Save

Al-Sakhāwī: A Biographer from Mamlūk Cairo and His Dictionary of Women, written by Renate Jacobi

In: المركز: مجلة الدراسات العربية
Author:
أسماء السكوتي [aka. Asmaa Essakouti] باحثة ما بعد الدكتوراه، معهد الدراسات العربيّة والإسلاميّة، جامعة مونستر (Postdoctoral Researcher, Institut für Arabistik und Islamwissenschaft, University of Münster) مونستر (Münster) ألمانيا (Germany)

Search for other papers by أسماء السكوتي [aka. Asmaa Essakouti] in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close

Renate Jacobi, Al-Sakhāwī: A Biographer from Mamlūk Cairo and His Dictionary of Women, ed. Kirill Dmitriev. Sheikh Zayed Bin Sultan Al Nahyan Series. Beirut: AUB Press, 2024. $20. Hardcover. ISBN 9786144920084.

‫كثيرة هي كتب السير والتراجم في التراث العربيّ. تركّز هذه المؤلّفات عادةً على رجال النخبة العالمة أو الطبقة الحاكمة أو مفكّري حقبةٍ ما وأدبائها، وتوفّر تواريخ ولاداتهم ووفياتهم وأعمالهم ومراكزهم، وتخبرنا عمّن عاصرهم وموّلهم وساندهم وعاداهم. يختلف كتاب السخاويّ المسمّى بـ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع عن غيره من معاجم السير لأسباب كثيرة، لعلّ أهمّها الجزء الثاني عشر من المعجم الذي يضمّ ألفًا وخمسًا وسبعين ترجمة مخصّصة للنساء وحدهنّ. ليتبيّن من ثمّ أنّ أهمّ ما يميّز معجم السخاويّ هو تكسيره لحدود كتب التراجم التي كانت تسمّى بـ“كتب الرجال” لتركيزها على الرجال وحدهم. لم يكتفِ السخاويّ بضمّ هذا العدد الكبير من النساء، بل كسّر كذلك حدود السنّ والطبقة والإنجاز، فضمّ إلى معجمه الأطفال، والعبيد، وأفراد عائلته، وعددًا من الفقراء والناس العاديّين. ليترك لنا من ثمّ كتابًا أجمع وأشمل من بقيّة معاجم التراجم، يُمكّننا من التعرّف على الحيوات الخاصّة والعاديّة للناس في العصر المملوكيّ، بدلًا من التركيز على النخبة والتاريخ الرسميّ وحده.‬

‫تخبرنا ريناته ياكوبي في بداية كتابها السخاويّ: مترجِم من القاهرة المملوكيّة ومعجمه عن النساء أنّها حين اكتشفت معجم السخاويّ كانت مهتمّة بالدرجة الأولى بالمجلّد الأخير وما يحمله من معلومات نادرة عن حيوات النساء وعلاقاتهنّ وتعليمهنّ (الفصل الرابع) وأملاكهنّ (الفصل الخامس). ولكنّها، مع الوقت، ما فتئت تلاحظ أنّ هؤلاء النساء جزء من صورة أكبر، قد لا تتبيّن ملامحها إلّا إذا درست علاقاتهنّ بالسخاويّ نفسه، وكيف كتب عنهنّ في زمن يُفترض أن يكون فيه للمرأة “حرمة،” وأن لا يستطيع الرجل أن يتحدّث عن أهل بيته. هكذا، تقرّر ياكوبي أنّ مفتاح معجم السخاويّ هو السخاويّ نفسه؛ أي شخصيّته وسيرته وعائلته وتعليمه وأحبابه وأعداؤه.‬

‫يتجلّى قرار ياكوبي في التركيز على السخاويّ أوّلًا ثمّ معجمه ثانيًا في عنوان كتابها الذي يبدأ بالسخاويّ، ثمّ بسياقه الزمكانيّ (القاهرة المملوكيّة)، ثمّ ينتقل أخيرًا إلى النساء اللواتي ترجم لهنّ. ينعكس هذا القرار بدوره على ترتيب فصول الكتاب، إذ تخصّص ياكوبي الجزء الأوّل للسخاويّ وأربعة أجيال من عائلته؛ بدايةً بالجدّ التاجر الذي جاء بأهله إلى القاهرة ليمنحهم فرصًا أفضل للحياة، مرورًا بالأب وأمله في الارتقاء الاجتماعيّ واستثماره في تعليم الكاتب – دون بقيّة الأبناء – ليبلغ المرتبة العلميّة التي لم يستطع هو الوصول إليها (الفصل الأوّل)، ثمّ أبناء الكاتب الأحد عشر الذين ماتوا واحدًا بعد الآخر، في طفولتهم بسبب الطاعون. في آخر حياته، ينسحب السخاويّ – صحبة زوجته – ليعيش في مكّة حيث يعترف به علية القوم، ليموت بعدها هناك دون وريث ينقل إليه اسمه (الفصل الثاني).‬

‫في هذين الفصلين، تركّز ياكوبي بالدرجة الأولى على المدخل السِّيَريّ الذي خصّصه السخاويّ لنفسه في معجمه. وتُنبّهنا إلى أنّه في هذا المدخل الأطول على الإطلاق في المعجم (أطول من مدخل السلطان نفسه!) يواجهنا لا كما هو، بل كما يريدنا أن نراه: رئيسًا لعلماء عصره. تتتبّع ياكوبي كيف يهذّب السخاويّ صورته، وينقّي مدخله من المشاعر والأحزان والعداوات (التي يتناولها في مداخل أصحابها)، ويقدّم لنا نفسه بضمير الغائب، مركّزًا على دراسته وارتقائه العلميّ وحدهما، ومزيلًا لكلّ ما هو شخصيّ وعائليّ. وتستنتج من كلّ هذا، أنّ ذات السخاويّ موجودة هناك، متناثرة ومخبّأة في طيّات ترجمات من عرفهم ومن عاشرهم. بعبارة أخرى، إنّ الجزء الذاتيّ في المعجم هو في الحقيقة الجزء المفرط في غيريّته، المكتوب بآليّة تقريريّة حياديّة. أمّا الجزء الغيريّ فلا يتيسّر إلّا لمن يلعب لعبة السخاويّ ويؤلّف ما تناثر من قطع البوزل (puzzle) ليتبيّن من هو حقًّا السخاويّ.‬

‫تُنهي ياكوبي الجزء الأوّل بفصل ثالث يركّز على ذات الكاتب بعيدًا عن عائلته. ويركّز على صداقته بشاعرة أرملة تسمّى “ستيتة” خصّص لها المدخل الأطول في معجم النساء. ومع أنّ السخاويّ لا يخبرنا الكثير عن ستيتة في معجمه إلّا أنه يقتبس أجزاء من مراسلاتهما؛ مراسلات عن الأدب والصبر والفقد والدين، كانت تكتبها الشاعرة سجعًا وشعرًا، ويردّ عليها السخاويّ نثرًا. تدرس ياكوبي هذه الصداقة والمراسلات لتبيّن لنا أنّ النساء في العصر المملوكيّ كنّ أكثر حضورًا ومشاركة في الحيّز العامّ ممّا نحسبه الآن، وأنّ الحدود بين المجالين الخاصّ والعامّ كانت أكثر مرونة ممّا نتصوّره اليوم. ولتبيّن لنا أيضًا أنّ تديُّن السخاويّ ومركزه العلميّ لم يمنعاه من بناء صداقة فكريّة مع امرأة قدّر علمها، بل والكتابة عن هذه الصداقة.‬

‫أمّا الجزء الثاني من الكتاب، فيركّز على معجم النساء الذي يضمّ طبقات مختلفة من النساء، بدرجات متباينة من الأملاك والتعليم، لا يجمع بينهنّ إلّا أنّهنّ عشن بالقاهرة أو بمكّة أو بالمدينة – أي بالمدن التي عاش بها السخاويّ – وأنّهنّ كنّ على علاقة قريبة أو بعيدة منه؛ قريبات له، أو صديقات لأسرته، أو حتّى خادمات لأسرته، أو من عائلات أصحابه، أو درّسنه، أو درسن عنده. ممّا يبيّن أنّ متن السخاويّ انتقائيّ ومتشابك بسيرته وحياته الشخصيّة، وأنّ نظام المعجم ومنطقه لا يُفهمان حقًّا إلّا بفهم شخصيّة السخاويّ أوّلًا.‬

‫من بين النتائج التي تخرج بها ياكوبي في الجزء الثاني من كتابها أنّ المعجم الخاصّ بالنساء يختلف عن ذلك المخصّص للرجال من ناحيتين؛ أوّلًا، يركّز السخاويّ في سِيَر النساء على العلاقات الإنسانيّة وتفاصيل الحياة الخاصّة من زواج وطلاق، فيما يركّز في سِيَر الرجال على إنجازاتهم العلميّة بالدرجة الأولى. لا يعني هذا أنّه لم يهتمّ بتجارب النساء العلميّة، إذ يوفّر المعجم معلومات عمّن تعلّمن الكتابة والقراءة بل ومن مارسن التدريس ومن كان لهنّ حلقات للحديث (الفصل الرابع). ثانيًا، تتميّز الترجمات الخاصّة بالنساء بنبرة تعاطف وتسامح لا نجدها في تراجم الرجال التي لم يكن السخاويّ يتوانى فيها عن النقد بل والعدوانيّة أحيانًا (انظر مثلًا ترجمته للسيوطيّ ونقد السيوطيّ لمعجم السخاويّ). ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ السخاويّ كان يترجم للنساء دون قيد أو نقد، بل إنّه كان يفعل ذلك ضمنيًّا، دون تصريح. هنا، تُنبّهنا ياكوبي لضرورات تتبُّع تلميحات السخاويّ وإشاراته غير المباشرة، خاصّة في عبارات الترحّم التي تختم الترجمة عادة، لتخبرنا بحكم السخاويّ ورأيه في صاحب أو صاحبة الترجمة. ومثال ذلك، ختامه لترجمة شيخة قلعت الحجاب في آخر عمرها بـ“رحمها الله وعفا عنها” (169)، وختامه لترجمة امرأة صاحبة أوقاف – يخبرنا صراحة “لا أحمد كثيرًا من تصرّفاتها” – بقوله “والله يحسن عقباها” (154). في المقابل، يختم سيرة زوجته الحبيبة بقوله: “وهي في كلّ ما أشرتُ إليه بمكان جوزيَتْ خيرًا وختم لنا بخير” (170). إنّ قراءة مشاعر السخاويّ والتركيز على علاقاته بمن ترجم لهم، واحد من إنجازات ياكوبي التي تقرأ الذاتيّ والعاطفيّ من قلب التقريريّ والغيريّ.‬

‫تتأمّل ياكوبي في الجزء الثاني من الكتاب أيضًا سبب حرص الناس على تعليم بناتهم وحرص النساء على الاستمرار في الدراسة وحفظ الحديث، رغم يقينهنّ أنّه لا يمكن لهنّ الحصول على وظيفة أو مركز بعد ذلك. وتحصر أهمّ الأسباب في الطاعون الذي كان يأتي على أرواح النساء والرجال معًا، و من ثمّ ضرورة الاستثمار في جميع أفراد العائلة من الأبناء بغضّ النظر عن الجندر، وأيضًا في رغبة الأسر العربيّة الغنيّة في التفوّق الثقافيّ الرمزيّ على العائلات المملوكيّة (الفصل الرابع). تصل ريناته ياكوبي إلى نتائج مشابهة أثناء دراستها للأوقاف التي امتلكتها أو أدارتها النساء الواردات في الضوء اللامع، وتضيف سببًا ثالثًا في هذا السياق هو الصراعات السياسيّة التي تحصد الرجال دون النساء عادةً (الفصل الخامس). بعد تعداد الأسباب وتأمّل السياق التاريخيّ والاجتماعيّ، تستنتج ياكوبي أنّ المرأة في العصر المملوكيّ حظيت بمزايا اجتماعيّة وثقافيّة لم تتوفّر لها في أيّ من العصور الأخرى السابقة للحداثة.‬

‫يضمّ كتاب ريناته جزءًا ثالثًا يميّزه عن بقيّة الكتب الغربيّة المكتوبة بالإنجليزيّة والدارسة للأدب العربيّ، ويتمثّل في اقتباس نماذج من الضوء اللامع بلغته الأصليّة. ومن ثمّ، فإنّنا لا نقرأ الدراسة وحدها بل نقرأ المصدر حتّى نتحقّق ونستنتج بأنفسنا بوصفنا قرّاء مشاركين في إنتاج المعرفة. يضمّ هذا الجزء الأخير أكثر من خمسين ترجمة، تتفاوت في طولها، وفي التفاصيل والمعلومات التي تتيحها، وتقدّم معًا نموذجًا شاملًا لمعجم السخاويّ وشخصيّته وعلاقته بمن ترجم لهم/نّ. فمثلًا، تطفح ترجمته لزوجته بمشاعر الودّ والعرفان، خاصّة حين يقول: “تزوّجها كاتبه بكرًا […] واستولدها أزيد من عشرة أولاد ما بين ذكور وإناث وهي صابرة على فقدهم أوّلًا فأوّلًا” (170). أمّا ترجمته لابنه فتفيض حزنًا وكآبة وتخبرنا عن أكبر خيبة أمل في حياته. في المقابل، تكشف الترجمات الأخرى غير العائليّة، شغف السخاويّ بالقيل والقال وأسرار البيوت، ومثال ذلك ترجمته لجارة له ذات أب مستغلّ “دام عندها تعلّله وتستدين له بعد أن أنفقت جلّ ما كان في حوزتها عليه” (155)، والمرأة التي تزوّجت أربع مرّات وبذلت أمّها الكثير من الأموال في جهازها لتجد لها عريسًا (158). كما يخرج السخاويّ من أسرار البيوت فيلتفت لفضائح ومؤامرات أكبر، من قبيل تلك الواردة في ترجمة تندو ابنة حسين بن أويس التي دبّرت لزوجها الثاني حتّى قُتل، ثمّ قتلت ابنه بعده (155). لا عيب في هذا الجزء إلّا قِصَره، إذ إنّ الكثير من المداخل المعجميّة المشار إليها في كتاب ياكوبي غائب، لا سيّما المداخل الخاصّة بعائلة السخاويّ، ولا بدّ أنّ القارئ كان سيسعد ببعض الدراما العائليّة (مثلًا مدخل الأخ أبي بكر زوج المرأة المتطلّبة التي نقم عليها السخاويّ وأقصاها من معجمه)، وبمقدّمة الضوء اللامع نفسها، التي يبدو من كلام ياكوبي أنّ السخاويّ كتبها في وقت مبكر، قبل أن يقرّر إضافة النساء والناس العاديّين إلى معجمه.‬

‫كثيرة هي الدراسات الأكاديميّة التي تدرس شخصيّات التراث العربيّ. يركّز أغلبها على إنجازاتهم وأعمالهم وألقابهم وآثارهم. ونادرة هي تلك الدراسات التي ترى في شخصيّات التراث بشرًا من لحم ودم، بخيبات ورغبات وصدمات. تدرس ياكوبي في كتابها هذا السخاويّ إنسانًا مفرطًا في إنسانيّته، إنسانًا لا يكتب معجمه ليوفّر تقارير عمّن عاصرهم، بل سيرة ذاتيّة محورها شخصه وطبقته. ينتقد فيها من يكرهه، ويبكي من فقده، ويشكر من أحسن إليه، ويُقصي من نقم عليه.‬

‫سيلاحظ بعض القرّاء أنّ مقاطع من الكتاب تتكرّر من حين لآخر، خاصّة تلك المقاطع التي تقدّم لـ الضوء اللامع وصاحبه، وسبب ذلك أنّ ياكوبي اشتغلت على فصول هذا الكتاب بتقطّع طوال ثلاثين سنة. للقارئ المتعجّل أن ينطّ عن هذه المقاطع دون أن يفقد شيئًا من تسلسل النصّ، وللقارئ الصبور أن يقف عندها ويقرأها بعينٍ تقدّر استمرار ياكوبي في استنطاق تضمينات الضوء واستقراء إشارته وإحالته لدراسة موضوعات قد تبدو متباينة وبعيدة عن بعضها البعض للوهلة الأولى. وعلى أيٍّ، فإنّ القارئين معًا، المتعجّل والصبور، سيلاحظان سلاسة النصّ لدرجة أنّ الجزء الأوّل بفصوله الثلاثة يمكن أن يُقرأ كرواية دراميّة، تجمع الطموح والخيبة والفقد والعشرة والصداقة.‬

‫لقد تمكّنت ياكوبي في كتابها السخاويّ: مترجِم من القاهرة المملوكيّة ومعجمه عن النساء أن تكسر الكثير من الأفكار الاتّفاقيّة التي كوّنها الكتّاب المحدثون والمعاصورن عن التراث. لتُعرِّفنا أنّ النساء كنّ جزءًا من الحياة العامّة، وأنّ الأسلاف – حتّى العلماء منهم – يحسدون ويضغنون ويحبّون. هكذا، لا يخبرنا كتاب ياكوبي عن معجم سِيَريّ من التراث العربيّ فحسب، ولا عن النساء في عصر المماليك فقط، بل يخبرنا كذلك عن الذات الإنسانيّة بخيباتها وقيمها وطموحاتها. ويخبرنا كذلك عن المجتمع المملوكيّ بنسائه ورجاله وأطفاله وعمّاله ونخبته. والأهمّ من هذا كلّه، يخبرنا أنّ المعاجم السِّيَريّة الغيريّة ليست مجرّد كلمات تقريريّة تاريخيّة نطالعها كلّما واجهنا اسمًا قديمًا لا نعرفه، بل حيوات بشريّة معقّدة ومتشابكة مثلنا تمامًا.‬

Content Metrics

All Time Past 365 days Past 30 Days
Abstract Views 0 0 0
Full Text Views 27 27 5
PDF Views & Downloads 52 52 8