Save

مراجعة الترجمة الإنجليزية لدلالة الحائرين لغودمان وليبرمان: أو ابن ميمون ذو اللسانيْن

于Philosophical Studies Journal
著者:
شفيق اكّريكّر [Chafik Graiguer] أستاذ الفلسفة والديداكتيك – جامعة مولاي إسماعيل (Assistant professor of philosophy and its didactic, ENS – University Moulay Ismail) مكناس (Meknes) المغرب (Morocco)

Search for other papers by شفيق اكّريكّر [Chafik Graiguer] in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close
https://orcid.org/0000-0002-4005-2644

Moses Maimonides, The Guide to the Perplexed: A New Translation, translated and with a commentary by Lenn E. Goodman and Philip I. Lieberman (Stanford: Stanford University Press, 2024), 704 pages. ISBN: 978-0-8047-8736-3.

‫إذا كانت الترجمة تجسيراً يقف خلاله المترجم بين لسانيْن: لسان منقول منه وآخر منقول إليه، فلسنا نجازف إن قلنا إن كتاب دلالة الحائرين قد كتب مترجماً؛ إذ وضعه موسى ابن ميمون، في الأصل، بين يديْ لسانيْن: الكلمات والتراكيب عربية بينما الحروف عبرية. ولذلك فكل ترجمة لهذا الكتاب، إلى لسان من الألسن، إنما تنخرط مرة أخرى في التمرين الفكري-الروحي-اللغوي نفسه الذي احتمله واضعه أول مرة.‬

‫ينطبق ذلك على الترجمة الإنجليزية لدلالة الحائرين، الصادرة في الربع الثاني من هذه السنة (2024)، عن مطابع جامعة ستانفورد، والتي أنجزها كل من لين غودمان وفيليب ليبرمان. وغودمان هو أستاذ الفلسفة بجامعة فاندربيلت، مختص في الفلسفتين اليهودية والإسلامية في العصر الوسيط. وكان قد نقل، قبل ذلك، إلى الإنجليزية أعمالاً منها تداعي الحيوان على الإنسان (من رسائل اخوان الصفا)، حي بن يقظان لابن طفيل، شرح سعديا الفيومي لكتاب النبي أيوب. أما ليبرمان فأستاذ، بالجامعة نفسها، للدراسات والشريعة اليهودية، والدراسات الكلاسيكية، والمتوسطية، والدينية.‬

‫جاءت الترجمة بعنوان: The guide to the perplexed، وهو ما يمكن ترجمته إلى العربية بـ رسالة الهداية إلى الحائرين أو دليلٌ للحائرين. تقع ترجمة الدلالة نفسها في 513 صفحة من القطع الكبير، تسبقها مقدمة من 70 صفحة (‫xiii‬–lxxxvii)، وتعقبها أربعون صفحة لقائمة المراجع (537–576)، ومثلها تقريباً لفهارس الأسماء والموضوعات والاقتباسات من الأسفار المقدسة (577–620). على أن ما يميز هذه الترجمة الجديدة على الخصوص، أن كل صفحة منها تقريباً مجهزة بترسانة مهيبة من الهوامش؛ ففضلاً عن الهوامش التي تصل أفكار الدلالة بغيرها من كتب ابن ميمون، أو تلك التي تتوسع في ما ألمح إليه في الأسفار المقدسة، ثمة هوامش تنطوي على مادة دقيقة وغنية تُموضِع أفكار بن ميمون في سياق تقاليد التفسير اليهودية وكذا الفلسفة اليونانية بما في ذلك الأفلوطينية وكتب الشراح المتأخرين، والفلسفة الغربية الوسيطية، تضاف إليها تلك الهوامش التي تصل أفكار الدلالة بمفاهيم أو مشكلات عند فلاسفة الإسلام ومتكلميه، مثل الكندي والفارابي وأبي بكر الرازي وابن سينا والغزالي وابن رشد والمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة… كل هذا ممزوجاً بإحالات على الدراسات والنقاشات الحديثة في الموضوع، حتى أن حيز الهوامش يتمدد أحياناً ليتجاوز حجم المتن نفسه كما في الصفحات: 205، 225، 253، 255، 282–290 على سبيل المثال لا الحصر. وعلى ذكر الهوامش والتعليقات، يجدر التنويه على أنه، بالتزامن مع هذه الترجمة، أصدر لين غودمان، في مطابع ستانفورد نفسها، كتاباً مرشداً، في 258 صفحة من القطع المتوسط، أراده مرافقاً للقارئ المهتم في رحلة قراءة هذه الترجمة الجديدة، عنوانه دليل إلى دلالة الحائرين. ونظراً لأهمية هذا الكتاب سنفرد له مراجعة مستقلة في المستقبل.‬

‫وحيث إن هذه الترجمة تصدر بعد حوالي 60 سنة على صدور الترجمة الإنجليزية المرجعية، التي أنجزها شلومو بنيس وقدم لها ليو شتراوس،1 فمما لا شك فيه أن المختصين، وهم يتلقون الترجمة الحالية، سيقارنونها، بشكل أو بآخر، بتلك الترجمة. والمترجمان نفسيْهما يعُدّان ترجمة بنيس-شتراوس لحظة مفصلية في تاريخ دراسات الدلالة (ص lxxii)، ويُموقعان ترجمتهما – كما سنرى – بالقياس إليها. وكذلك سنصنع بعد قليل في هذه المراجعة. ولكننا نبدأ أولا بالمقدمة لأنها تسمح لنا بتقييم الترجمة لاحقاً.‬

‫انطوت المقدمة على ستة مباحث تناوب المترجمان على تحريرها واستعادا في كل واحد منها، على نحو تركيبي، أهم النقاشات المثارة بين الدارسين. سنقف على المباحث الخمسة الأولى فحسب، لأن السادس مخصص فقط للأمور التقنية والاختصارات والمواضعات التي تم التزامها في الترجمة. في المبحث الأول، بسط غودمان موضوع دلالة الحائرين، المتمثل في مساعدة متلقٍ ديّنٍ على التزام صراط مستقيم بين الدين والفلسفة أو، على لسان ابن ميمون نفسه، سبر أعماق علميْ الطبيعة (التكوين وقصة الخلق) وما بعد الطبيعة (المرْكبة أو قصة رؤيا حزقيال). وسواء تعلق الأمر بالأجسام الطبيعية والحركة والكوسمولوجيا، أو العلم الإلهي، ومشكلة الشر، والبركات الإلهية، والوحي والنبوة، والعبادات، والعلم الإلهي، كانت نظرية الفيض دائماً عوناً لابن ميمون على تجسير الهوة بين براهين العقل ومقولاته ونصوص النقل واستعاراته (ص xix, xvi) وبالأخص الوحي (ص xxi–xxii).‬

‫في المبحث الثاني، عالم ابن ميمون، رسم ليبرمان لوحة عامة للأجواء السياسية والاجتماعية والثقافية للعالم الإسلامي، وبالأخص في الأندلس وشمال إفريقيا وصولاً إلى مصر حيث عاش صاحب الدلالة سنواته الأخيرة، وما ألّفه في كل منزلة من منازل تنقله، مع مناقشة، لا مفر منها، لدواعي هجرة آل ابن ميمون من الأندلس في فاس وإسلامه المتنازع بشأنه (xxviii–xlix). وفي المبحث الثالث، يسرد ليبرمان قصة الدلالة (xxvii–xlix)، وموقعها ضمن الأدبيات اليهودية المشابهة، والأمشاج التي سبقتها عند ابن ميمون، ومصادر ابن ميمون في الفلسفتين اليونانية والعربية وعلم الكلام، ثم قراء الكتاب وما إذا كانوا من العامة أم الخاصة، إضافة إلى بنية فصوله وأجزائه وما إذا كان ينقسم إلى نظري وعملي كما زعم ليو شتراوس. ويختم ليبرمان بالحديث عن المخطوط نفسه حيث يخلص إلى أن من الصعب اليوم الادعاء بأن نشرة ما ستكون أمينة لنص الدلالة بالنظر إلى نسخه الكثيرة وعادة ابن ميمون في تبييض (تنقيح) تآليفه مرات عدة، مع ذيوع المسودات المؤقتة بين النساخ.‬

‫ونأتي الآن إلى المبحث الرابع من المقدمة، وهو أهمها: ترجمات الدلالة وأشكال تَلقّيه والشروحات عليه. تتبع ليبرمان هنا تاريخ ترجمات الدلالة، وأنماط الشروح التي كتبت عليه طوال القرون الماضية (ص lx–lxiv) بما فيها شرح محمد بن محمد التبريزي،2 وأشكال تلقيه وأثره في اللاحقين منذ الأكويني إلى ميستر إيكارت وصولاً إلى اسبينوزا. ويذهب ليبرمان إلى أن الترجمات كانت منذ البدء جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الدلالة، منذ ان أذن ابن ميمون ليهودا بن تيبون، في جنوب فرنسا، بالترجمة العبرية، وصولاً إلى النشرة النقدية الحديثة التي أخرجها سالمون مونك في أواسط القرن التاسع عشر مع ترجمة فرنسية (ص lv). ويقسم ليبرمان صنوف الترجمات إلى ضربين: نقل حرفي كالذي أتى به ابن تيبون قديماً وشلومو بنبيس (1963) حديثاً، ونقل للمعاني كالذي اختاره الحريزي قديماً وميكائيل فريدلاندر (أواخر ق19) من المحدثين. ويخترق الانقسام الترجمات العبرية المعاصرة أيضاً (ص lvii–lviii). والرهان بين فريقيْ التراجمة هذين هو: هل ثمة تلبيساً مقصوداً ومعان خفية بين سطور الدلالة، كما قال ليو شتراوس، بما يوجب التزام أسلوب ابن ميمون التزاماً شبه حرفي كي يتاح للقارئ مواجهة اللبس الأصلي وتلقي الظاهر من المعاني وتحرّي ما خفي منها، أم أن ابن ميمون لا يخفي شيئاً كما قرر فريدلاندر؛ بل يبغي الإفهام والإقناع، فينبغي للمترجم تحقيق مقاصد ابن ميمون بالاجتهاد في صوغ أفكار الدلالة بمزيد من الوضوح ليصل المراد إلى القارئ المعاصر (ص lvi)؟ وكما تشهد ملاحظاته على ترجمة ابن تيبون، كان ابن ميمون ميالاً إلى الضرب الثاني. ولذلك تقدم الترجمة الحالية نفسها أكثر وفاءً لنظرية ابن ميمون هذه في الترجمة. وهكذا لا ينكر المترجمان انطواء فكر ابن ميمون على طبقات سرية (esoteric)؛ إلا أن ذلك، في نظرهما، لا يبرر إنتاج ترجمة تريد أن تكون أمينة فتتوّه القارئ المعاصر، ولن يستفيد منها إلا المتخصص القادر على العودة إلى الأصل العربي (ص lx).‬

‫جاء المبحث الخامس، تحت عنوان هذه الترجمة، استمراراً لسابقه، وفيه اجتهد غودمان في تبرير الخيارات الترجمية وعلى رأسها العنوان. يبدو غودمان هنا متفقاً مع ليو شتراوس بصدد أسلوب التخفي عند ابن ميمون، ولكنه يرى أن الأمر لا يتعلق بتعاليم سرية؛ بل بمجرد علم مظنون به على غير أهله، أي على غير المستكملين شرائط العلم والفضل المطلوبة. وسبيل ابن ميمون إلى ذلك هو الجنس الرسالي؛ بمعنى أن الكتاب مصاغ على شكل رسائل موجهة إلى مخاطَب محدد تفترض فيه معارف قبلية معينة (ص lxxiii)، ولأجل ذلك أيضاً جاء أسلوب الخطاب في الدلالة شخصياً حميمياً بأوضح ما يكون في لغةِ الكتابِ العربيةِ (ص lxxiv)؛ ومنه فالترجمة الأتم للعنوان، في نظر غودمان، هي تلك التي تحفظ هذا الطابع الخِطابي (ص lxxvii): رسالة الهداية إلى الحيارى أو دليل للحيارى.3 وفي تلميح إلى شلومو بينيس، من دون تسميته، يعيب غودمان على بعض التراجمة الأسلوب الجاف والحَرْفية التي نقلوا بهما إلى الإنجليزية الاستعارات والصورة الحية التي تؤثث الدلالة. ومرة أخرى، تُستدعى نصيحة ابن ميمون إلى ابن تيبون بالنأي عن الترجمة الحرفية والحرص، بدلاّ من ذلك، على التقاط مراد الكاتب ونقله بأوضح ما يكون في اللسان الجديد. وذلك، حسب غودمان، هو ما كان ديدن حُنين مع كتب جالينوس وابنه إسحاق مع كتب أرسطو. (ص lxxv).‬

‫هذا عن مقدمة الترجمة ونظرية الترجمة التي التزمها المترجمان، فكيف أخرجا نص الدلالة باللسان الإنجليزي؟ إن مدار اختلاف خيارات المترجمين هو كلام ابن ميمون الآتي: ”وأنا أحلف باللّٰه تعالى لكل من قرأ مقالتي هذه ألا يشرح منها ولا كلمة واحدة ولا يبيّن لغيره منها إلا ما هو بيّن مشروح في كلام من تقدمني من علماء شريعتنا المشاهير، أما ما يُفهم منها مما لم يقله غيري من مشاهيرنا فلا يبيّنه لغيره ولا يتهافت للرد.“ (ص 17، نشرة أتاي). فهم بنيس وشتراوس أن المطلوب نقل الدلالة بأمانة شديدة، للإبقاء على الواضح واضحاً والغامض غامضاً، بينما فهم منها مترجمانا أن ذلك يخالف مقاصد ابن ميمون في مساعدة الحيارى المسترشدين؛ لأن محاكاة أسلوب ابن ميمون في العربية باللسان الإنجليزي لن تنتج إلا نصاً سقيماً غير مفهوم. لِنرَ نتيجة ذلك مقارنين موضعيْن في الترجمة الحالية وترجمة بنيس-شتراوس:‬

‫الموضع الأول: يكتب ابن ميمون في الأصل العربي (ص 25، نشرة أتاي):‬

‫قال المعترض: يبدو من ظاهر النص أن القصد الأول بالإنسان أن يكون كسائر الحيوان لا عقل له ولا فكرة ولا يفرق بين الخير والشر؛ فلما عصى أوجبت له معصيته هذا الكمال العظيم الخصيص بالإنسان، وهو ان يكون له هذا التمييز الموجود فينا الذي هو أشرف المعاني الموجودة لنا، وبه نتجوهر، فهذا هو العجب أن يكون عقابه على معصيته إعطاؤه كمالا لم يكن له وهو العقل. وما هذا إلا كقول من قال إن شخصا من الناس عصى وأفرط في الظلم فمسخ وجعل كوكباً في السماء.‬

‫يترجمها بنيس (ص 24) بما يمكن رده، مجدداً، إلى العربية كالآتي:‬

‫هذا ما قاله المعترض: ظاهرٌ من المعنى الواضح لنص التوراة أن القصد الأول بالإنسان أن يكون، كباقي الحيوان، خلواً من العقل والفكر والقدرة على تمييز الخير من الشر. ولكنه حين عصا، جلبت له المعصية ضرورةً [أوجبت له] هذا الكمال العظيم المختص بالإنسان، أي أن تكون له تلك القدرة الموجودة فينا والمميزة لنا. والحال أن هذه القدرة أشرف خواصنا، وبفضلها كنا جواهر. فعجيب إذن أن يعاقب الإنسان على عصيانه بمنحةِ كمالٍ لم يكن له من قبل، وهو العقل. مَثل ذلك كالقصة التي ذكروها لواحد من الناس عصا وارتكب أشنع الجرائم فكانت عاقبته أن مسخ فانقلب نجماً في السماء.‬

‫ترجمها غودمان وليبرمان (ص 21–22) بما يمكن رده إلى العربية كالآتي:‬

‫لو أخذنا النص بحرفيته، يقول المعترض، فقد كان القصد الأول بالإنسان أن يُجعل كسائر الحيوان من دون فكرٍ أو عقلٍ أو معرفةٍ للخير ومباينته للشر. فلما عصا، جلبت عليه المعصية هذا المرقى البديع المختص بالإنسان الذي هو أنبل خواصنا: القدرة على تمييز الخير من الشر، والذي به صرنا ما نحن عليه. فتكون المعصية قد عوقبت، ويا للعجب، بهبة العقل التي لم تكن للإنسان. أفليس هذا كقول قائل إن أحدا قد ارتكب ظلما عظيما فصُيّر نجماً في السماء؟‬

‫من الواضح أن بينبس أمين للنص العربي، حتى لو اقتضى الأمر الإطالة، بينما ترجمة غودمان وليبرمان أكثر اختصاراً ولا تتابع النص العربي حرفياً؛ بل تعمد إلى المعنى وتصطنع له العبارة الإنجليزية المناسبة. ولكنها بالمقابل تُسقط بعض التفاصيل، من قبيل أن المعصية أوجبت منة العقل (لم تجلبها فحسب)، وأن العقل به نتجوهر (لا أنه يجعلنا ما نحن عليه فحسب).‬

‫الموضع الثاني: كتب ابن ميمون (ص 575 من نشرة أتاي):‬

‫قصد جملة الشريعة شيئان، وهما صلاح النفس وصلاح البدن. أما صلاح النفس فهو بأن تحصل للجمهور آراء صحيحة بحسب طاقتهم […] ذلك أنه قد تَبرْهَن أن الإنسان له كمالان: كمال أول هو كمال الجسد وكمال أخير هو كمال النفس. فكماله الأول هو أن يكون صحيحاً على أحسن حالاته الجسمانية.‬

‫ترجمها بينيس (ص 510–511) بما يمكن التعبير عنه في العربية كالآتي:‬

‫للشريعة ككل غايتان: صحة النفس وصحة البدن. فأما صحة النفس فتُنال عندما تحصل للعامة آراء صحيحة بحسب طاقتهم. […] ذلك أنه قد تَبرْهَن أن للإنسان كمالان: كمال أول هو كمال الجسم وكمال أخير هو كمال النفس. وقوام الكمال الأول الصحة وأفضل الحالات الجسمانية.‬

‫ترجمها غودمان وليبرمان (ص 420) بما يمكن رده إلى العربية كالآتي:‬

‫للتوراة غايتان: صلاح روحي وآخر مادي. يتحقق الصلاح الروحي عندما يتاح للعامة تحصيل آراء صحيحة على قدر طاقتهم […] للكمال الإنساني، برهانياً، وجهان: روحي وجسماني. وأول الأشياء الصحة، أي حالة جسمانية سليمة.‬

‫نلاحظ مجدداً التزام غودمان وليبرمان اختصار العبارة وترجمة المعاني. فـ ”الشريعة“ نُقلت ب ”توراة“، وهذا تأويل صائب، بيد أنه كان من الأفضل، في نظرنا، الإبقاء على ”تبَرْهَن“ بدلا من برهانياً حتى تفيد حصول البرهان في ما سبق من مراحل تحصيل العلم، وكذلك الإبقاء على ”الجسم“ بدلاً من ”المادي“، و”النفس“ بدلاً من ”الروحي“؛ لأن الكلام اللاحق يبيّن أن المقصود بالتحديد ليس الصلاح المادي بإطلاق، بل صلاح المعطى المادي في الإنسان الذي هو الجسم؛ وبين الأمريْن فرق يدِقُّ. ولكن يبدو أن المترجميْن، يريان أن الجسم في السياق التداولي المعاصر، العام والفلسفي، يقابل المادي (ينظر ما صنعاه في ص 210 أيضاً).‬

‫الترجمتان إذن تنتميان إلى ضربيْن مختلفيْن من ضروب النقل: أمينة ومُبِينة. كانت ترجمة بينيس أمينة، تعتبر المؤلف فتحفظ الأوصاف الأصلية لنص الدلالة بكل التباساته الفكرية والتواءاته اللغوية في العربية، أما الترجمة الحالية فهي مُبِينة، تعتبر المتلقي، أي اللسان المستقبل والحقل التداولي المعاصر. أراد مترجمانا بث الحياة في نص تأسيسي من الماضي لجعله يخاطب القارئ الإنجليزي المعاصر بأسلوب يأخذ بعين الاعتبار المجال التداولي المعاصر ويمتح من البلاغة الخاصة باللسان الإنجليزي، مع يقينهما أن المدى الدلالي لأي كلمة في العربية وتحيّزها الدلالي بحسب السياق لا يطابق نظيره في الإنجليزية بأي حال من الأحوال (ص lviii، lxxiv). وبالمناسبة، لم تكن الإنجليزيةُ اللغةَ الأم لشلومو بينيس بخلاف غودمان وليبرمان؛ ولكن ترجمة بينيس تظل ذات فائدة عظمى للقارئ الإنجليزي المتخصص المستزيد، الذي يمكنه، إن عسُر عليه الرجوع إلى الأصل العربي، أن يلتمس فيها أساليب وتراكيب إنجليزية أقرب ما تكون إلى أساليب وتراكيب عربية ابن ميمون.‬

‫هذا عن ترجمة إنجليزية موجهة لأبناء لغة شكسبير. أما قراء العربية، فلن يكونوا بالطبع محتاجين إلى ترجمةٍ لأن النص مكتوب في أصله بلسانهم (مع بعض المواضع بالعبرية)؛ ولكن ثمة حاجة ماسة إلى ترسانة الهوامش التي سلّح بها المترجمان هذه الترجمة؛ والأمل معقود على أن تتَرجَم هذه الهوامش إلى اللغة العربية ويُحشّى بها الأصل العربي لدلالة الحائرين فنحصل بذلك على نشرة نقدية لهذا العمل الفذ في الفلسفة العربية الوسيطية، تكون أنفع للدارسين وتتمّم العمل الرائد الذي بدأه حسين أتاي.4‬

1

Moses Maimonides, Guide of the Perplexed Translated with an introduction and notes by Shlomo Pines with an introductory essay by Leo Strauss. (Chicago: University of Chicago Press, 1963).

2

‫أورد حسين أتاي، في نشرته العربية لدلالة الحائرين (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 1936؟)، نص هذا الشرح في حاشية الجزء الثاني من الدلالة. ص 231–267.‬

3

‫وهو العنوان نفسه الذي اصطنعه فريدلاندر في ترجمته التي أخرجها عند نهايات القرن 19. يُنظر: M. Friedlaender, A Guide for the Perplexed, translated from the original Arabic text, 4th revised ed. (New York: E. P. Dutton, 1904).‬

4

‫من الأمثلة على هذه الحاجة، أن أتاي يذكر أن مراسل ابن ميمون هو يوسف بن عقنين، بينما تثبت هذه الترجمة (ص3، هامش2) أن ابن عقنين هذا كان صديقا له في فاس، أما المراسل فهو يوسف بن يهودا بن إسحاق من أعيان المحكمة الرِبِيّة في القاهرة.‬

内容统计数据

全部期间 过去一年 过去30天
摘要浏览次数 0 0 0
全文浏览次数 2016 481 76
PDF下载次数 1136 581 9