Save

آليات الفارابي في تقريب مضامين المتن المنطقي المترجم إلى اللغة العربية

Al-Fārābī’s Contribution to the Appropriation of the Greek Logical Corpus into Arabic

in Philosophical Studies Journal
Autor:in:
روي محمد [Roui Mohamed] الدكتوراه، كلية أصول الدين، الدراسات الفكرية والعقدية، جامعة عبد المالك السعدي (Faculty of Ossoul Eddine, Abdelmalek Saadi University) تطوان (Tetouan) المغرب (Morocco)

Search for other papers by روي محمد [Roui Mohamed] in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close
https://orcid.org/0009-0005-4062-3688

الملخص

تسعى هذه الدراسة إلى إبراز مساهمة الفارابي في تقريب المتن المنطقي المترجم إلى العربية وإزالة الغموض والاستغلاق عنه، وإثبات أنه توسل لذلك آليات من صميم الثقافة المترجم إليها، أي الثقافة العربية الإسلامية، وهي الآليات اللغوية المتمثلة في اللغة العربية وفروعها وقواعدها. وليس من الممكن أيضا قصر جهوده في شرح الكتب المنطقية وتبسيطها، دون جهوده في صبغها بالأبعاد الإسلامية التي أدخلها على المعنى المنطقي. ولئن كان الفارابي معروفا بميله إلى التفلسف اليوناني، وإظهاره التعلق بالمعلم الأول، فتصوره الثقافي قد تكوّن، مع ذلك، في البيئة الإسلامية، ومن هنا توسله المعاني العربية الإسلامية في تقريب المنطق‪.‬

Abstract

This study aims to shed light on al-Fārābī’s role in making the translated Greek logical corpus more accessible in Arabic by dispelling much of its obscurity and complexity. To achieve this, he drew on the very culture into which these texts were received – namely, the Arabic-Islamic intellectual tradition – particularly its linguistics and grammar. His contribution, however, cannot be reduced merely to commenting on and vulgarizing logical works; it must also be seen in light of his effort to infuse them with Islamic meanings and references. Although al-Fārābī is often recognized for his strong affinity with Greek philosophy and his reverence for the “First Teacher” (Aristotle), his intellectual outlook was nonetheless molded by the Islamic milieu.

تقديم

من المعلوم أن النصوص المنطقية المترجمة كانت، أول الأمر، نتيجة لجهود حنين بن إسحاق (ت.260ه). كان حنين بارعًا في نقل التراكيب اليونانية المقدمة إلى العربية بطريقة مفهومة ومتوافقة مع أغراض النص المترجم، غير أنه يُكثر من استعمال الترادف في كل مصطلح يوناني بكلمتين عربيتين. ولما لم يكن ذلك منه لغاية التوضيح على الدوام،1 جاءت لغة المتن الفلسفي مفتقرة إلى المباشَرة والوضوح في الاصطلاح. فإذا كانت ترجمات حنين هكذا، فمن قام بمهمة تخليص الترجمات من مثل هذه العيوب وغيرها في زمنه على وجه التقريب؟

نحاجج في هذه الدراسة بأن الفارابي، المعلم الثاني (ت.339ه)، هو من رفع “آليات التخفي”2 وقرّب الفهم بإصلاح ترجمات المدونة المنطقية. معروف أن القول أو الخطاب، كيفما كان، تلحقه تغيرات في المعنى إذا تحول من لغة إلى لغة أخرى، ومن وسط ثقافي إلى وسط آخر، كما في المجال التداولي العربي، ولكن “الإحاطة بمعاني الكلمات كما ترد في اللغة العربية [تعتبر] وسيلة لتوضيح المصطلح الفلسفي الذي يستخدم لتلك الكلمات.”3 ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إن الفارابي من بين فلاسفة الإسلام الذين بنوا مفاهيم التفلسف في هذا الثقافة، فصناعة المفاهيم تعني من بين ما تعنيه “تحويل مواد أولية إلى أشياء مخترعة،”4 والمواد الأولية التي اشتغل بها هنا هي ما تُرجم من الفلسفة اليونانية، والأشياء المخترعة كانت أسبابها الفضاء الثقافي الذي نهل منه الفارابي‪.‬

واستنادا إلى فرضية أن أبا نصر هو من رفع قلق عبارة ترجمات حنين بن إسحاق وغيره من المترجمين؛ نستطيع طرح السؤال الآتي: ما الذي كان ينقص ترجمات حنين فأضافه الفارابي حتى صار المترجَم يقارب الأصل؟

حاولت بعض الدراسات استشكال هذا الأمر؛ إذ يُقر بعضها أن تاريخ تكوين اللفظ الفلسفي العربي شهد محاولات من الفلاسفة العرب في صياغته، وأن ذلك رافقته العديد من التقلبات والعثرات، وأن الفارابي قد أسهم في الرفع من قلق العبارة المنطقية، لكن هذا الرفع إنما هو من جهة الفهم الجيد للمنقول اليوناني والتعبير عنه بطريقة مفهومة كأنه كتب أصالة باللغة العربية.5 وتَعُدّ دراسة أخرى الفارابي “من أوائل الفلاسفة الذين أدركوا قيمة اللغة وضرورة الإحاطة بها لامتلاك ناصية العلوم المختلفة.”6 وهناك بحث درس وجه العلاقة بين اللغة والمنطق عند الفارابي وانتهى إلى إثبات هذه الرابطة،7 كما توجد دراسة تولّت دراسة المصطلح المنطقي عنده، غير أنها اقتصرت على بعض مصطلحات الكليات المنطقية الخمس.8 فيما أبانت دراسة أخرى عن علاقة عمل الفارابي المنطقي بعمل أرسطو وسقراط من جهة اللغة.9 ودراسة أخرى حاولت الكشف عن مقاربة الفارابي لعلم الكلام الإسلامي من جهة القول المنطقي.10

غير أن أقرب دراسة إلى قضية البحث هي دراسة جاك لانغاد من القرآن إلى الفلسفة؛ اللغة العربية وتكوين المفردات الفلسفية عند الفارابي، خاصة في الفصل الثامن المعنون بـ“اللغة الفلسفية التي استخدمها الفارابي،”11 ففيه تناول وجهة نظر الفارابي في علاقة المنطق بالنحو العربي ودراسة دلالة الألفاظ، كما رجّح الكاتب في هذا الفصل تأثر الفارابي بكتاب سيبويه الشهير.12

والواقع أن الدراسات السابقة تنطلق من مقاربة مساهمة الفارابي في تقريب المنطق اليوناني بواسطة العلوم العربية بالذات، كالنحو والبلاغة العربية خاصة، فهي تركز على الآليات لا على المضامين المبثوثة في كتابات الفارابي. وبذلك، فهي قليلًا ما تلتفت إلى المحتوى والمادة المستعملة، أعني المعاني الإسلامية التي نجدها بارزة في القرآن الكريم والسنة النبوية وكذا العلوم الإسلامية كأصول الفقه والفقه والأخلاق…إلخ. لذا؛ يرمي هذا البحث إلى الكشف عن تقريب الفارابي للمنطق اليوناني من جهة هذه المضامين‪.‬

فما رأي الفارابي في قلق عبارة المتن المنطقي المترجم في زمنه؟ وكيف ينظر إلى العلاقة بين اللغة بشكل عام ولغة عرض المنطق والفلسفة؟ وكيف كان رجوعه إلى اللغة العربية وقواعدها لصياغة المصطلحات المنطقية؟ وهل استعمل المعاني الإسلامية في تقريبه لعلم المنطق اليوناني؟ وما الأبعاد الإسلامية التي أفرغها على متنه المنطقي؟

1 الفارابي وكتب المنطق المترجمة: من إدراك صعوبة فهمها إلى محاولة رفع قلق عبارتها

1.1 صعوبة فهم العبارة المنطقية وإدراك الفارابي لإشكالها

أثار الغزالي (ت.505هـ)، في معرض حديثه عن ترجمة كتب الفلسفة، مشكلة أن “المترجمين لكلام أرسطاطاليس لم ينفك كلامهم عن تحريف وتبديل محوج إلى تفسير وتأويل، حتى أثار ذلك أيضا نزاعا بينهم.”13 ونجد عند طاش كبرى زاده (ت.968هـ)، في مفتاح السعادة، ما يمكن أن يكون بيانًا لقول حجة الإسلام حينما تحدث عن ترجمة علوم الأوائل في عصر المأمون العباسي؛ إذ يصرح بوجود اختلاف بين المترجمين فيما يترجمون: “فجمع المأمون مترجمي مملكته: كحنين بن إسحاق، وثابت ابن قرة، وغيرهما، وترجموها بتراجم متخالفة، لا توافق ترجمة أحدهم ترجمة الآخر، فبقيت التراجم غير محررة.”14 من الظاهر أن مسألة قلق عبارة الكتب المترجمة في القرن الثالث الهجري مسألة معروفة تاريخيا لدى العلماء المسلمين، ترجع إلى ثلاثة أسباب، يمكن أن ترتد إليها غيرها من الأسباب وتدخل فيها. ويتعلق الأول بطبيعة كتب الفلسفة الغامضة، والثاني بسوء الترجمة للمتن المنطقي، والثالث بمخالفة الترجمة لبعض مقتضيات المجال التداولي العربي الإسلامي. وسنحاول هنا تفصيلها ومن ثم الانصراف إلى عرض رأي الفارابي في هذه القضية‪.‬

يرجع السبب الأول إلى طبيعة الأسلوب الغامض للكتب الفلسفية من قِبل فلاسفة اليونان، إذ قصدوا تكثيف المعاني في قليل من العبارات، وهو منهج قديم في عرض العلوم الحِكمية، كما يؤكد ذلك أبو سليمان السجستاني المنطقي (ت.391هـ) في قوله: “وليست كتبهم المصنّفة في هذه الأبواب بحيث يُوقف عليها من غير فاتح يفتحها، فإنها محشوةٌ بالرموز والألغاز، وإنما كانوا يتعاهدون ذلك لمعاني ثلاثة، أحدها: الكراهة لئلاّ يغوص أحدٌ على أسرار الحكمة ممن ليس لها بأهل[…] والثاني: أن لا يتوانى العاشق لها في بذل العناية لاقتنائها، وإن لحقته المشقة في تحصيلها، ويستصعبها الكسلان لغموضها ويزدريها، والثالث: تشحيذ الطبائع باستكداد الفكر لئلاّ يجنح المتعلم إلى طيب الدّعة وروح النفس، ويقبل بجهده على تفهّم ما ينفر عنه.”15 فالأسباب ترجع إلى معاني أخلاقية وتربوية تتمثل في أن لا يخوص في قراءتها من ليس هو أهل لها، ممن لا يستطيع الكدح وبذل الجهد وإعمال العقل من أجل الوصول إلى دقائقها، ويخالفه في ذلك ابن حزم الأندلسي (ت.456هـ) في قوله الذي يؤكد فيه: أن “السبب الذي حدا من سلف من المترجمين إلى إغماض الألفاظ وتوعيرها وتخشين المسلك نحوها، الشحّ منهم بالعلم والضن به.”16 وبيّن أنه يتهم المترجمين خاصة بقصدهم إلحاق الإغماض وتوعير المقالات الفلسفية‪.‬

ويعود السبب الثاني إلى سوء الترجمة وما ينجم عنها من إبهام وغموض للمتن الفلسفي، بسبب التغيير الذي يطرأ على العبارة الفلسفية عند النقل من وضع لغوي إلى آخر، وهذا ما يشير إليه أبو البركات بن ملكا البغدادي (ت.547هـ) في سياق حديثه عن تجربته في تعلّم أجزاء الفلسفة في قوله: “فلما قُدّر لي الاشتغال بالعلوم الحِكمية بقراءة الكتب التي نقلت فيها عن المتقدمين […] كنت أقرأ كثيرًا وأكبّ عليها إكبابًا طويلًا، حتى أحصّل منها علمًا قليلًا؛ لأن كلام القدماء كان يصعب فهم كثير منه لاختصاره، وقلة تحصيله ومحصوله، واختلال عباراته في نقله من لغة إلى لغة، وكلام المتأخرين لأجل طوله، وبُعد دليله عما يدل عليه، وحجته عن محجته، وإعواز الشرح والبيان المحققين في كثير من المواضيع؛ إما للغموض، وإما للإعراض فيتعذّر الفهم لأجل العبارة.”17 وأيسر نظر في قوله هذا، والذي جاء توجيهًا لمن رام تعلم الفلسفة، ينبئ بإقراره بصعوبة كلام المتقدمين من فلاسفة اليونان واختلال عباراتهم، بمسوغ نقله من لغة إلى لغة أخرى، بل إنه كذلك لا يثق بما قام به فلاسفة الإسلام، فينتقدهم لكون كلامهم كذلك طويلًا ومسهبًا يحتاج إلى الشرح والبيان، ولا يبعد أن يقصد بطول الكلام ما في كتب ابن سينا، فهو المعروف بين الفلاسفة بالنفس الفكري الطويل المتدفق الموسّع للقول الفلسفي، وأسلوبه في الشفاء خير مثال لذلك‪.‬

ليس يخفى أن السبب الثالث المتعلق بمخالفة الترجمة لبعض مقتضيات المجال التداولي الإسلامي استنبطه الدارسون المتأخرون ممن اجتهد في موضوع الترجمة وعلاقتها بالفلسفة. ويبدو أن المقصود به هو عدم اعتناء المترجمين في تراجمهم الفلسفية بخصوصيات من تُوجّه إليه الترجمة، من حيث اللغة والعقيدة وغيرها. والحق أن صاحب هذا الرأي هو طه عبد الرحمن الذي ناقش هذا الموضوع في الجزء الأول من كتابه فقه الفلسفة،18 ومفاده أن المترجمين في ذلك التاريخ لم يكونوا يراعون الوسط الثقافي الذي ينقلون إليه، من جهة لغته وعقيدته والتصور العام للفكر الإسلامي ونظرته للكون والحياة، هذا فضلًا عن كون أغلبهم من السريان المسيحيين، فهم، من ثمة، غير متضلعين بمعهود العرب في أساليبهم في الخطاب، ولا بالجو الفكري الذي يسود الحضارة العربية الإسلامية، وبهذه الاعتبارات جاءت ترجماتهم قاصرة‪.‬

لكن بهذا الصدد، ما رأي الفارابي في هذا الإغماض للمتن المنطقي؟

لعل أبا سليمان السجستاني في قوله المذكور أعلاه قد اطلع على ما كتبه أبو نصر في المنطقيات من كتب ورسائل، ذلك أنّا نجد في رسالة ما ينبغي تعلمه قبل الفلسفة للفارابي تشابهًا بينهما فيما قالاه عن سبب إغماض كتب علوم الأوائل، يقول في هذه الرسالة: “السبب الذي دعا أرسطو إلى استعمال الإغماض في كتبه ثلاثة أشياء: أحدها: استبراء طبيعة المتعلم هل يصلح للتعليم أم لا؟ والثاني: لئلا يبذل الفلسفة لجميع الناس، بل لمن يستحقها فقط، والثالث: ليروض الفكر بالتعب في الطلب.”19 فهي أسباب قد يكون المعلم الثاني هو الذي استنتجها من كتب أرسطو أو ممن اعتنوا بشرحه، شأنه شأن أستاذه أفلاطون فيما يذكر عنه أيضًا الفارابي في رأيه حول هذا الأمر؛ الذي يبدو أنه من أوائل من استعمل أسلوب الرمز والإلغاز للمتن الفلسفي، يقول عنه: “أفلاطون الحكيم لم يكن يسمح لنفسه بإظهار العلوم وكشفها لجميع الناس، فسلك طريق الرمز والألغاز والتعمية والتعصب،”20 ثم يوضح مبرره في ذلك: “لئلا يقع العلم إلى غير أهله فيبتذل ومن لا يعرف قدره، أو يستعمله في غير موضع؛ وذلك منه صواب.”21 وبيّنٌ أن أفلاطون يتوخى حماية الفلسفة من الدخلاء كما ذكر أرسطو أيضًا، ولكنه يتميز عنه بالإشارة إلى سبب آخر، وهو عدم استعمال الحكمة في غير موضعها، والفارابي في هذا يصوّبه‪.‬

والواقع أن ما سبق من الأسباب قد يكون خاصًا بالفلسفة بشكل عام أو مرتبطا أيضًا بكل واحد من أجزائها على حِدة. ولذلك يرى الفارابي غير الآراء السابقة في مسألة الإغماض في المنطق بالضبط أو صعوبة فهم معاني كتب هذا العلم. يتعلق الأمر بمسألة التمثيل للمعاني المنطقية بأمثلة غير مفهومة للذي نشأ في الوسط العربي الإسلامي، ولذلك كما يقول “صارت الأشياء التي قصد أرسطوطاليس بيانها بتلك الأمثلة غير بيّنة ولا مفهومة عند أهل زماننا.”22 فيعترف أبو نصر بأن كتب المنطق المنقولة إلى اللغة العربية غير مفهومة، وهذا في نظره من الأسباب المباشرة التي قامت دون فهم عبارات منطق أرسطو، ولذا؛ فهو يدرك حاجة هذه النصوص المنقولة إلى تبيئةٍ في الوسط الجديد المنتقلة إليه عن طريق الترجمة من أجل تقريبها إلى الأفهام. وهذه هي المهمة التي قام بها الفارابي، والتي يمكن اعتبارها من المهمات المؤثرة في تاريخ المنطق العربي الإسلامي كما سنرى فيما سيأتي‪.‬

1.2 رفع قلق عبارة المتن المنطقي المترجم وصعوبتها

1.2.1 اشتهار الفارابي على مستوى رفع قلق الترجمة

من الممكن أن تكون شهادة صاعد الأندلسي (ت.462هـ)، عند ثنائه على العمل الفريد للفارابي تجاه صناعة المنطق، دليلًا على شهرة عمله في إزالة الغموض عن العبارة الفلسفية والمنطقية بشكل خاص؛ إذ يقول بأنه: “بذّ جميع أهل الإسلام فيها وأربى عليهم في التحقُّق بها، فشرح غامضها وكشف سرّها، وقرب تناولها وجمع ما يحتاج إليه في كتب صحيحة العبارة لطيفة الإشارة، منبهة على ما أغفله الكندي وغيره من صناعة التحليل، وأنحاء التعليم، وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمس، وإفراد وجوه الانتفاع بها، وعرف طرق استعمالها، وكيف تُعرّف صورة القياس في كل مادة منها، فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية والنهاية الفاضلة.”23 ولعل خدمة الفارابي المتميزة لإصلاح المتن المنطقي هي ما حدت بالغزالي أيضًا إلى الاعتراف بمكانة أبي نصر التي تحدث عنها صاعد قبله عندما أشار بعبارة عامة إلى الكتابات الفلسفية للمعلم الثاني بقوله: “وأقومهم بالنقل والتحقيق من المتفلسفة في الإسلام الفارابي أبو نصر.”24

كان الفارابي، قبل أن يتولى مهمة شرح المتون المنطقية وإزالة غموضها، على وعي بما أفضت إليه الترجمة من ركاكة وضعف في العبارة، فلم يكتف بمهمة البيان والإيضاح، بل أشار إلى بعض الأساسيات النظرية التي يحتاجها من يروم ترجمة أي نص فلسفي. ويتبدى ذلك في الفصل الخامس والعشرين من كتاب الحروف المعنون بـ“اختراع الأسماء ونقلها”، الذي تكلم فيه على الطرق التي سلكها اللذين نقلوا الفلسفة من اليونان إلى العرب، وكذا الطرق التي يقترحها في نقل المعاني الفلسفية من أمة إلى أخرى. يقول في هذا المعنى: “فإن كانت الفلسفة قد انتقلت إليهم من أمّة أخرى، فإنّ على أهلها أن ينظروا إلى الألفاظ التي كانت الأمّة الأولى تعبّر بها عن معاني الفلسفة ويعرفوا عن أيّ معنى من المعاني المشتركة معرفتها عند الأمّتين هي منقولة عند الأمّة الأولى، فإذا عرفوها أخذوا من ألفاظ أمّتهم الألفاظ التي كانوا يعبّرون بها عن تلك المعاني العاميّة بأعيانها، فيجعلوها أسماء تلك المعاني من معاني الفلسفة.”25

إن الملاحظات التي تضمنها قوله السابق تؤكد بشكل ما اشتغاله بإصلاح فهم العبارة الفلسفية المترجمة وفتحها، لا سيما أن عباراته تحمل بعض التوجيهات الفنية لمن يتصدى للترجمة، والتي منها الاهتمام بدلالة الألفاظ والمعاني، فهو يحرص على الجمع بين اللفظة الواضحة والمعنى المفهوم، أي تقديم الأسلوب الواضح على النقل الحرفي، وليس عبثًا اهتمام المعلم الثاني بالأسلوب الفلسفي، أي تقديم النص الفلسفي بأسلوب واضح ومفهوم، فهذا الأمر في الواقع جلي في كتبه‪.‬

1.2.2 التمثّل والاحتواء وإعادة الإنتاج

تقتضي عملية احتواء النص الفلسفي الابتداء بتمثّله وفهمه فهمًا جيدًا قبل الشروع في إصلاح ما يمكن إصلاحه أو تغيير ما يمكن تغييره، فـ“الاحتواء يعني هضم النص القديم، ويُقصد بذلك ضم وحدات المعرفة في النص القديم، واتخاذها أساسا للبناء، ومُؤشرًا لما ينبغي إضافته في النص الجديد، وقد يتم تلخيص هذه الوحدات أو تهذيبها وتصحيحها والاختيار منها،”26 ولا شك أن ذلك قد استوعبه المعلم الثاني، فاستطاع هضم منطق أرسطو قبل مباشرة شرحه وإيضاحه‪.‬

من هنا يرى حسن حنفي أن الفارابي هو نموذج العارض الذي تجاوز شرح وتلخيص ما قام به بعض المترجمين من خلال تعليقاتهم على متون المعلم الأول، “فلم يحتج الفارابي إلى الشرح والتلخيص لأنه عاش في العصر الذهبي للترجمة في القرن الثالث بعد أن كانت قد استقرت وتم فهمها من خلال التعليقات، إنما كانت في حاجة إلى إعادة العرض.”27 وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت قضايا المنطق أحيانًا مخفية تحتاج إلى إعادة العرض، حتى تصل معانيها إلى العقل المنتقلة إليه، أو إلى مستوى الواقع الثقافي الموروث، والحال أن إعادة العرض لا تتم إلا بإصلاح مجموع الأفهام التي تحملها الترجمات والتعليقات الملحقة بها، حتى يتوصل إلى أقرب المعاني وأفهمها‪.‬

1.2.3 وعي الفارابي بمهمة تقريب ورفع قلق عبارة المتن المنطقي

من خلال التفاعل المستمر للمعلم الثاني مع العلوم الوافدة والمنطق خاصة، اقتضى ذلك أن يتحسس معظم الإشكالات التي يعاني منها هذا الوافد، ويعي من جهة أخرى متطلبات حلها، والتي من ضمنها وأهمها؛ إشكالية تقريب معاني هذا العلم إلى وسطه الثقافي المحكوم بالذهنية العربية الإسلامية، ولا يخفى أن محاولة الفارابي هذه، الملتزمة بآليات الشرح والنقد والتعليق وإعادة الترتيب وتبسيط المعاني وإدماجها، إنما غايتها تقريب المعنى، أي “الفهم”، فهم الوافد في ضوء الموروث، ولابن حزم الأندلسي في هذا الصدد معنىً دقيقٌ يقول فيه: “ولا بد لأهل كل علم وأهل كل صناعة من ألفاظ يختصون بها للتعبير عن مراداتهم وليختصروا بها معاني كثيرة.”28

تنطوي منهجية الفارابي في تقريب المتن المنطقي على الإشارة أولا إلى العسر الذي يلحق المطّلع على نصوص أرسطو المنطقية المنقولة، بسبب اختلاف الزمان من جانب، واختلاف اللسان أيضا؛ إذ إن كثيرا من المصطلحات التي استعملها المعلم الأول ليس لها ما يطابقها في اللغة العربية مطابقة لازمة من جهة الدلالة المقصودة، ولذلك كما يقول أبو نصر “صار كثيرٌ مما يأخذه أرسطوطاليس في كثير من كتبه عند تعليم الأمور المقصودة في تلك الكتب يعسر به فهم تلك الأمور في هذا الزمان وعند أهل هذه البلدان وأهل هذا اللسان، فإن كثيرا من أصناف الألفاظ التي يجعلها علامات ومعرفات لأشياء مما في كتبه على أنها مشهورة عند أهل لسانه، ليس يوجد ذلك الصنف من الألفاظ عند أهل لساننا نحن دالاّ على ذلك الصنف من المعاني[…] وكذلك كثير من مثالاته أمور كانت مشهورة عند أهل زمانه، أو مقبولة عند قوم، فتبدّلت تلك بعدهم وصارت المشهورة في بلدانهم وبلداننا في زماننا هذا غير تلك، فصارت تلك غير معروفة، بل مستنكرة أو غريبة، وصارت لا تفهم ما قصد تعليمه، من ذلك ما يستعمله من المثالات الطبيعية والتعاليمية والأخلاقية التي كانت متعارفة عند الجمهور في ذلك الزمان عند أهل تلك البلدان، فصارت مجهولة عند الجمهور في زماننا هذا.”29

يتعلق الأمر إذن باختلاف اللغة، اختلاف لغة المنقول عن لغة الموروث؛ لذا يرى الفارابي أن الوصول إلى مرتبة فهم هذه الحكمة يستلزم تطويع لغة الوافد مراعاةً للغة الموروث. هذا ما يصرح به في معرض بيان منهجيته التي قد ارتضاها والتزم بها في كتبه المنطقية، والتي يضعها أمام من يروم الترجمة: “لذلك يلزم من قصد تعليم تلك الأشياء (المعاني) من كتب أرسطوطاليس، إنسانا أو قوما، فكانت الأمور التي استعملها أرسطوطاليس مجهولة عندهم، أن يبدّل مكانها أشياء أخر غيرها، مما هو عندهم أعرف، ويطّرح عند تعليم هؤلاء تلك التي استعملها أرسطوطاليس، من قبل أنه لم يقصد بما أثبته تعليم تلك التي استعملها ولا تعليم الأمور التي أخذها مثالات، لكن إنما قصد تعليم الأشياء التي أخذ المشهورات عندهم في تفهّمها أو إيقاع التصديق بها، ولم يذهب عليه أن كثيرا منها سيتبدّل بتبدّل السياسات.”30 من الواضح أنه يقترح أولًا طرح وتبديل مكان الألفاظ التي استعملها أرسطو، تلك البعيدة عن الفضاء الثقافي العربي، بالتي هي مشهورة عند العرب حتى تؤدي المعنى المقصود، فإذا كان هنا يصرح باتباعه أرسطو واقتفاء أثره المنطقي؛ فهو بذلك خادم لحكمته موضح لها؛ إذ قد حافظ على جل المعاني الأرسطية‪.‬

ولأجل ذلك عرفت كتابات الفارابي المنطقية والفلسفية إقبال المشتغلين بالحكمة عليها في ذلك التاريخ، لما فيها من يسر وقدرة على توصيل المعنى المراد، فهذا ابن سينا (ت.427هـ) كما يؤكد تلميذه أبو عبيد الجوزجاني (ت.462هـ) في روايته المشهورة عن شيخه أنه درس وتعلم العلوم الحِكمية على كتب أبي نصر، مشيرًا إلى إن أستاذه عسر عليه في بداية طلبه فهم العلوم الفلسفية إلى أن وقعت يده على كتاب من كتب الفارابي فأسرع ابن سينا كما يقول إلى “قراءته فانفتح علي في هذا الوقت أغراض ذلك الكتاب [كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو] بسبب أنه كان لي محفوظاً على ظهر القلب.”31 ولا جرم أن تكون هذه الرواية دالة على كون الفارابي عُدّ، في الأزمان اللاحقة، رائدًا في تقريب المعنى المنطقي والفلسفي،32 بدليل شهادة ابن سينا هذه، وهو الذي لا تخفى منزلته في تاريخ الفلسفة الإسلامية؛ على أن قوله يشي أيضًا بشيوع مؤلفات المعلم الثاني وتداولها في زمنه، كل ذلك بفضل النهج الفريد الذي اتبعه في تقريب فهم العبارة الفلسفية‪.‬

2 آليات تقريب المنطق عند الفارابي: مِن توسُّل العربية وقواعدها إلى التحلي بالأبعاد الإسلامية

2.1 توسُّل العربية وقواعدها في إنشاء المصطلحات المنطقية

لما كان الفارابي قد أوتي القدرة على البيان والتبسيط، نتيجة لتتلمذه على أبرز علماء العربية في عصره وهو أبو بكر بن السراج النحوي (ت.316ه)،33 فإن ذلك يبين مدى تمكنه من العلوم العربية ووعيه بأساليبها في الخطاب، وامتلاكه ناصية اللغة، حتى اقتدر على تسخيرها لما يشاء وتصريفها كما يريد، ومن ثمة تفجير المعاني المفهومة من الترجمة. ولأنه كان مدركاً خطورة اللغة في تبليغ الخطاب الفلسفي، فقد اضطلع بما لديه منها لتقويم المفاهيم والمصطلحات المنطقية والفلسفية المترجمة؛ ولهذا، كما يقول تقي الدين بن تيمية (ت.728ه) في الفارابي وغيره، “تجد الذين اتصلت إليهم علوم الأوائل، فصاغوها بالصيغة العربية بعقول المسلمين، جاء فيها من الكمال والتحقيق والإحاطة والاختصار ما لا يوجد في كلام الأوائل.”34 وعلى هذا، يجوز طرح السؤال الآتي: هل يمكن أن ينطبق هذا الحكم العام على ما أنجزه الفارابي في المنطق؟

2.1.1 اللغة والفلسفة عند الفارابي

سعى أبو نصر إلى عرض منطق أرسطو باللغة العربية، متوخيا لذلك أساليبها في التعبير، ومستحضرا أيضا علاقة اللغة بالفلسفة، وكيف يمكن حمل المعاني الفلسفية على هذا اللسان، خاصة أن أهم مهمة للفلسفة تكمن “في أن تقف عند بنية اللغة العلمية كيف تقام،”35 بالموازاة مع إدراكه أن كل “تحقيق فكري/ لغوي لا يأتي نسخة مباشرة عن واقع معين، إنما يبلور نظرة خاصة إلى هذا الواقع منبثة عن قالب بنيوي معين، من هنا تلعب الألفاظ والأسماء دورها في تصنيف الأشياء وترتيب الكائنات.”36

والفارابي كان على معرفة بأوجه التكامل بين اللغة والفلسفة، أي بين اللغة العربية والمعنى الفلسفي المنقول من اليونانية، “فالحقيقة التاريخية التي كانت تؤشر إلى وصول الفلسفة إلى العالم العربي والإسلامي من مصدر ولغة وثقافة مختلفة وغريبة عنها هي اللغة اليونانية القديمة، أفرزت أمرا صعبا رافق هؤلاء المهتمين بشأن الفلسفة آنذاك؛ هذا الأمر هو الحاجة إلى استحداث جهاز مفهومي فلسفي جديد في اللغة العربية، الأمر الذي جعل من تلك المسألة من أولويات اهتمامات الفارابي وتلامذته.”37

انطلاقًا من هذا الوعي، رام الفارابي خلق جهاز مفهومي منطقي انطلاقا من اللغة العربية، من أجل توثيق الصلة بين المنطق واللغة من جهة غاية الإفهام، وربط اللغة العربية عموما بالفكر الفلسفي. وتعدّ هذه القضية من أبرز اهتماماته في مصنفاته المنطقية، فقد أدرك المعنى الذي أومأ إليه المناطقة المعاصرون مثل “لودفيج فتجنشتين” حينما قال بأن “حدود لغتي تعني حدود عالمي،”38 كما أدرك أيضا هو وغيره من فلاسفة العرب “أهمية اللغة في مجال الفكر والفلسفة والمنطق، وكذلك أهمية البحث اللغوي وضرورته لفهم مصطلحات المنطق والفلسفة والإشكاليات المتعلقة بها،”39 ومن هنا عَلِم “الفارابي أن البحث الفلسفي لكي يكون مقبولاً ومفهوماً يجب أن يقّدم له بتوضيح لغوي، وأن الإحاطة اللغوية ضرورية للعمل الفلسفي، وقد كان الفارابي يستغرق في شرح معاني الألفاظ المستخدمة في الفلسفة، ويميز بين معاني اللفظ الواحد وبين تدرجاته الطبيعية والمنطقية والماورائية.”40

2.1.2 الالتجاء إلى علوم العربية

من الجائز القول بأن القول المنطقي الواضح الذي صاغه الفارابي في كتبه يرجع وضوحه إلى ما تضمنه من مناقشات لغوية خاصة بالعلوم العربية، كعلم النحو والتصريف والعروض. وهكذا لطالما خصّ الفارابي قضية النحو مثلًا وارتباطه بالمنطق ببحوث خاصة؛ إذ يتناول في مواضع كثيرة من كتبه مواضيع نحوية في سياقات خاصة بالبحث المنطقي، يقول مثلا: “وكذلك نحويو العرب متى خوطبوا أو خاطبوا بالرفع والنصب والخفض لم يلتمس منهم أن يوقعوا هذه الأسماء على المعاني التي يوقعها عليه من ليس بنحوي، ولا إذا أوقع النحوي هذه الألفاظ على غير المعاني التي يوقعها عليه الجمهور كان ذلك خطأ من النحوي ولا خروجا عن الواجب، وكذلك سائر الصنائع.”41

ويرى الفارابي كذلك أن مهمة النحو في تقويم اللغة تقترب من مهمة المنطق في تقويم الفكر، ومن ثمة فهما متكاملان، وهذا ما يشير إليه بقوله: “ومنزلتها (صناعة المنطق) من العقل منزلة صناعة النحو من اللسان، فكما أن علم النحو يقوّم اللسان عند الأمة التي جعل النحو للسانها، كذلك علم المنطق يقوّم العقل حتى لا يعقل إلا الصواب، فيما يمكن أن يغلط فيه، فنسبة علم النحو إلى اللسان والألفاظ كنسبة علم المنطق إلى العقل والمعقولات، كما أن النحو عياره اللسان فيما يمكن أن يغلط فيه اللسان من العبارة، كذلك علم المنطق عيار للعقل، فيما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات.”42

لم يقتصر الفارابي على ما ذكرنا من علوم، بل توسل علم التصريف أيضا معتبرًا إياه مصدر فهم وتكوين للمصطلحات في اللغة العربية. نستشف ذلك في سياق حديثه عن التصريف والاشتقاق في اللسان العربي وألسنة الأمم الأخرى في كتابه الحروف، إذ يقول بعد إشارته إلى الألفاظ التي لا تصرّف: “والألفاظ الدالة على الذي يعرّف ما هو كل واحد مما هو مشار إليه وليست في موضوع هي ألفاظ لا تُصرَّف أصلًا.”43 ويمثل لذلك في موضع آخر: “وعلى أنّ في سائر الألسنة سوى العربية مصادر ما تتصرف من الألفاظ وتُجعل منها كلم على ضربين: ضرب مثل العِلم […] فإنّ هذا هو الفرق بين العالِم والعالِميّة في تلك الألسنة، فإنّ العِلْم قد يكون لما هو غير متمكّن ولا يصير بعد صناعة ولا هو عسير الزوال، وأمّا العالِميّة فإنّها تدلّ عليها من حيث هي متمكّنة في موضوعاتها غير مفارقة، وأمّا مثل هذه المصادر فيشبه أن تكون مشتقّة ومأخوذة من الأسماء، وهذه لا تتصرّف بأنفسها في تلك الألسنة، ولكن إذا أرادوا أن يصرّفوها جعلوا منها لفظة الفعل، فنقول فَعَلَ العالِميّة ويستعمل العالِميّة.”44

التمس الفارابي أيضا، في صدد إيضاح مقاصده الخاصة في بيان وتقريب المنطق، عقد المقارنة بين المنطق والعروض من جهة الغرض والنسبة من كليهما، يقول: “وتناسب أيضا علم العروض: فإن نسبة علم المنطق إلى المعقولات كنسبة العروض إلى أوزان الشعر، وكل ما يعطيناه علم العروض من القوانين في أوزان الشعر فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات.”45 كل ذلك ينبئ بأن المعلم الثاني قد اكتسب أسلوبه من ممارسته الواسعة للمعارف الخاصة بالعلوم العربية من جهة، ومن جهة أخرى بقدرته على تطويعها لاستخراج العلوم الفلسفية والمنطقية في ثوب واضح، من خلال التحليلات اللغوية في المثال السابق والذي سيتلوه في الفقرات الموالية‪.‬

ونجد أيضًا في كتاب التحليل تنظيرًا يعتمده ويعول عليه في المنهج الذي سنّه لنفسه عند تكوينه للمصطلح المنطقي، ويشير إلى ذلك بقوله: “ومتى استعمل منها شيء فينبغي أن يحصي المستعمل له جميع المعاني التي تحته، ثم يعرف أنه إنما أراد من بينها معنى كذا وكذا دون سايرها، فإنه إن لم يفعل ذلك أمكن أن يفهم السامع غير الذي أراده القائل فيغلط.”46 ومع أن سياق هذا القول راجع إلى حديثه عن الأسماء المشتركة، فهو في معناه، على ما يبدو ومن خلال تتبع مصطلحاته، حري بأن يوصف بأنه النهج الذي اتبعه في مجمل مصطلحاته المنطقية‪.‬

ويمكن بثّ مثال دال على تنزيل آرائه السابقة في تكوين المصطلحات من كتاب الحروف، وهو مصطلح “العَرَض” الذي يعرّفه الفارابي بقوله: “العَرَض عند جمهور العرب يقال على كل ما كان نافعا في هذه الحياة الدنيا فقط، أما ما كان نافعا في الحياة الآخرة، أو نافعا مشتركا يُستعمل لأجل الحياة في الدنيا ويُستعمل لأجل الحياة في الآخرة، فإنه لا يسمى عرضا[…] وقد يقال أيضا على كل ما توافت أسباب كونه أو فساده القريبة[…] وقد يقال أيضا على كل حادث سريع الزوال، وأما في الفلسفة فإن العرض يقال على كل صفة وُصف بها أمر ما ولم تكن الصفة محمولا حُمل على الموضوع، أو لم يكن المحمول داخلا في ماهية الأمر الموضوع أصلا، بل كان يعرّف منه ما هو خارج عن ذاته وماهيته.”47 ففي هذا التعريف يجول الفارابي بين دلالات مصطلح “العرض” فيبدأ بالنظر إليه من خلال اللسان العربي وما يفيده أيضا في التداول الإسلامي، فإن المرور عليهما يعدّه مدخلا ضروريا يوصل إلى إدراك دلالة المصطلح المنطقي، قبل الانصراف إلى مدلوله الفلسفي الذي توسع فيها لأنه غايته‪.‬

وبالنظر إلى عناية الفارابي بكل هذه التحقيقات اللغوية، يمكننا التساؤل عما إذا كان المتن المنطقي الذي تركه لنا هو تأليف عربي لجهة اللفظ فحسب أم لجهة اللفظ والمعنى أيضًا؟ لا يرى رفيق العجم، محقق كتابات الفارابي المنطقية، أن ما كتبه الفارابي في المنطقيات وغيرها من علوم الحكمة تأليف عربي، أي تأليف عربي قح، من جهة اللفظ والمعنى،48 غير أنه يوجد من يذهب إلى اعتبار الكتب المنقولة إلى اللسان العربي تأليفا عربيا إبداعيا، وهو اتجاه كمال عرفان نبهان مثلا الذي يرى أن “بعض الكتب المترجمة إلى العربية من لغات قديمة كاليونانية وغيرها، مثل كتب أرسطو وجالينوس وغيرهما، فهي تعد بعد ترجمتها نصوصا عربية من حيث لغتها، وعندما ألفت عليها نصوص تابعة كالشروح والمختصرات والانتقادات…إلخ، كان ذلك يمثل تأليفا عربيا صميما، يرتبط بعلاقات نصية مع النص الأصلي المترجم.”49 وفي نظرنا، فإن كلا الرأيين صحيح؛ ذلك أن تقييم إسهام الفارابي يرتد إلى تشبّعه بالتراث اليوناني الذي ترجم في زمنه إلى اللغة العربية، وإلى كونه مُعبّراً -أي الفارابي- عن ثقافة عربية إسلامية استوعبت ذلك التراث وأعادت صياغته في لغة ومنهج جديدين‪.‬

2.2 الأبعاد الإسلامية في منطق الفارابي

ينظر فلاسفة الإسلام، بمن فيهم الفارابي، إلى علوم الأوائل نظرة منفتحة، تسودها خاصية الكونية باعتبار هذه العلوم ليست حكرًا على قوم دون آخرين، وإنما هي معارف تقتضي هذه النظرة غير المحدودة رؤيتها كمشترك إنساني يمكن أن يستفيد منه عموم المشتغلين والمهتمين به، طالما كانت غير نافية للذات الثقافية المستقبِلة لها. لأجل ذلك، تتطلب هذه العلوم “العمل الدؤوب لأجل تبيئتها داخل المجتمع وبين الجمهور الذي من أوصاف إمكانياته وقدراته المعرفية أنها قاصرة عن إدراك واستعمال الأساليب البرهانية اليقينية في تصور الأشياء وفي تصحيح الأحكام، ويُناط هذا العمل التبييئي الدؤوب بالعلماء والحكماء أنفسهم، ويمثل مسؤولية اجتماعية تلزمهم كما تلزمهم المسؤولية العلمية المتمثلة في التحصيل والتجديد العلميين اللذين يتحققان بفضل تداول العلماء الحكماء وتفاحصهم فيما بينهم.”50

2.2.1 تبيئة الفارابي للمتن المنطقي الأرسطي

ولا غرو أن يكون الفارابي ضمن الحكماء الذين تصدوا لمهمة تبيئة العلوم الحِكمية البرهانية وتوطينها، ولا سيما إذا كان نشاطهم المعرفي محاطا بالعامة من الجمهور الذي من أوصافه البعد عن إدراك الأساليب البرهانية والتجريدية. والواقع أن تبيئ النص، أو التحويل الثقافي للنص كما يقول كمال عرفان نبهان، “يُقصد به تطويع النص الأجنبي لظروف ثقافة أخرى وإكسابه ملامح مجتمع وبيئة أخرى؛ حتى يصبح ملائما للبيئة الجديدة، بعد تغيير العناصر والملامح الغريبة أو المرفوضة، ويشمل ذلك ترجمة النص من لغة إلى أخرى، مع التصرف في أسماء الأشخاص والأماكن والأحداث، مثلما نجد في الترجمات العربية القديمة، لمؤلفات يونانية وهندية وفارسية، عندما استبعدت منها أسماء الآلهة وملامح المعتقدات الوثنية، وحل مكانها ما يلائم الثقافة الإسلامية.”51 هذا، وقد تعني التبيئة أيضًا: الأسلمة، أي أسلمة المنطق الأرسطي، “ولا تعني أسلمة الحِكمة اليونانية أي حكم سلبي، بل تعني مجرد إعادة صياغة الوافد في قلب الموروث.”52

ويلزم صاحب مهمة التبيئة والأسلمة الانخراط في دقائق مجتمع المعرفة الذي هو بصدد نشر ما هو راغب فيه من هذه العلوم. وتقتضي هذه المهمة بشكل عام “توسيع العلاقة مع الفكرة، من خلال ربطها بمتغيرات الكون والحياة والمجتمع…إلخ. ووصلها بلحظة ووضعية جديدة، وإيجاد علاقات لا حصر لها للنص، مع مجالات المعرفة والعالم الخارجي، بحيث يشدّ النص إلى أرض الواقع، الذي هو مستوى من الفهم، أو الانتشار، أو المنفعة.”53

وليس ثمة شك في أن مهمة تبيئة النص الفلسفي، في ذاك التاريخ بالضبط، نابعة من رغبة في تقريب الفهم؛ لكنها مدفوعة أيضًا بمحاولة تفادي الاصطدام مع الجمهور المعتاد على العلوم الدينية والعربية. وقد كان الفارابي على دراية بهذا الأمر؛ إذ وقع له، كما يشير “ماكس مايرهوف”، صدام مع الجمهور في خضم اشتغاله بالعلوم الفلسفية البرهانية عندما قال: “ومع أن الفارابي كان من بين هؤلاء العلماء الذين تجنبوا الخوض فيما كان موضع خلاف من المسائل الدينية، فإنه يبدو كما يقول “جولد تسيهر” أنه كان متهما لدى أهل السنة.”54

والفارابي نفسه يشير إلى هذه القضية، وإن لم يكن قاصدا بها نفسه- قضية نظرة الدين وأهله إلى الفلسفة- في قوله: “ولكن أهل الملّة يعاندون أهل تلك الفلسفة، ولا تكون للفلسفة ولا لأهلها رئاسة على تلك الملّة ولا على أهلها بل تكون مطّرحة وأهلها مطّرحين، ولا يلحق الملّة كثير نصرة من الفلسفة، ولا يؤمَن أن تلحق الفلسفة وأهلها مَضرَّة عظيمة من تلك الملّة وأهلها، فلذلك ربما اضطر أهل الفلسفة عند ذلك إلى معاندة أهل الملّة طلبا لسلامة أهل الفلسفة، ويتحرّون أن لا يعاندوا الملّة نفسها بل إنّما يعاندونهم في ظنّهم أن الملّة مضادّة للفلسفة ويجتهدون في أن يُزيلوا عنهم هذا الظن بأن يلتمسوا تفهيمهم أن التي في ملتهم هي مثالات.”55

ولما أراد الفارابي تجنب فتح نزاع بينه وبين من ينكر عليه اشتغاله بالعلوم المنطقية، قام يدافع عن المنطق صدا للتصور المعروف الذي ينتقد علوم الأوائل جملة، فابتغى لأجل ذلك مسلكا قريبا من فكر الوسط الثقافي الموجود في عصره، حينما كتب كتابا جمع فيه أقوال النبي صلى اللّٰه عليه وسلم يستشهد بها كأدلة معتبرة، طلبا لرضا الناس عن هذا العلم، وقد ذكر له هذا الكتاب ابن أبي أصيبعة بعنوان: “كلام جمعه من أقاويل النبي صلى اللّٰه عليه وسلم يشير فيه إلى صناعة المنطق.”56

وإذا كان الفارابي على اتصال بالثقافة والعلوم الإسلامية القائمة في عصره، فلا شك أنه قد استفاد منها أيما استفادة، خصوصا في تشكّل تصور إسلامي ذي صلة بمضامين ومفاهيم القرآن الكريم والسنة النبوية في عمق براهينه واستنباطاته. ومن ثمة فمن الصعب أن ينفك عنه الاتجاه الإسلامي في مجمل تدبّره العقلي، حتى ولو كان مع ذلك عمله الفكري يتّجه صوب الفلسفة اليونانية ويتماشى مع ذهنيتها التجريدية‪.‬

2.2.2 التوسل بآلية التمثيل لتبيئة العلوم المنطقية

إذا استحضرنا المعاني المشار إليها أعلاه، يمكننا القول بأنه خليق أن تتوفر في مصنفات الفارابي المنطقية بشكل خاص عناصر إسلامية مستمدة من الصياغات التي شكلتها الشبكات الفكرية والمذاهب العقدية والفقهية في زمنه. ونستطيع أن نتبين مساهمته في إضفاء المعاني الإسلامية على البحث المنطقي، من خلال “آلية التمثيل” التي من بين فوائدها “إثبات الأحكام والدعاوى وإبطالها جزما أو رجحانا،”57 بالمعنى تارة وباللفظ تارة أخرى أو بهما معا، في قصده المنهجي إلى أسلمة المنطق وتوطينه وإبعاد المغالطات التي تهاجم من يشتغل به، إذ “إن الذي يريد تعليم معاني أرسطو الحكمية يلزمه أن يمثل لهذه المعاني بما هو أعرف عند الذي يتوجه إليه التعليم فردا كان أم طائفة، لا بما ورد عند أرسطو، إن المهم في كتب أرسطو هو معانيه لا أمثلته وألفاظه.”58

وقد أشار الفارابي إلى أن هذه الآلية هي التي سيتوخى العمل بها في شرح وتقريب منطق أرسطو، حين أوجب “أن تكون العبارة عنها (عن المعاني المنطقية) في أكثر ذلك بألفاظ مشهورة عند أهل اللسان العربي، ويستعمل في إيضاح تلك القوانين أمثلة مشهورة عند أهل زماننا، فإن أرسطوطاليس لما أثبت تلك الأشياء في كتبه جعل العبارة عنها بالألفاظ المعتادة عند أهل لسانه، فاستعمل أمثلة كانت مشهورة متداولة عند أهل زمانه، فلما كانت عادة أهل هذا اللسان في العبارة أهل عادة أهل تلك البلدان، وأمثلة أهل هذا الزمان المشهورة غير الأمثلة المشهورة عند أولئك، صارت الأشياء التي قصد أرسطوطاليس بيانها بتلك الأمثلة غير بيّنة ولا مفهومة عند أهل زماننا، حتى ظن أناس كثير من أهل هذا الزمان بكتبه في المنطق أنها لا جدوى لها وكادت تطرح، ولما قصدنا نحن إلى إيضاح تلك القوانين استعملنا في بيانها الأمثلة المتداولة بين النظار من أهل زماننا.”59

من البين أن أبا نصر استشعر أهمية “التمثيل” في تقريب المعاني التي قصدها أرسطو، ذلك أن أمثلة المعلم الأول كانت خاصة بالزمان والمكان اللذين عاش فيهما، وفي ضوئهما تُفهم، ولذلك يقتضي نقل هذه العلوم إلى وسط ثقافي وتاريخي آخر استبدال أمثلتها بما يناسب الفضاء الثقافي الجديد لتيسير فهمها وإدراك مقاصد مؤلفيها. وبالفعل يظهر، عند تدبّر نصوص الفارابي المنطقية، أن الأصول الإسلامية ومفاهيمها وعلومها، التي اتخذها “آلية” للتمثيل في إطار محاولته تبيئة هذا العلم، خمسةٌ، هي: القرآن الكريم، وعلم الكلام، وعلم الفقه، وعلم أصول الفقه، وعلم الأخلاق، وهذا الحصر يأتي من خلال ما ذكره الفارابي في متنه المنطقي‪.‬

وبخصوص القرآن الكريم، يصرح أبو نصر أولًا، وفق ما نقل عنه شمس الدين الشهرزوري (ت.687هـ)، بأنه “ينبغي لمن أراد الشروع في الحكمة […] تعلم القرآن واللغة وعلوم الشرع أولا.”60 وظاهرٌ أن قوله هذا يبين ضرورة معرفة العلوم الإسلامية وخاصة القرآن الكريم الذي قدمه على غيره، ولذلك نجد في كتبه المنطقية التمثيل والاستدلال بالآيات القرآنية؛ ففي كتاب القياس في معرض حديثه عن المقدمات المقبولة في الاستدلال بالشاهد على الغائب أو بتعبيره “النقلة”، يرى أن من ضمن المقدمات الكلية المقبولة “ما تقع به العبارة عنه بسائر الأقاويل التي قواها قوى الجازمة، مثل الإذن والمنع والحث والكف والأمر والنهي مثل قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾[سورة الحج: 30]، وقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾[سورة المائدة: 6]، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾[سورة الأنعام: 152]، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[سورة المائدة: 1].”61

وأما علم الكلام فقد توسله تمثيلًا للمعاني المنطقية، وهنا يمكن عدّ كتابه القياس الصغير في المنطق على طريقة المتكلمين من الكتب الطافحة بالكلاميات؛ إذ استعمل في كل القياسات التي أوردها استدلالات كلامية عقائدية، فمثلا يقول في المقاييس الشرطية المتصلة التي وضع فيها مسألة حدوث العالم: “إن كان العالم محدثا فله محدث، لكن العالم محدث، يلزم عنه العالم له محدث، والكبرى من مقدمتين، هذا القياس قولنا: إن كان العالم محدثا فله محدث، وهي الشرطية منهما وهي مقدمة واحدة ركّبت عن قولين أحدهما العالم محدث والآخر العالم له محدث، وقرنت بأحديهما شرطية وهي قولنا إن كان، فتضمنت الشرطية اتصال القول الثاني بالقول الأول.”62

ومن هنا يذهب ماكس مايرهوف إلى أن أعمال الفارابي المنطقية -وبخاصة كتاب القياس الصغير- التي تكلم فيها عن المنطق وعلم الكلام إليها “يرجع تأثر علم الكلام بمنطق أرسطو تأثرا أكبر بكثير من تأثير الكندي والمعتزلة”63 قبله. ويرى زكريا بشير إمام “أن الفارابي استخدم المنطق استخداما جديدا، وذلك في الدفاع عن مرتكزات العقيدة الإسلامية، وتبيان صفات اللّٰه وأسمائه، وما استحدثه من أدلة وبراهين على وجود اللّٰه.”64

وأما علم الفقه فيدل العنوان الذي عقده في كتاب القياس تحت اسم “المقاييس الفقهية” والأمثلة المنضوية فيه على رغبته في طبع المنطق بالقضايا الفقهية، فهو يتحدث فيه عن أمثلة فقهية كتحريم الخمر وقطع يد السارق وغيرها.65 وفي كتاب الحروف يذكر الصلاة والجهاد في سبيل اللّٰه،66 كما مثّل للاستقراء بعدالة الشاهد في كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين في قوله: “وفي الشرعيات، مثل أن كل من شوهد فعل الخير منه على أكثر الأحوال، فهو عدل، صادق الشهادة في كثير من الأشياء، من غير أن يشاهد جميع أحواله.”67 ليس هذا فحسب، بل إنه يتكلم عن الفقيه، ويذكره في سياق مقارنته بينه وبين المتعقّل أي المتفلسف، وذلك في كتاب الحروف عند قوله: “والفقيه يتشبّه بالمتعقّل، وإنّما يختلفان في مبادئ الرأي التي يستعملانها في استنباط الرأي الصواب في العمليّة الجزئيّة، وذلك أن الفقيه إنّما يستعمل المبادئ مقدّمات مأخوذة منقولة عن واضع الملّة في العمليّة الجزئيّة، والمتعقّل يستعمل المبادئ مقدّمات مشهورة عند الجميع ومقدّمات حصلت له بالتجربة.”68

وأما علم أصول الفقه، فيمكن اعتبار الفصل المذكور آنفا أي فصل “المقاييس الفقهية” الموجود في كتاب القياس من الفصول المليئة بالأمثلة الأصولية، حتى أنه قد يتهيأ لمن يطلع عليه أنه يقرأ أحد كتب أصول الفقه، وما دمنا قد أخذنا من كتاب القياس مثالا على علم الفقه، نرى أن نمثل هنا بما جاء في كتاب الخطابة له، الذي يذكر فيه قضية القياس عند الأصوليين المتبثين والرافضين له منهم؛ أي أصحاب الظاهر، مما يدل على معرفته بالمذاهب الأصولية والفقهية في زمنه، يقول: “والضمائر أقدم من التمثيلات، لأن بها تثبت التمثيلات، وهي أيضا أقرب إلى القياس وأشد ضرورية في إلزام ما يلزم عنها، وذلك أيضا بيّن من كتاب القياس، والتمثيلات قد استضعفها أقوام، وأبطل العمل بها قوم في قديم الدهر، وفي زماننا، وذلك أن الذين يعرفون اليوم بمبطلي القياس من أهل الفقه والكلام إنما يبطلون التمثيلات، فإنهم إنما يسمون باسم القياس التمثيلات، وإياها يعنون بهذا الاسم لأجل الاشتباه في المعنى.”69

وفي الأخلاق نجده في كتاب الحروف يتحدث عن “أعمال البر،”70 ويمثل لذلك في كتاب القياس بـ“بر الوالدين،”71 وقد أشار كذلك إلى قضية الأخلاق من خلال المغالطات الخطابية في قوله: “ومنها استنهاض السامعين واستفزاز القائل آراءهم نحو تصديق قوله بالأقاويل الخلقية، وهي الأقاويل التي تحملهم على أن يتخلقوا بأخلاق ما، وإن لم تكن فيهم، وتتصور أنفسهم بصورة أهل العلم بالشيء، وتفعل أفعال من له تلك الأخلاق وتلك العلوم، وإن لم يكن لهم شيء من ذلك، وهذا الضرب خطبي.”72

وبذلك استطاع الفارابي محاكاة وتطويع المفاهيم المنطقية وطبعها بالأصول والأبعاد الإسلامية من خلال أخذ بعض المعاني والأمثلة من الثقافة الإسلامية. ومن هنا كان على وعي بأنه يعيش في تجربة ثقافية غير التجربة اليونانية المنقول منها، فيجوز كما يقول عنه راندال كولينز أن يُعتبر “المثل الأعلى فيما يتعلق بفكرة استيراد الأفكار وإدخالها إلى الإسلام.”73

خاتمة

إجمالا؛ نقول إن الفارابي قد حافظ على الخصوصية الصناعية لألفاظ المنطق كما أنه استطاع أيضا المحافظة على الخصوصية الحضارية في محاولته “توطين المنطق وأسلمته”. وقد توسل في سبيل ذلك آلية التمثيل التي استحدث من خلالها أمثلة ذات بُعد إسلامي؛ فهو في عمله هذا، قد ذلل الطريق أمام علم المنطق لكي يتغلغل في الفكر العربي الإسلامي، بما قرّبه وسهّله من نصوص المنطق للأفهام بألفاظ مألوفة. على أن قيمة محاولة الفارابي تكمن في نظره لمقاصد معاني المصطلحات الأرسطية؛ إذ كان يلتفت إلى المعنى أكثر من الأسماء والألقاب، فعمل على ربط المعنى المنطقي ودمجه بأساليب الخطاب العربية، فخرجت الترجمات السابقة عليه بحلة جديدة وفي لغة واضحة وأسلوب سهل قريب من الذهنية العربية الإسلامية، فكشفت محاولته هذه عبارات ومصطلحات منطقية عربية خالصة في الاطلاق وفي المضمون‪.‬

قائمة المصادر والمراجع المعتمدة في الدراسة

أولا: باللغة العربية

  • ابن أبي أصيبعة، موفق الدين. عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق: نزار رضا، بيروت: دار مكتبة الحياة، د.ت.

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • ابن تيمية، تقي الدين. مجموعة الفتاوى (كتاب المنطق)، اعتنى بها: عامر الجزار وأنور الباز، Ø·4، بيروت: دار ابن حزم، 2011‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • ابن حزم، أبو محمد. رسائل ابن حزم رسالة التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، تحقيق: إحسان عباس، Ø·2، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • ابن ملكا البغدادي، أبو البركات. المعتبر في الحكمة، أصفهان: منشورات جامعة أصفهات، 1963‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • إمام، زكريا بشير. لمحات من تاريخ الفلسفة الإسلامية: دراسة مدخلية ميسرة، Ø·1، الخرطوم: الدار السودانية للكتب، 1998‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • جهامي، جيرار. الإشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، Ø·1، بيروت: دار المشرق، 1991‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • حنفي، حسن. من النقل إلى الإبداع، القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2021‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • السجستاني المنطقي، أبو سليمان. صوان الحكمة وثلاث رسائل، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، طهران: بنىاد فرهنگ، 1974‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الشهرزوري، شمس الدين. تواريخ الحكماء والفلاسفة، تحقيق: أحمد عبد الرحيم السايح وتوفيق علي وهبة، Ø·2، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2013‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • صاعد الأندلسي، أبو القاسم. طبقات الأمم، تحقيق: حسين مؤنس، Ø·2، القاهرة: دار المعارف، 2019‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الصياد، فاطمة. “حد المصطلح عند الفارابي: بين اللغة والمنطق”، مجلة الصوتيات، المجلد 17، العدد 2 2021‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • عبد الرحمن، طه. فقه الفلسفة:1- الفلسفة والترجمة، Ø·4، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2013‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • عرفان نبهان، كمال. عبقرية التأليف العربي: علاقات النصوص والاتصال العلمي، الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية، 2015‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • عفيفي، زينب. فلسفة اللغة عند الفارابي، القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1997‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • العلام، خالد سعد. علي يونس، رجب. “علاقة اللغة بالمنطق والفلسفة في الفكر الإسلامي: الفارابي أنموذجا”، مجلة وادي النيل للدراسات والبحوث، العدد 6 2015‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الغزالي، أبو حامد. تهافت الفلاسفة، تحقيق: صلاح الدين الهواري، بيروت: المكتبة العصرية، 2018‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الفارابي، أبو نصر. إحصاء العلوم، تحقيق: عثمان أمين، Ø·3، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الفارابي، أبو نصر. الرسائل الفلسفية الصغرى رسالة ما ينبغي تعلمه قبل الفلسفة، تحقيق عبد الأمير الأعسم، Ø·2، دمشق: دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، 2019‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الفارابي، أبو نصر. كتاب البرهان، ضمن: المنطق عند الفارابي، تحقيق ماجد فخري، بيروت: دار المشرق، 1987‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الفارابي، أبو نصر. كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، Ø·3، بيروت: دار المشرق، 2004‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الفارابي، أبو نصر. “كتاب القياس الصغير في المنطق على طريقة المتكلمين”، في: المنطق عند الفارابي، تحقيق رفيق العجم، بيروت: دار المشرق، 1985‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الفارابي، أبو نصر. الخطابة، تحقيق محمد سليم سالم، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1976‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الفارابي، أبو نصر. كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين، Ø·6، بيروت: دار المشرق، 2016‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • فتجنشتين، لودفيج. رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي إسلام، القاهرة: دار آفاق للنشر والتوزيع، 2021‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • الفراك، أحمد. الدين والعقل؛ بحوث في الفلسفة والأخلاق والعلم، الأردن: عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، 2023‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • كبرى زاده، طاش. مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، بيروت: دار الكتب العلمية، 1985‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • كولينز، راندال. علم اجتماع الفلسفات: التأثير الاجتماعي والسياسي في نشأة الفلسفات والأفكار، ترجمة: فريق جسور للترجمة، بيروت: جسور للنشر والترجمة، 2019‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • مايرهوف، ماكس. “من الإسكندرية إلى بغداد: بحث في تاريخ التعليم الفلسفي والطبي عند العرب”، في: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية: دراسات لكبار المستشرقين، ترجمة عبد الرحمن بدوي، Ø·3، القاهرة: دار النهضة العربية، 1965‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • مجلي، نسيم. حنين بن إسحق وعصر الترجمة العربية، سلسلة دراسات الترجمة، عدد: 3071، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • محمود، زكي نجيب. المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، Ø·6، القاهرة: دار الشروق، 2018‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • نبيل، عماد. “تقديم” في: أبو نصر الفارابي، الثمرة المرضية في بعض الرسالات الفارابية، بيروت: دار الفارابي، 2012‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • النقاري، حمو. روح التفلسف، بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2017‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • النقاري، حمو. نظرية العلم عند أبي نصر الفارابي، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2011‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • النقاري، حمو. المنطق في الثقافة الإسلامية، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2013‮.‬

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren

ثانيا: باللغات الأجنبية

  • L’Arrivee, Robert. “Al-Fārābī’s Cave: Aristotle’s Logic and the Ways of Socrates and Thrasymachus”, The European Legacy Toward New Paradigms, Vol. 20, No. 4 (2015), 334–348.

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
  • Langhade, Jacques. Du Coran à la philosophie; La langue arabe et la formation du vocabulaire philosophique de Farabi, Damas : L’institut Français D’études Arabes de Damas, 1994.

    • Über Google Scholar suchen
    • Zitierung exportieren
1

ينظر: نسيم مجلي، حنين بن إسحق وعصر الترجمة العربية،(القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018)، 17، 55‪.‬

2

حسن حنفي، من النقل إلى الإبداع (التدوين)،(القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2021)، 1/271‪.‬

3

زينب عفيفي، فلسفة اللغة عند الفارابي، (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1997)، 222‪.‬

4

حمو النقاري، روح التفلسف، (بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2017)، 35‪.‬

5

جيرار جهامي، الإشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، (بيروت: دار المشرق، 1991)‪.‬

6

عفيفي، فلسفة اللغة عند الفارابي، 15‪.‬

7

خالد سعد العلام، رجب علي يونس، “علاقة اللغة بالمنطق والفلسفة في الفكر الإسلامي: الفارابي أنموذجا”، مجلة وادي النيل للدراسات والبحوث، العدد 6، (2015)، 151–166‪.‬

8

فاطمة الصياد، “حد المصطلح عند الفارابي: بين اللغة والمنطق”، مجلة الصوتيات، المجلد 17، العدد 2، (2021)، 155–168‪.‬

9

Robert L’ Arrivee, “Al-Fārābī’s Cave: Aristotle’s Logic and the Ways of Socrates and Thrasymachus”, The European Legacy Toward New Paradigms, Vol. 20, No. 4 (2015), 334–348‪.‬

10

أحمد الفراك، الدين والعقل؛ بحوث في الفلسفة والأخلاق والعلم، (الأردن: عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، 2023)، 11‪.‬

11

Jacques Langhade, Du Coran à la philosophie; La langue arabe et la formation du vocabulaire philosophique de Farabi, (Damas : L’institut Français D’études Arabes de Damas, 1994), 313–356‪.‬

12

Ibid., 314‪.‬

13

أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق: صلاح الدين الهواري، (بيروت: المكتبة العصرية، 2018)، 45‪.‬

14

طاش كبرى زاده، مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1985)، 1/270‪.‬

15

أبو سليمان السجستاني المنطقي، صوان الحكمة وثلاث رسائل، تحقيق عبد الرحمن بدوي، (طهران: بنىاد فرهنگ، 1974)، 91‪.‬

16

أبو محمد بن حزم، رسائل ابن حزم رسالة التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، تحقيق: إحسان عباس، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007)، 4/100‪.‬

17

أبو البركات بن ملكا البغدادي، المعتبر في الحكمة، (أصفهان: منشورات جامعة أصفهات، 1963)، 1/3‪.‬

18

ينظر: طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة:1- الفلسفة والترجمة، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2013)، 84–85‪.‬

19

أبو نصر الفارابي، الرسائل الفلسفية الصغرى (رسالة ما ينبغي تعلمه قبل الفلسفة)، تحقيق عبد الأمير الأعسم، (دمشق: دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، 2019)، 280‪.‬

20

الفارابي، الرسائل الفلسفية الصغرى (رسالة تلخيص نواميس أفلاطون)، 346‪.‬

21

المرجع نفسه، 346‪.‬

22

أبو نصر الفارابي، “كتاب القياس الصغير في المنطق على طريقة المتكلمين”، في: المنطق عند الفارابي، تحقيق رفيق العجم، (بيروت: دار المشرق، 1985)، 2/69‪.‬

23

أبو القاسم صاعد الأندلسي، طبقات الأمم، تحقيق حسين مؤنس، (القاهرة: دار المعارف، 2019)، 73‪.‬

24

الغزالي، تهافت الفلاسفة، 45‪.‬

25

أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، (بيروت: دار المشرق، 2004)، 157–158‪.‬

26

كمال عرفان نبهان، عبقرية التأليف العربي: علاقات النصوص والاتصال العلمي، (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية، 2015)، 393‪.‬

27

حنفي، من النقل إلى الإبداع، 3/347‪.‬

28

ابن حزم، رسائل ابن حزم ، 4/174‪.‬

29

أبو نصر الفارابي، كتاب البرهان، ضمن: المنطق عند الفارابي، تحقيق ماجد فخري، (بيروت: دار المشرق، 1987)، 4/86–85‪.‬

30

المرجع نفسه، 4/86‪.‬

31

موفق الدين بن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق نزار رضا، (بيروت: دار مكتبة الحياة، د.ت)، 438‪.‬

32

إن المعنى الفلسفي ينطوي فيه المعنى المنطقي، باعتبارين؛ المنطق جزء من الفلسفة، والمنطق آلة الفلسفة‪.‬

33

يذكر ابن أبي أصيبعة رواية تؤكد تتلمذ الفارابي على ابن السرّاج في علم النحو العربي، يقول فيها: “وفي التأريخ أن الفارابي كان يجتمع بأبي بكر بن السرّاج فيقرأ عليه صناعة النحو وابن السرّاج يقرأ عليه صناعة المنطق.” ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، 606‪.‬

34

تقي الدين بن تيمية، مجموعة الفتاوى كتاب المنطق، اعتنى بها عامر الجزار وأنور الباز، (بيروت: دار ابن حزم، 2011)، 9/17‪.‬

35

زكي نجيب محمود، المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، (القاهرة: دار الشروق، 2018)، 92‪.‬

36

جهامي، الإشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، 13‪.‬

37

عماد نبيل، “تقديم” في: أبو نصر الفارابي، الثمرة المرضية في بعض الرسالات الفارابية، (بيروت: دار الفارابي، 2012)، 92‪.‬

38

لودفيج فتجنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي إسلام، (القاهرة: دار آفاق للنشر والتوزيع، 2021)، 164‪.‬

39

العلام، “علاقة اللغة بالمنطق والفلسفة في الفكر الإسلامي: الفارابي أنموذجا”، 156‪.‬

40

المرجع نفسه، 158‪.‬

41

الفارابي، “الفصول الخمسة”، في: المنطق عند الفارابي، 1/64‪.‬

42

الفارابي، “التوطئة أو الرسالة التي صدر بها المنطق”، في: المنطق عند الفارابي، 1/55–56‪.‬

43

الفارابي، كتاب الحروف، 75‪.‬

44

المرجع نفسه، 80–81‪.‬

45

الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق عثمان أمين، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968)، 68‪.‬

46

الفارابي، كتاب التحليل، ضمن: المنطق عند الفارابي، 2/111‪.‬

47

الفارابي، كتاب الحروف، 95–96‪.‬

48

يرى رفيق العجم أن الفارابي “كتب في معاني عقلية استمدها من الفكر اليوناني وليس معظمها من بنات الفكر الإسلامي واللغة العربية، فهي معاني تولدت في إطار ذهنية مبدعيها الأولين، فانسكبت تلقائيا وطبيعيا بلغتهم”. العجم، المنطق عند الفارابي، 1/36‪.‬

49

نبهان، عبقرية التأليف العربي، 77–78‪.‬

50

حمو النقاري، المنطق في الثقافة الإسلامية، (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2013)، 10‪.‬

51

نبهان، عبقرية التأليف العربي، 292–293‪.‬

52

حنفي، من النقل إلى الإبداع، 1/253‪.‬

53

نبهان، عبقرية التأليف العربي، 308‪.‬

54

ماكس مايرهوف، “من الإسكندرية إلى بغداد: بحث في تاريخ التعليم الفلسفي والطبي عند العرب”، في: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية: دراسات لكبار المستشرقين، ترجمة عبد الرحمن بدوي، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1965)، 79–80‪.‬

55

الفارابي، كتاب الحروف، 155‪.‬

56

ابن أبي أصيبعة، طبقات الأطباء، 609. ويبدو أن هذا الكتاب من بين كتب الفارابي التي لم تصلنا‪.‬

57

حمو النقاري، روح التفلسف، 87‪.‬

58

حمو النقاري، نظرية العلم عند أبي نصر الفارابي، (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2011)، 26‪.‬

59

الفارابي، “كتاب القياس الصغير”، 2/69‪.‬

60

أورد الشهرزوري قول الفارابي في سياق حديث أبي نصر عن أوصاف ومميزات من أراد تعلم الفلسفة، حينما قال: “قال أبو نصر الفارابي: ينبغي لمن أراد الشروع في الحكمة أن يكون شابا صحيح المزاج متأدبا بآداب الأخيار، قد تعلّم القرآن واللغة وعلوم الشرع أولا، ويكون عفيفا صدوقا معرضا عن الفسوق والفجور والغدر والخيانة والمكر والحيلة، ويكون فارغ البال عن مصالح معاشه مقبلا على أداء الوظائف الشرعية غير مخلّ بركن من أركان الشريعة ولا بأدب من آدابها معظما للعلم والعلماء، ولا يكون لشيء عنده فهو حكيم زورٍ ولا يُعدّ من الحكماء.” شمس الدين الشهرزوري، تواريخ الحكماء والفلاسفة، تحقيق: أحمد عبد الرحيم السايح وتوفيق علي وهبة، (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2013)، 2/148‪.‬

61

الفارابي، كتاب القياس، 2/54–55‪.‬

62

الفارابي، “كتاب القياس الصغير”، 2/82‪.‬

63

مايرهوف، “من الإسكندرية إلى بغداد: بحث في تاريخ التعليم الفلسفي والطبي عند العرب”، 78–79‪.‬

64

زكريا بشير إمام، لمحات من تاريخ الفلسفة الإسلامية: دراسة مدخلية ميسرة، (الخرطوم: الدار السودانية للكتب، 1998)، 179–180‪.‬

65

ينظر: الفارابي، “كتاب القياس الصغير”، 2/54 وما بعدها‪.‬

66

ينظر: الفارابي، كتاب الحروف، 129‪.‬

67

الفارابي، كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين، (بيروت: دار المشرق، 2016)، 82–83‪.‬

68

الفارابي، كتاب الحروف، 133‪.‬

69

الفارابي، الخطابة، 41‪.‬

70

الفارابي، كتاب الحروف، 129‪.‬

71

ينظر: الفارابي، كتاب القياس، 2/57‪.‬

72

الفارابي، الخطابة، تحقيق: محمد سليم سالم، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1976)، 34‪.‬

73

راندال كولينز، علم اجتماع الفلسفات: التأثير الاجتماعي والسياسي في نشأة الفلسفات والأفكار، ترجمة: فريق جسور للترجمة، (بيروت: جسور للنشر والترجمة، 2019)، 2/668‪.‬

Kennzahlen

Insgesamt Letzte 365 Tage In den letzten 30 Tagen
Aufrufe von Kurzbeschreibungen 0 0 0
Gesamttextansichten 267 267 46
PDF-Downloads 520 520 60