli autori. Dizionario bio – bibliografico e Indici: I (A-G), Torino, Einaudi, 1990, P. 737.

  • ‫أومبرتو إيكو، فن القصة بعد الحداثي، الحداثة وما بعد الحداثة، إعداد وتقديم بيتر بروبكر، ترجمة عبد الوهاب علوب، مراجعة جابر عصفور (أبو ظبي: منشورات المجمع الثقافي بأبو ظبي، 1990)، ص353–365.‬

  • ‫باسكال كازانوفا، ”أومبرتو ايكو والرواية الدولية أو فن اللعب على الانتمائيين،“ ترجمة، ريشار جاكمون، مجلة إبداع، (يوليو 1993)، ص132.‬

2

‫أومبرتو ايكو، جماليات العمل المفتوح، في كتاب الصناعات الإبداعية – كيف ننتج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة، تحرير جون هارتلي، ترجمة بدر السيد سليمان، عالم المعرفة، الجزء الأول، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2007)، ص233.‬

3

‫اختلف الباحثون حول نشأة الإستطيقا، حيث يعود بعض الباحثين بهذه النشأة إلى اليونان استناداً لأصل كلمة إستطيقا – والتي تعني عند اليونان الإدراك الحسي – إلى جانب آراء أفلاطون وأرسطو في فلسفة الفن والتي تمهد لقيام مبحث الإستطيقا، ولا غرو فالإنسان عند اليونان لا يرى إلا في أبعاد ثلاثة: عقل يستنبط الحق، وإرادة تتجه إلى الخير، وأخيراً حس يدرك الجمال، بينما يرى باحثون آخرون أن الإستطيقا لم تتبلور كمبحث فلسفي إلا مع الفيلسوف الألماني ”بومجارتن“ في منتصف القرن الثامن عشر (1750) عندما نشر باللغة اللاتينية في جزئين كتابه ”إستطيقا“ والذي جعل فيه من الإستطيقا مبحثاً في ملكة المعرفة الدنيا، قاصداً الحس، بوصفها الملكة الخاصة بتحديد جمال الفن والطبيعة، لكن وعلى الرغم من حقيقة الأصل اليوناني لكلمة إستطيقا، إلا أن الإغريق كانوا يعنون بها حقلاً واسعاً من الإدراك الحسي، والذي لا يقف عند حد القيمة الإستطيقية للجميل التي نتحدث عنها اليوم، كما أن تأملات اليونان في الجميل لم تكن أبداً بمعزل عن تأملاتهم في الأخلاق والمعرفة، بينما نشأت الإستطيقا مع ”بومجارتن“ كمحاولة تهدف بالأساس إلى التصدي لتطرف النزعة العقلانية العلمية في عصره، وذلك من خلال التأكيد عل وجود معرفة إستطيقية يمكن أن تعبر عن أفكار معقولة بدون الاعتماد على أقيسة العقل النظري المنطقية. للمزيد انظر:‬

  • Dizionario di Filosofia di Nicola Abbagnano, 3rd ed. edizione aggiornata e ampliata da Fornero G. (Torino: UTET, 2006), p. 423.

  • ‫أيمن فؤاد رضوان: الوعي الجمالي عند هانز جورج جادامير، رسالة ماجستير غير منشورة، اشراف محمد مجدي الجزيري وحسن عبد الحميد، كلية الآداب، جامعة عين شمس، 2007، ص3.‬

4

Eco, U., Travels in hyperreality, Essays, translated from the Italian by William Weaver, (San Diego, New York, London: Harcourt Brace Jovanovich Publishers, 1986), p. 59, 257.

5

‫أستاذ تاريخ الفن في جامعة ”Heidelberg“ بألمانيا، عمل أستاذاً لتاريخ الفن في العديد من الجامعات الأوربية، من أهم مؤلفاته المترجمة إلى الإيطالية والإنجليزية، نذكر بعضها فيما يلي:‬

  • Belting, H., L’arte e il suo pubblico – Funzione e forme delle antiche immagini della passione, Introduzione di G. Cusatelli, (Bologna: Nuova Alfa, 1986).

  • Belting, H., La Fine della storia dell’arte o la libertà dell’arte, traduzione di Pamarici, F., Torino, Einaudi, 1990 – Belting, H., Il culto delle immagini – Storia dell’icona dall’età imperiale al tardo medioevo, Trad. B. May (Roma: Carocci, 2004).

6

‫رضوان: الوعي الجمالي، ص40.‬

7

‫محمد مجدى الجزيري: مدخل حضاري إلى فلسفة الفن، (القاهرة: دار الضاحي للطباعة والنشر، [ د ت])، ص 140.‬

8

‫المرجع نفسه، ص141.‬

9

‫انظر في ذلك كل من: عبد الرحمن بدوي، ملحق موسوعة الفلسفة، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996)، ص 107، 159 نقلاً عن: شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي: دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة (267)، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،2001)، ص15، 445؛ وانظر كذلك رضوان: الوعي الجمالي، ص45.‬

10

‫الجزيري، مدخل حضاري إلى فلسفة الفن، ص146، 147.‬

11

‫المرجع نفسه، ص147.‬

12

‫المرجع نفسه، ص148.‬

13

‫انظر في ذلك كل من: عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مرجع سابق، ص76، 77؛ ورضوان: الوعي الجمالي، مرجع سابق، ص39.‬

14

‫انظر المرجع نفسه، الكتاب الأول ص77، والكتاب الثاني ص 40.‬

15

U. Eco, Arte e bellezza nell’estetica medievale, (Milano: Bompiani, 1987), p. 7. Si veda anche U. Eco , Il problema estetico in Tommaso d’Aquino, (Milano: Bompiani, 1970), p. 21.

16

‫إيكو، الأثر المفتوح، ص71.‬

17

Eco, Arte e bellezza, p. 197.

18

Ibid, p. 198.

19

Eco, U., Il problema estetico, p. 5, 95, 119, 131, 239.

20

Eco, U., Arte e bellezza, pp. 198–199.

21

Eco, U., Il problema estetico, p. 21.

22

‫رضوان: الوعي الجمالي، ص41.‬

23

‫المرجع نفسه، ص42، وكذلك انظر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، ص77.‬

24

‫رضوان: الوعي الجمالي، ص45.‬

25

‫الجزيري: مدخل حضاري إلى فلسفة الفن، ص145.‬

26

‫رضوان: الوعي الجمالي، ص52.‬

27

‫أومبرتو ايكو، فن القصة بعد الحداثي في الحداثة وما بعد الحداثة، إعداد وتقديم بيتربروكر، ترجمة عبدالوهاب علوب، مراجعة جابر عصفور، (أبو ظبي: منشورات المجمع الثقافي بأبو ظبي، 1990)، ص353–356.‬

28

‫المرجع نفسه، ص353–356.‬

29

‫آلان تورين: نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث، سلسلة المشروع القومي للترجمة.، العدد (38)، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة القاهرة، 1997)، ص270.‬

30

‫أوليفر ليمان: مستقبل الفلسفة في القرن الواحد والعشرين، ترجمة مصطفى محمود محمد ومراجعة رمضان بسطاويسي، عالم المعرفة، العدد 301، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2004)، مقدمة الترجمة العربية، ص 15.‬

31

‫ايكو، فن القصة بعد الحداثي، ص354.‬

32

‫نيكولاس زربرج: أومبرتو ايكو والعودة إلى القرون الوسطى، في توجهات ما بعد الحداثة، ترجمة وتقديم ناجى رشوان، مراجعة محمد بربري، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2002)، ص166.‬

33

‫أومبرتو ايكو: جزيرة اليوم السابق، ترجمة أحمد الصمعي، (طرابلس – ليبيا: دار أويا للطباعة والنشر، 2000)، ص6.‬

34

Badami, Arte contemporanea, p. 7.

35

Eco, Opera aperta, p. 23.

  • ‫والإشارة من: ايكو، الأثر المفتوح، ص13.‬

36

(33) Eco., Opera aperta, p. 23.

  • ‫والإشارة من ايكو، الأثر المفتوح، ص13، 14، 15.‬

37

Eco, Opera aperta, p. 24.

38

Ibid, pp. 25.

39

Ibid, pp. 145–146.

40

Ibid, p. 146.

41

Ibid, p. 147.

42

Ibid, p. 148.

43

Ibid, p. 150.

44

Ibid, p. 178.

45

Ibid, p. 180.

46

Ibid, p. 180.

47

Ibid, p. 181.

48

Ibid, p. 182.

49

‫رضوان، الوعي الجمالي، ص76.‬

50

‫المرجع نفسه، ص 74.‬

51

‫سعد الدين كليب، البنية الجمالية في الفكر العربي-الإسلامي، (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1997)، ص5.‬

Content Metrics

All Time Past 365 days Past 30 Days
Abstract Views 0 0 0
Full Text Views 2326 492 86
PDF Views & Downloads 1097 477 18