Save

القيم الضرورية ومقاصد التشريع الإسلامي, written by فهمي محمد علوان

al-Qiyam al-Ḍarūriyya wa-Maqāṣid al-Tashrīʿ al-Islāmī, written by Fahmī Muḥammad ʿAlwān

In: Journal of Islamic Ethics
Author:
Turki Almustafa باحث مستقل (Independent Researcher) القاهرة (Cairo) مصر (Egypt)

Search for other papers by Turki Almustafa in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close

‫فهمي محمد علوان، القيم الضرورية ومقاصد التشريع الإسلامي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1989، 175 صفحة.‬

Fahmī Muḥammad ʿAlwān, al-Qiyam al-Ḍarūriyya wa-Maqāṣid al-Tashrīʿ al-Islāmī. Cairo: al-Ḥayʾa al-Miṣriyya al-ʿĀmma lil-Kitāb 1989, 175 pp.

‫هذا الكتاب عبارة عن تأويل أخلاقي لمقاصد الشريعة، حاول فيه مؤلفه التأسيس لفلسفة خلقية إسلامية تقوم على المصلحة التي هي من جهة، المصدر الحقيقي للخيْريَّة و”الغاية الأسمى والمقصد النهائي للأخلاقيَّة،“ ومن جهة أخرى تؤكد الطابع العملي للأخلاق. وبهذا حاول أن يتجاوز عيوب الاتجاه المثالي والتفكير النظري في الأخلاق بعد أن أصبح موضوعها – لدى كثير من الباحثين في العصر الحديث بحسب المؤلف – النظرية الأخلاقية لا الحياة الأخلاقية.‬

‫لم يُكتب للتفكير الأخلاقي – بحسب علوان – أن يستقل استقلال المعارف الإسلامية الأخرى فغلب عليه العمل، واستند مباشرة إلى الوصايا القرآنية والحديثية، وإلى المنقول من الحكمة الشرقية واليونانية، وما صنفه صوفية الإسلام في تزكية النفوس ومراقبتها. ومن ثم تأخر قيام الأخلاق علمًا مستقلًا مؤَسسًا على نظرية ”أصيلةٍ أصالةً مطلقةً.“ وربما حال دون ذلك أيضًا الطبيعة العقلية لأصول الفقه؛ فهو علم فلسفي معبِّر عن روح التفكير الإسلامي (عبد الرازق 2010، 137، 248) يمثِّل الفقه صورته العملية، فلم يكن ثمة باعث إلى الوقوف على ما يستحق الإتمام. ولكن لما استقل التشريع عن أصول الفقه – حديثًا – فقدَ التشريع أساسه الفلسفي وتوافرت الدواعي إلى ”وجود نظرية في الأخلاق مرتبطة بالتشريع“ تضمن مكانًا للشريعة في الدولة الحديثة، وتمثل مدخلًا أخلاقيًّا يبدد الخوف من تطبيقها. هذا المدخل الأخلاقي هو ”مقاصد الشريعة“ التي تمثل الجانب الأخلاقي لعلم الأصول، وتقترب من القانون قربَها من فلسفة الأخلاق.‬

‫وقد اختار المؤلف الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي (ت. ‫790‬/1388)؛ لأن الشاطبي أراد فيه تخليص علم الأصول مما لا فائدة عملية فيه، ووسّع فيه مبحث المقاصد بعد أن كان – في الأعمال السابقة عليه – موجزًا، وأضفى على المقاصد طابعًا عامًّا متجاوزًا الخصوصية المذهبية. وقد حاول علوان – في أكثر من موضع – أن يربط بين منجز الشاطبي الفكري وبين البيئة التي تَشَكَّل فيها الشاطبي نفسيًا ومذهبيًا وثقافيًّا. فمن جهة رأى – في الفصل الأول – أن الطبيعة الأندلسية أثَّرت في شخصية الشاطبي؛ فمال إلى الحفاظ على الأخلاق العامة مع نزوع إلى التحرر، كما أن الحالة السياسية والمذهبية القلقة صرفته إلى العناية بوحدة المذاهب، والحالة العلمية أهَّلتْه – بمعارفها العملية والنظرية: فقهيةً وأدبيةً وفلسفيةً وكلاميةً وصوفيةً – للوقوف على نقطة لقاء بين الفكر والواقع بحسب المؤلف. ومن جهة ثانية رأى – في الفصل الثاني – أن هذه النقطة التي يلتئم بها الفكر والواقع ويجتمع عليها المختلفون هي ”المصْلَحة“ المنضبِطة بالمقاصد أو الضروريات الخمسة التي ينبغي أن ترجع إليها كل الأدلة. ومن جهة ثالثة قرر – في الفصل الثالث – أن نظرية المقاصد كما قررها الشاطبي أثرٌ للعقلية الأندلسية النافرة من التعقيد والتنظير الذي لا عمل تحته، والمائلة إلى البساطة والواقع. ومن ثمَّ رفض الشاطبي فكرة الجوهر باعتبارها فكرة ميتافيزيقية، وجعل أصول الفقه فلسفة عملية نافرة من التفلسف النظري، بل إن الأفكار النظرية الكونية تحوَّلت لديه إلى أفكار إنسانية؛ فالعلاقة بين الأسباب والمسبَّبات علاقة ضرورية لا لشيء إلا لأنها شرط القدرة التي هي مناط التكليف.‬

‫ولكن هذا الربط بين نظرية الشاطبي وبيئته الأندلسية، يثير التساؤل عن أسباب اختلاف الشاطبي عن معاصريه، وعن خصوصية نظريته التي إنما أسسها على أعمال سابقة لأبي المعالي الجويني (ت. ‫478‬/1085) وأبي حامد الغزالي (ت. ‫505‬/1111) والعز بن عبد السلام (ت. ‫660‬/1262) وشهاب الدين القرافي (ت. ‫684‬/1285) وغيرهم، فضلاً عن أن الشاطبي كان مالكيًّا صرفًا كما يظهر من أعماله وفتاويه، وقد أراد – بكتابه – التوفيق بين مذهبه المالكي ومذهب الحنفية في المصلحة المرسلة. وكل ذلك لا يمكن ربطه فقط بالبيئة الأندلسية؛ إذ إن الأفكار الرئيسة لنظريته كانت متداولة قبله، ولذلك ثمة انتقادات جدية لمزاعم المؤلف حول تجاوز الشاطبي للخصوصية المذهبية، وحول نسبة النفور من التعقيد والتنظير إلى ما سماه ”العقلية الأندلسية.“‬

‫والمصلحة – بوصفها مبدأً أخلاقيًّا – ذات طبيعة عملية، وتتأكد طبيعتها العملية من خلال ثلاثة أمور: أنها ترجع إلى الضروريات الخمس، وتقوم على منهج الاستقراء المعنوي، وعلى القياس الأصولي.‬

‫فالمصالح الضرورية هي أساس كل مصلحة وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال؛ فهي ”الأصل وباقي الأدلة فروع لها“ (ص. 42)، فلا يطغى فيها النص على المعنى ولا المعنى على النص. والمصلحة هي الفلسفة العليا الحاكمة لنظر الفقيه أو المشرِّع، وهي معيار الحكم على نتائج فكره واجتهاده، وبها يكون استمرار الشريعة. والمصلحة هنا ليست شيئًا مخالفًا لمقاصد الإنسان، بل مقاصد الشارع من المكلَّف هي مقاصد الإنسان بمفهومه الكلي، ولذلك كانت ”مراعاة في كل ملَّة“ (الشاطبي 2006، ‫2‬/8) فهي تشبع حاجات الإنسان وتكمل ذاته، والأخذ بها تحقيق لمصلحته في المقام الأول.‬

‫والكشف عن هذه الضروريات الخمسة – كما هو مبين في الفصل الرابع – يقوم على منهج ”الاستقراء المعنوي“ الذي أشار إليه الشاطبي (2006، ‫2‬/42)، والمعبَّر عنه في علم الحديث بـ”التواتر المعنوي،“ وهو منهج يفيد اليقين، يدرك به العقل معاني مستخلصة من واقع تجريبي تمثله النصوص، ”يرتقي فيها من معنًى إلى آخر حتى يصل إلى معنى كليٍّ يأخذ حكم الضروري“ (ص. 63). وكلمة ”تجريبي“ هنا تقابل كلمة ”نظري“ التي اتصف بها التفكير الأخلاقي. وتتجلى هذه التجريبية – بحسب علوان – في استناد هذا المنهج إلى دعامتين: الأولى: ”الذوق الفطري“ المعبِّر عن سلوك الإنسان ”الأمِّي“ الباقي على أصل ولادة الأم (الشاطبي 2006، ‫2‬/58)؛ متجليًا في موقفه من الطبيعة والجماعة، وفي لغته المشتركة الكاشفة عن معاني نفسه. والثانية: ”ملكة التخييل والتمثيل،“ وهي التسوية بين المحسوس والغيبي التي يصل العقل من خلالها إلى صورة ذهنية لها معنى. والقياس الأصولي – من حيث هو إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة – إرهاص للاستقراء المعنوي، قريب من الذوق الفطري، غير محكوم بصورية القياس الأرسطي، يراعي المعنى أولًا، ويقوم على العلة والدلالة والمناسب، وهي معانٍ تستفاد من مسالك دقيقة تسمى ”مسالك العلة.“‬

‫الطبيعة التجريبية للقياس الأُصولي التي كان قد كشف عنها قبل ذلك علي سامي النشار (1984، 130–131)، والطبيعة التجريبية للاستقراء المعنوي، تفيدان معرفة مباينة كل المباينة لما تقدمه الصوفية والمذاهب الأخلاقية المثالية؛ لأنها معرفة موضوعية وعملية وكلية، وليست ذوقية ذاتية لا تلزم غير صاحبها. وكما يباين الاستقراء المعنوي المناهج الصورية والذوقية والمثالية، يباين الاستقراءَ العلمي؛ لأن هذا الأخير مختص بالعلوم الطبيعية، ولا يمكن تطبيقه في الدراسات الإنسانية التي تتسم بأنها حيوية تتدخل فيها إرادة الإنسان، وهو قاصر عن تلبية مطالب العقل في الإحاطة بالعالم وإدراك المطلق، وعاجز عن أن يقدم أساسًا أخلاقيًّا؛ لأنه يبدأ تجريبيًّا وينتهي تجريبيًّا كما بدأ، ونتائجه محكومة بظروف التجريب. أما الاستقراء المعنوي فيبدأ تجريبيًّا وينتهي إلى استخلاص كليَّات ضرورية ويقينية. من خلال هذا التفريق يبتغي علوان – فيما يظهر – أن ينفي عن الأخلاق كونها مبحثًا تجريبيًّا بالمعنى العلمي، وليس تفسيرُها بالبنية المادية الفجَّة للإنسان إلا أثرًا من آثار الثقة المفرطة بالمنهج العلمي في حدود المادة المحضة.‬

‫بهذا المنهج المفيد لليقين يتبين أن المصلحة هي المصدر الحقيقي للخيْريَّة، بل هي ”الغاية الأسمى والمقصد النهائي للأخلاقيَّة“ (ص. 95)؛ فهي قيمة مطلقة تختلف عن القيم الوسيلية التي تعد شروطًا واقعية، ومعايير عملية لما هو أخلاقي. على أن هذه الشروط الواقعية تدرك في ثلاثة مستويات متداخلة هي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ولا تستقل واحدة منها عن الأُخرَيين دون أن تخل بالمصلحة بوصفها قيمة خلقية. وهي ضابط للسلوك وغاية في الوقت ذاته، وتجريبية تعبر عما هو كائن، ومثالية تعبر عما ينبغي أن يكون، أي هي معيارية وغائية معًا. وهي كذلك كلية ومطلقة وثابتة، يختص معيارها الأخلاقي بالقدرة على ”الترجيح“ والموازنة عند الحكم على الأفعال، و”الشمول،“ و”الموضوعية.“ ولكنها مع ذلك تقبل الاستثناء لأنها عملية لا صورية، شريطة أن تكون المصلحة هي المسوغ لهذا الخروج على القاعدة الخلقية، وأن تكون الغاية الخلقية المنوط بها تحقيق المصلحة أسمى في السلم الخلقي من القاعدة.‬

‫وقد أجاد فهمي علوان عندما أشار إلى أن هذه القيمة العليا المتمثلة بالمصلحة بمفهومها الكلي، وهذه القيم الوسيلية التي تتغيَّا استمرار الحياة وصلاحها، إنما تهدف – بطابعها العملي – إلى تحقيق الذات الكاملة بجميع جهاتها الروحية والمادية. فالسعادة التي تدعو إليها سعادة عملية إيجابية تقر برغبات الإنسان وشهواته، لا سعادة سلبية قائمة على النظر والتأمل المثالي الخالص كما هي لدى الفيلسوف والصوفي. ومما يسترعي النظر أن علوان يعد هذه الرؤية الأخلاقية القاصدة إلى تحقيق الذات الكاملة، المعترفة بالقيم الجسدية: أساسًا أخلاقيًّا، فيذكر أن الشاطبي موافق للفلاسفة القائلين: إن ”القيم البيولوجية هي الدعامة الكبرى لكل حياة أخلاقية“ (ص. 112)، وإن كان يشترط اقترانها بالقيم الأخرى.‬

‫على أنه تبقى مشكلة الحكم على النية؛ فيحلها علوان بجعل المصلحة حَكَمًا في تمييزها؛ سعيًا منه إلى تحويل الحكم الأخلاقي حكمًا عمليًّا خالصًا، فيربطها – في الفصل السادس – بالقيم الضرورية التجريبية، فتكون النية طيبة إذا وافق العمل المقاصد الأخلاقية. فإذا كانت مخالفةً للمقاصد والعمل موافق لها، فالعمل هو المقدَّم في ملاحظة الحكم الأخلاقي. فإذا كانت النية موافقة للمقاصد والعمل مخالف لها، فالعمل هو المقدم أيضًا كما يفهم علوان من كلام الشاطبي، وهذا محل إشكال. وعلى ذلك تتوقف أخلاقية النوايا والأفعال – بحسب علوان – على تحقيق القيم الضرورية تحقيقًا فعليًّا، سواء علم الممتثل وجه المصلحة أم جهله. وبناء على ذلك تكون الحيل التي تكلم عليها الفقهاء مقبولة أو مرفوضة بالقياس إلى هذا المعيار ذاته، فما لم يناقض أو يهدم قيمة ضرورية مقبول، وما كان غير ذلك مرفوض.‬

‫أما الامتثال للأمر الخلقي فهو – بحسب الفصل السابع – ضرورة عقلية أساسها عملي، يقضي بها العقل عندما يعلم أن من وراء ذلك مصلحة لا تكفي فيها النية الحسنة، بل لا بد من الفعل الحسن، وعلى ذلك ليس هذا الامتثال امتثالًا لأمر مفروض من الخارج، بل هو حركة طوعية، أو هو – إن صح القول – ”امتثال مصلحي.“ وليست الغايات الخاصة المتصلة بإشباع حاجات الممتثل وشهواته قادحة في أخلاقية الفعل؛ إذا ما حقَّق القيم الضرورية. ولا يكون الامتثال معقولًا في الحكم الأخلاقي حتى تتحقق القدرة عليه، ولا تكون القدرة على الفعل أو الترك متصوَّرة حتى يتوافر لها شرطان: خارجي يتمثل في اطّراد العوائد كما يعبِّر الشاطبي (2006، ‫2‬/238–241) أو العلاقة السببيَّة، وداخلي يتمثل في الاستطاعة. وتتحقق الاستطاعة بأن يتجه الأمر الأخلاقي إلى جملة الكائن الإنساني، فلا يكلَّف بما هو ضد طبيعته النفسية والجسدية؛ إذ ”من المستحيل أن نقيم مذهبًا أخلاقيًّا هو في أوامره ضد طبيعة الإنسان؛ لأن ذلك – كما يقول الفقهاء – تكليف بما لا يطاق“ (ص. 142). بيد أن الامتثال محتاج إلى الجزاء حتى يضمن بقاءه، وهنا يستدعي علوان دور الدين في الضبط الأخلاقي بعيدًا عن المصلحة، فيقرر أن الجزاء قادر على تحقيق ذلك، حتى لو كان ثمة أفعال غير أخلاقية لا يتعلق بها جزاء، طالما أن المقاصد ستتحول إلى ”سلوك عملي بواسطة الإنسان من خلال النية … والنية ترتبط في أساسها بالجزاء الديني“ (ص. 154). على أن الجزاء يتسع لديه ليشمل الجزاء الدنيوي بطبيعته القانونية والأخروي المتصل بالنية. وعلى أية حال فإن القانون الأخلاقي – كما يقرره – يحمل في ذاته دواعي الامتثال من خلال طبيعة الفعل الخلقي العقلية وغاياته وتوافقه مع الميول الإيجابية، وهي الأشياء التي يرى فيها المذهب الإنساني المؤكِّد للطبيعة المتكاملة للإنسان: ضمانًا أخلاقيًّا، وهي نقطة لقاء بين الشاطبي وما يقرره المذهب الإنساني.‬

‫حاصل الأمر أن علوان يقدم تأويلاً أخلاقيًّا عمليًّا لمقاصد الشاطبي، ويسعى إلى إيجاد أساس واقعي للأخلاق كامن في الطبيعة الإنسانية أو الفطرة وتجلياتها الاجتماعية من جهة، وفي الوحي من جهة أخرى، كما يقدم نقدًا للتفكير النظري والمثالي في القيم متخذًا من المصلحة مبدأ أوليًّا لبناء نظرية أخلاقية متكاملة. فالمصلحة هي ”المثل الأعلى“ و”القيمة العليا الغائية“ التي تُحفظ بحفظ القيم الخمسة الوسيلية، فهي مبدأ كلي وضروري، وأصيل أصالة مطلقة، وثابت غير متبدل، وموضوعي يتفق عليه الناس، ومستخلص من واقع التجربة البشرية. فالمصلحة مبدأ ديني وإنساني معًا يسعى إلى الاحتفاظ بالحياة والرقي بها باعتبارها تمثل ”القصْديَّة المطلقة،“ فما كان كذلك فهو أخلاقي، وما لم يكن كذلك فغير أخلاقي.‬

‫يأتي هذا التفكير في المقاصد من منظور أخلاقي إنسانيّ في طور انشغال عام بتمكين الشريعة كما سبقت الإشارة في المقدمة، وهو مسعى يجد أساسًا صلبًا في المدونة الأخلاقية الإسلامية من حيث عنايتها بالعمل الصالح ودعوتها إليه، وفي المدونة الفقهية الهائلة من حيث انشغالها المدهش بتحليل أفعال المكلفين للحكم عليها استنادًا إلى نظر نصّيٍّ دقيق بقواعد حاكمة. ومصير الإنسان النهائي يحدده فعله الأخلاقي في هذه الحياة الأولى، فالأثر الأخلاقي للفعل مستمر لا ينقضي، فلا فصل بين الدنيا والآخرة كما لا فصل بين الأخلاق والأعمال. ولا يمكن الوقوف على مفكر يصدر عن الإسلام في تفكيره لا يستبطن هذا التصور. ولذلك فإن القول بأن الصوفية عنوا بالبواعث والفقهاء عنوا بالنتائج والشاطبي عُني بالاثنين معًا، صادر عن إمكان الانفصال في الاشتغال والمعالجة الفنية لا في المآل، وإلا فإن الفتوحات المكية لابن عربي (ت. ‫638‬/1240) زاخر بالمباحث الفقهية والأنظار الكلامية وفق منهج خاص به (السيد 2022).‬

‫وضع علوان المصلحة في قلب التفكير الأخلاقي باعتبارها القيمة الأخلاقية العليا، وقد يبدو أن ذلك إحالةٌ للحكم الأخلاقي إلى معيار خارجي يستثني انفعال المتخلِّق بالقيمة الخلقية، ويجرد الأخلاق من سمتها الأصيلة من حيث هي ملكات تقوم في الكائن الأخلاقي وتبعثه على الفعل الأخلاقي بعثًا إراديًّا بوصفها جزءًا من تشكيله الداخلي، ويميل بها إلى أن تكون قانونًا، وينزع عنها حيويتها، ويؤول بها إلى الصورية ذاتها التي حاول علوان تجاوزها في المذاهب المثالية، وهذا يغفل حكم الإنسان المتخلِّق على فعله، فأن يكتسب الفعل أخلاقيته من موافقته للمعايير الخمس شيء، وأن يكون هذا الفعل أخلاقيًّا من وجهة نظر فاعله العالم بنيته، شيء آخر. فالحكم الأخلاقي عند علوان آيل إلى أن يكون عملية قياسيّة عقلانيّة لا اعتبارًا حقيقيًّا فيها للانفعال الأخلاقي، وهذا يحيل الأخلاق إلى ”أخلاق نتائج“ أو عواقب، وهو النقد ذاته الذي يسوقه علوان ضدَّ نظرية المنفعة التي تقيس الحياة الأخلاقية بنتائجها العملية من دون العناية الكافية – عند إصدار الحكم على الفعل – بالميول الباطنية والبواعث النفسية والمقاصد والإرادات، وفي هذا إضعاف للحسِّ الأخلاقي1 الذي هو ملكة قائمة في النفس، وانبعاث سابق على المصلحة المرجوة؛ لأن الإنسان كائن أخلاقي تتحقق الأخلاق في نفسه أولًا قبل أن يكون كائنًا عقلانيًّا (عبد الرحمن 2000، 14–15)، وإن كان ثمة مصلحة كلية من وراء ذلك، فهي بالعَرَض لا بالأصالة، فلا يَصدق لأن في صدقه مصلحة بل لأن الصدق في ذاته قيمة، ولا يمتنع عن القتل أو يسارع إلى إنقاذ إنسان أو تقديم العون له لأن في حساباته أن ذلك يحقق مصلحة بل لأن ذلك في نفسه قيمة، وما تحقيق المصالح الخمسة إلا عرَض يتحقق عندما يفعل الأشياء التي يجد لها في نفسه قيمة.‬

‫ثم إن هذا الركون المفرط إلى المعيار الخارجي مباين لطريقة الدين في إعداد الإنسان الأخلاقي، فإحدى وظائف النبوة التزكية ﴿ويُزكِّيْهِم﴾ (الجمعة: 2)، والتزكية تهيئة وإصلاح داخلي، والامتثال مربوط في القرآن بـ”الإيمان“ وهو شيء قلبي في جوهره يبدأ بالتصديق وينتهي بالعمل وبالتقوى، وهي مَلَكة تكوينية داخلية ومفهوم أخلاقي جامع تقابله فكرة الضمير في فلسفة الأخلاق، بل هي أهم المفاهيم الأخلاقية في منظومة القيم القرآنية (حللي 2021، 8–36)، ولهذا لا يملك علوان – عند حديثه عن علاقة القيم والأفعال بالقصد والنية – الخلاص من المثالية التي انتقدها، فيذكر عَرَضًا أن ”أكبر ضابط للأخلاقية هو الضمير … وتحكيم الضمير هو ما يسمى في الدين بالتقوى“ (ص. 125)، ولكنه مع ذلك يكاد يغفل ”أعمال القلوب“ التي هي كسائر أعمال الإنسان في النظر الأخلاقي وفي اعتبار الشارع، فيذكر – على نحو غير مفهوم – أن الإنسان ”يستطيع أن يجعل للفعل قيمة روحية بدون نية، وذلك إذا كان الفعل من شأنه أن يؤدي إلى نتائج خيرة“ (ص. 132). ويبدو هذا التفكير ”المصلحي“ في الأخلاق، متأثرًا بالأخلاق النفعية على الرغم من نقد علوان لها في مواطن عديدة من كتابه. فالمصلحة الكلية هي الغاية القصوى والهدف النهائي لدى جيرمي بنتام (ت. 1832م)، والدولة والقانون والفضيلة وسائل خادمة لها. وهي مصلحة مستندة لدى تلميذه جون ستيوارت مل (ت. 1873م) إلى أسس تجريبية واقعية تتمثل فيما هو مرغوب بالفعل (إبراهيم د.ت.، 150). وليس هذا التفكير المصلحي بعيدًا كذلك عن ”الأخلاق العملية“ لدى بيتر سنجر (و. 1946م) سليل المدرسة النفعية، فالأخلاقية عنده ذات طبيعة عملية لا نظرية، عامة لا تختص بمجتمع دون آخر، ولا تعبر عن ذوق أو رأي شخصي، ولا تقوم على الدين (Singer 2011, 1–15). وإذا كان القانون والرأي العام هما الضامن لتحقيق المصلحة العامة في النفعية مضافًا إليهما ما تنطوي عليه هذه المصلحة من نفع خاص، فإن الضامن لتحقيقها لدى علوان هو الشريعة (أو القانون الممثل للمقاصد) والأعراف المعبرة عن التجربة الإنسانية مضافًا إليهما ما يرجوه المرء من نفع خاص كامن في المصلحة الكلية؛ على أن النفعية لا جزاء أخرويًّا فيها. وعلى الجملة يحمل هذا التفكير المصلحي أثر النزوع الحيوي أو الإنساني في التفكير الأخلاقي؛ بسبب ما حاوله علوان من جعل الفكر الديني فكرًا نظريًّا؛ سعيًا إلى استخلاص أخلاق إنسانية كلية وشاملة.‬

المصادر

  • إبراهيم، زكريا. د.ت. المشكلة الخلقية. القاهرة: مكتبة مصر‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ‫حللي، عبد الرحمن. 2021. «مفهوم التقوى والمنظومة الأخلاقية القرآنية: البنية والسياق.» Journal of Islamic Ethics 5(1–2): 8–36. DOI: 10.1163/24685542-12340053.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • السيد، أسامة شفيع. 2022. محيي الدين ابن عربي: آراؤه الفقهية والأصولية. القاهرة: مركز تراث‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الشاطبي، أبو إسحاق. 2006. الموافقات في أصول الشريعة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • عبد الرازق، مصطفى. 2010. تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • عبد الرحمن، طه. 2000. سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحضارة الغربية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • النشار، علي سامي. 1984. مناهج البحث عند مفكري الإسلام. بيروت: دار النهضة العربية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Singer, Peter. 2011. Practical Ethics. Cambridge: Cambridge University Press.

1

‫انظر في نظرية المنفعة وتعديلاتها والنقد الموجه إليها (إبراهيم د.ت.، 147–162).‬

Content Metrics

All Time Past 365 days Past 30 Days
Abstract Views 0 0 0
Full Text Views 1314 353 39
PDF Views & Downloads 2111 444 31