Save

الموسيقى: فلسفة وعلم وفنّ

Music: Philosophy, Science, and Art

于Philosophical Studies Journal
著者:
بنّاصر البُعزّاتي [Bennacer El Bouazzati] أستاذ التعليم العالي – متقاعد – جامعة محمد الخامس (Retired Professor – Mohammed V University) الرباط (Rabat) المغرب (Morocco)

Search for other papers by بنّاصر البُعزّاتي [Bennacer El Bouazzati] in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close
https://orcid.org/3239-0664-0005-0009

ملخّص

عند أواخر القرن الرابع قبل الميلاد وأوائل القرن اللاحق، عرفت الموسيقى تحوّلاً على غرار ما عرفته العلوم الرياضية والتجريبية. إذ كانت الموسيقى تستند إلى آليات مماثلة للتي يعود إليها الفضل في تطوّر علوم البصريات والفلك والسمعيات. وبعد اَرْكيتَس واَرِسْتُكْسين، وكلاهما من بلدة تارنت (تارَس)، استقرّت بجانب هذه العلوم، ومضت تشكّل مكوّناً أساسياً ضمن البرنامج التكويني في مختلف التقاليد الفكرية المتنافسة. ولم تقف الاختلافات الفلسفية والعقدية حاجزاً في طريق تطوّر الموسيقى، بفضل تكوين لغة عقلية مخصوصة جيّدة النسج ومحكمة البناء. فشكّلت الموسيقى ملتقى لتأملات فلسفية وعلمية وفنية. تنظر هذه المقالة في بعض أوجه ما عرفته الموسيقى من اهتمام لدى مختلف المفكرين إلى زمن بوتيُس‫.‬

Abstract

At the end of the fourth century and the beginning of the next, music witnessed a transformation, having as exemplar that that occurred in the mathematical and experimental sciences. For, music was founded on similar mechanisms due to which the sciences of optics, astronomy and acoustics developed. After Archytas and Aristoxenus, both from Tarentum (Taras), music took its place beside these sciences and constituted a fundamental component within the formation programme in the competing intellectual traditions. Philosophical and belief differences did not stand as obstacles in the way of the development of music, thanks to the constitution of a particular rational language well weaved and tightly built. Then, music constituted a junction for philosophical, scientific and artistic reflection. This article looks at some facets of the interest met by music by many intellectuals until the time of Boethius.

‫المعارف والخبرات مترابطة فيما بينها، يستمدّ بعضها من بعض آليات وحيل ووسائل تعبير وبناء؛ والموسيقى ذات صلات بعلوم وفنون تتفاعل معها أخذاً وعطاءً. فالموسيقى تستمدّ أوائلها النظرية من علمي الحساب والسمعيات (acoustics)، وتختبر منشآتها بالتفاعل مع الشعر والغناء، وتصنع أدوات لترتّب بها مختلف النبرات والأنغام. وقد انتبه المنشغلون بتطوير هذه الصنعة منذ القرن الخامس قبل الميلاد إلى مكانة التأليف بين الأصوات، حيث عرف تطوراً موازياً للتطورات التي عرفتها العلوم جملةً، خاصّة في نطاق الفلسفة الفيثاغورية والفاعلين الذين غرفوا من تعاليمها. ويُجمع الباحثون على أن الفترة منذ بداية القرن الرابع قبل الميلاد، وهو زمن اَركيتَس وافلاطُن واَرسطو ومن تقرّب منهم وتلاميذهم، عند منتصف القرن اللاحق، شكّلت تحوّلاً شاملاً في العلوم والفنون والفلسفة، لا يقلّ حظّ الموسيقى من هذا التحوّل عن حظوظ تلك الميادين.1‬

‫تكمن أهمية المقالة في كونها تبرز بعض ملامح التحوّل الذي شهدته العلوم خلال القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، دون الإحاطة بمجمل التفاعلات المتشعبة التي يندمج معها التحوّل؛ مع إبراز بعض امتدادات هذا التحوّل. والغرض الأساس هو إثارة انتباه الباحثين إلى أهمية تاريخ الموسيقى في فهم تطوّر الفكر العلمي والفلسفي، حيث تشترك مع ميادين علمية أخرى في اللجوء إلى آليات عقلية متماثلة. ولا تتعرّض المقالة للمجادلات الفلسفية حول علاقات الموسيقى بالجسد والذهن، ولا حول ارتباطها ببنية الدماغ لدى المعاصرين؛ بل تكتفي بإبراز بعض أوجه التفاعل بين الميادين الفكرية المذكورة في حقبة تاريخية محدّدة.‬

1 الموسيقى ضمن التفاعل بين النظر والممارسة

‫لئن غلب التقليد التأمّلي والكُسمولُجي الرياضي لدى فيثاغورس فإن ذلك لا يعني عدمَ وجود خبرة عملية لدى بعض أفراد مدرسته؛ وفي زمن فيثاغورس ألّف لَاسُس الهِرْميوني كتاباً في الموسيقى، فكان ذا أثر بارز.2 ولم يكن يوجد بناء نظريّ للموسيقى موحَّد، بل وجدت أساليب واجتهادات فرضها السياق الإقليمي المتنوّع. وفي اللغة، استعملت حدود ”الهرمونيا“ و”النغم“ و”الميلوديا“ بمعاني مختلفة حسب النُّظّار. وحتى خاصية الجمالية اتّخذت صيغاً مختلفة، حيث كان هناك من يميل ذوقُه إلى تأمّل الكون والألوهية، ومن يجد لذّته في الحركات البدنية. فقد تبلورت بالتأكيد تقاليد في الموسيقى قبل افْلاطُن، وتفرّعت، ومن العادي أن يميل هذا الناظر وذاك إلى إحداها ويشمئزّ من ممارسات أخرى. ومن جهة أخرى، يقرّ اَرِسْتُكْسين بوجود نُظّار سابقين عليه اهتموا بالموسيقى وألّفوا فيها، ويشير إليهم بالاسم؛ فبادر إلى الفرز والغربلة من خلال الخبرة العملية. هكذا، ”مع مؤلَّف اَرِسْتُكْسين، شقّت مرحلة التقليد التجربي (الإمبريقي) في النظرية الهَرمونية طريقها المعبَّدة.“3‬

‫عاصر اَرِسْتُكْسين العالِميْن توفْراستُس وسْتراتُن وتلاميذ اُودُكسُس، وتفاعَل مع تحوّل البنّاء النظري في كل العلوم الرياضية والتي تستعمل الرياضيات في ترسانتها المنهجية: الفلك والبصريات والسمعيات والميكانيك. واستثمر الإنجاز العملي لألحان معيّنة، كان ينقصها التمرين أو كانت تحتاج إلى الآلات المناسبة لأداء الألحان المرجوة عقلاً. وفي كل العلوم تظل بعض المكوّنات مجرّدة بعيدة عن الإدراك الحسي ما لم تتبلور الشروط العملية لإدراكها بالملاحظة.4‬

‫يشكّل النقد الأفلاطُني (والأرسطي) لحظة بارزة في الفرز والتمييز بين الأساليب الموسيقية؛ لهذا يمثّل القرن الرابع قبل الميلاد لحظة، أو بداية، تحوّل مهمّة في تطوّر الموسيقى. ثمّ ألّف هِرَكْليدِس الپُنتي (القنطري)، تلميذ افْلاطُن، واَرِسْتُكْسين التارنتي، تلميذ اَرسطو، بأسلوب يتوخّى استكشاف جزئيات الأصوات وتمييز المتّصل والمنفصل في الأصوات وحساب الأبعاد والمسافات بينها عبر التعبير الكمّي بالحساب، قصد تبيّن خواصّ الأنغام. وفعلاً، خلال النصف الثاني من هذا القرن، تكوّن الإطار المفهومي للموسيقى كعلم، من خلال البحث التجريبي والصياغة الرياضية، كما كان الأمر في العلوم المشار إليها أعلاه. ويُعدّ عمل اَرِسْتُكْسين لحظة مميَّزة في تكوين نظرية علمية موسيقية متكاملة؛ وفي رأي أحد الباحثين، ”فإن النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد شهد أيضاً تطوير أوّل نظرية موسيقية حقّة، من قِبل اَرِسْتُكْسينُس التارنتي.“5 وبديهي أن هذا التكوّن حصيلة تفاعل مثمر بين علوم شتّى، تبلورت مفاهيمها في هذه اللحظة التاريخية المتميزة، وتتويج لأبحاث سابقة. إذ يتحدث اَرِسْتُكْسين عن الموسيقى اعتباراً أنه توجد كتابات ألّفت فيها، وتمّ تبادل للأفكار في شأنها، وأن هناك من يمارسها؛ لكن يعلن عن تحفّظه من بعض مسلّماتها، فيعيد تكوين حقلها جملة.6 وتشكّل الهَرْمونيا الجانب الأوّلي في نظرية الموسيقى لدى السابقين، بينما ينطلق هو من تحليل الصوت باعتباره حركة محدّدة في مكان محدّد. فكتب: ”الخطوة التمهيدية في اتّجاه البحث العلمي للموسيقى هي أن نضبط أفكارنا المختلفة عن تغيّر الصوت، ونعني بذلك تغيّر وضع الصوت.“7 هذا لا يعني اكتمال البناء النظري لهذا الميدان، الذي ظل ينمو خلال قرون؛ إنما أدّى هذا التطور في النظرية الموسيقية إلى غزو اللغة الموسيقية وآلياتها لمجالات نظرية أخرى؛ مثلاً، ”طبّق الطبيب هِروفيلُس أيضاً مفردات موسيقية ووزنية (عَروضية) في نظرية دقّات القلب، حيث سمّى بها النبضات القلبية المختلفة.“8‬

‫قبل اَرسطو، غلب التنظير في شأن الموسيقى، باعتبارها تمظهراً لنظام الكون، وبعده أصبح التركيز على الخبرة الحسية. فلم تكن الفلسفة الفيثاغورية وحدها التي أطّرت نظرية الهرمونيا، وإن كانت هي الأساسية؛ لكن ظلت التقاليد الأخرى تنظر إلى الهرمونيا كمعطى ثانوي. إنما رتّب اَرسطو الهرمونيا بجانب المناظر والهيئة، كعلم يطبّق الرياضيات في وصف الوقائع. فأصبحت المشائية تتناول الموسيقى لا كهرمونيا فحسب، بل أيضاً كنظام حسّي. ثم نشط التنافس بين الفيثاغورية-الأفلاطنية والمشائية في سبر أسرار نظام الأصوات. ”يرى فيثاغورس العلاقات ضمن النبرات الموسيقية بمثابة تمظهرات للعدد المجرَّد، معبِّرةٍ عن مبدأ كوني شائع. (بينما) يعزو اَرِسْتُكْسينُس تنظيم النبرات الموسيقية لحُكم الأُذُن، وهو بذلك يتوقف على الممارسة الموسيقية المألوفة وتاريخها.“9 لكن التصنيف الثنائي قد يغطي واقع الدينامية التفاعلية التي ساهمت فيها تصوّرات قد لا يُعطى لها ما تستحق من أهمية بسبب التركيز على التقاطب الثنائي. فالفيثاغورية لم تشكل مذهباً منغلقاً، ولا المشائية كانت كذلك. لهذا يرى بعض الباحثين أن نظرية الموسيقى لاَرِسْتُكْسين ”ثورية؛ إذ تستند إلى مبدأ أساسي مؤدّاه أن الأذُن البشرية هي الحَكَم الوحيد في دقّة وصواب النبرات والوظائف الهرمونية.“10 وحتى إذا اعتبرنا تلميذ اَرسطو قد أتى برؤية ثورية للنغمة، قائمة على التجربة، فإن قوّة الرؤى التي تستثمر البلورة الرياضية في سبر الوقائع فرضت نفسها إلى زمن اَرسطو؛ ونقصد هنا تلاميذ اُودُكسُس واَركيتَس وهِرَكليدِس و(أساتيذ) اُقليدس الهندسي. فالخبرة العملية تقيم مزيداً من التقطيع في النبرات الصوتية، والنِسب الحسابية تقترح سلّميةً أدقّ؛ والأرجح أن نسق (سُلّم) التقسيم المتعادل (equal temperament) المنسوب لاَرِسْتُكْسين انبثق من هذه الدينامية الفكرية الخلّاقة. حيث مزجت هذه الدينامية بين النِسب الحسابية وهندسية (صياغة هندسية) الفضاء في دراسة الوقائع البصرية والصوتية وأوضاع الأجسام. ثم ظلّ البحث عن المطابقة بين النظر والتطبيق نسبياً وعُرضة لإعادة السبك على الدوام.11‬

‫فالموسيقى إذن ممارسة ثقافية راسخة في البيئة الإغريقية، وفاعلية فكرية ذات تاريخ هناك، اغتنت من خلال الفحص، ولم تبق على نمط الفيثاغوريين الأوائل. لكن الاختلاف بين التصوّرين الفيثاغوري والمشائي في شأن الوضع المعرفي للموسيقى ظل قائماً، وكرّس التنافس بين التصوّريْن. إنما لا يطعن المتنافسون في الإطار المفهومي الذي تولّد عن ذلك التنافس بالذات، كما كان الأمر في أبنية الهيئة والمناظر. فتكرّس إدراج الموسيقى ضمن الرياضيات، منذ اَركيتَس، حيث لا يخلو مؤلَّف فيها من ذِكر للموسيقى باعتبارها تطبّق قوانين النِسب في ترتيب الأصوات. والفيثاغوري نِقوماخُس الجرشي، في سياق حديثه عن ترتيب الأعداد وسلاسلها، وعن أصناف المتوسّط (العددي والهندسي والتأليفي والمقابلة لها)، وعن النِسب، يذكر الموسيقى كعلم بجانب الأرتماتيكي وعلم الطبيعة وعلم الكرة والهندسة،12 كما يفعل أفلاطُنيٌّ أو مشّائيٌّ أو غيرهما. ولم يعق الاختلافُ والتنافس تطوّرَ العلوم؛ بل على العكس، كان اختلاف الآراء فرصة لتعدّد الفرضيات قصد فحصها في ضوء التجريب والبرهنة.‬

‫من العلماء البارزين في العلوم الرياضية من فترة لاحقة، بطلميوس (وف 170م)، الذي أعاد تكوين العلم الموسيقي: ”يعبّر عن الفواصل بين النوتات في صيغ نِسَب للأعداد، مستبعداً للنظرة المغايرة المتمثلة في شكل اَرِسْتُكْسين بصراحة. وأكثر من ذلك، بالأساس، يتمسك بفكرة كون مبادئ النظام الهَرْموني شأناً رياضياً: إن تمييز طبيعتها وأعمدتها يكون بالعقل. وإن كانت نتائج (البحث) العقلي يجب أن تُختبَر عبر المقابلة مع التجربة الحسية، فإننا يمكن أن نوفّق في تبيّن القوانين التي تتوافق مع البنيات الهَرْمونية الأساسية ونستطيع تفسيرَ الصيغ المخصوصة لتماسكها من خلال التعقيل الرياضي، لا عبر الاستقراء أو التجريد من التجربة. (الأمر هكذا) لأن البنيات الهَرْمونية تعبيرات للنظام الرياضي في (شأن) الصوت، لا باعتبارها (بنيات) خاصّة بالموسيقى أو الصوت، بل لأنه هو النظام العقلي الكامن في الدقائق (الكمالات) الشكلية الناظمة للكون؛ (ومن هنا) يستطيع بطلميوس أن يدلّل على أن نفس المبادئ هي الفاعلة في الروح وفي الكون.“13 فترتيب الأشياء قائم على علاقات تناسبية في كل شيء؛ ولهذا الترتيب نظام منسجم يتهيأ العقل إلى الكشف عن بنياته الناظمة. وهكذا فإن ”مهمّة (علم) الهرمونيا هي أن توضّح الأسس الرياضية للأنساق التي تتبيّن جماليتها وحُسنها للأُذن، لا تلك الأمور الأخرى التي من قبيل الأبنية النظرية الصرفة. إنها بالفعل تتوخى بيان أن الجمالية المدرَكة للموسيقى الحقيقية تقوم على الأطر الرياضية للنظام ذات التماسك العقلي.“14 ويؤكد بطلميوس على كون الآلات التي يستعملها العقل تساهم في ذلك الكشف. فالآلات تُصنَع بناءً على أطر نظرية، ولهذا يجب الحرص على التوافق بين الجوانب الطبيعية وأشكال الأنغام المراد التعبير عنها، عبر ضبط تدرّج الأصوات حدّةً ومسافةً. ”الأدوات التجريبية المحتاجة (أحادية الوتَر و(تلك) المشتقّة منها المعقّدة) بالذات يجب أن تُصنع بناء على المبادئ التي يكتشفها العقلُ ويتثبّت منها. وأساسها كامن في الفزياء والرياضيات، وبكيفية أكثر بداهة، يكمن في القوانين التي تربط العلاقات بين درجات النغمة بتلك التي بين أطوال الأوتار الصائتة.“15 إذن يجري هنا ما يجري في العلوم التجريبية التي تدمج بين التجريب والصياغة الرياضية؛ لكن مع اختلاف مع اَرِسْتُكْسين في التشديد على العلاقات العقلية أكثر من الخبرة التجريبية. وكما كتب مؤرّخ: ”يمكن أن نعتبر أن التخمينات الموسيقية الأولى المنظَّمة في صيغة علمٍ تعود إلى مدرسة فيثاغورَس، إن لم يكن إلى فيثاغورس بالذات.“16 لكن ظلت الاعتبارات الفلسفية العددية طاغيةً في التصور الفيثاغوري؛ بينما بسط اَرِسْتُكْسين مبادئ الموسيقى مبتدئاً من العناصر البسيطة صاعداً إلى البنيات المعقَّدة. وشكّل ذلك التطوّر ما سمّاه أحدهم ”ثورة إبِستِمولُجية“ ذات أثر بعيد؛ تتمثل هذه الثورة في ثلاثة مظاهر: تكوين لغة مميَّزة للموسيقى والاستناد إلى تجربة عيانية والبناء على البرهنة لا على التخمين.17 وفي نظر الأستاذة اَنّي بيلِس أنه “انطلاقاً من آخر القرن الرابع قبل الميلاد، ثبّتت النظرية الموسيقية نفسها كعلم مستقلّ.”18 فقد حصل للموسيقى ما حصل للعلوم الأخرى، حيث انتقلت من لحظة نضج إلى أخرى أنضج بين منتصف القرن الرابع ومنتصف الثالث قبل الميلاد. ورغم عيوب المخطوط المحفوظ المعتمَد، فإن بيلِس ترى أن مؤلَّف اَرِسْتُكْسين لحظة علمية بارزة بالنظر إلى المتوفر من التحليل والموعود به؛ إذ لم يكتف بالتناسب الرياضي بل درس الأصوات والفواصل وأنساق النوتات أيضاً.19 حقاً، ينتمي اَرِسْتُكْسين إلى التقليد المشائي، حيث تعلّم على يد اَرسطو، لكنه لم يساير المعلِّم في كل شيء، لأن اَرسطو لم يدرس الموسيقى تجريبياً كما فعل تلميذُه. أمّا بطلميوس فإنه ذو ميول فيثاغورية، لكنه استند إلى الخبرة العملية المتراكمة، إضافة إلى نبوغه في علمي الفلك والبصريات.‬

‫ما من شك أن الهَرْمونيا علم صعب، بالمقارنة مع الحساب والهندسة؛ ويحتاج إلى الإنصات إلى الوقائع، كما يحتاج إلى أوّليات مضبوطة دقيقة؛ لذا لم يبق اَرِسْتُكْسين سجين مذهبية مكتملة منغلقة. “في إبداعه لعلمٍ هَرْموني مستقلّ، مزوَّدٍ بمنهج خاص به، مستندٍ إلى مبادئ خاصة به، لا يقلّد اَرِسْتُكْسين اَرسطو، ولا ينقُل عنه؛ إنه يضيف علماً جديداً إلى المتن الأرسطي، ويصنع أكثر وأحسن من تمديد ميدان للبحث سبق لأرسطو أن استكشفه: فهو شاهد على سداد المبادئ وفعاليتها وعلى التصوّر الأرسطي للعلم.”20 فقد أكّد اَرِسْتُكْسين، متّبعاً تصور اَرسطو في نظرية العلم في مجملها، على دور الإدراك الحسّي والتجربة في بلورة القوانين اليقينية، لكنه ظل يحتكم إلى الخبرة الميدانية التي نشّطها هو بالذات. وفي لحظة تدفّق الأفكار وتوالدها لم يكن ليمرّ كتاب اَرِسْتُكْسين بدون أثر تخصيبي. ويبدو أن قْلِوْنيدِس تلميذ اَرِسْتُكْسين، ينخرط في التقليد الفلسفي المشائي أيضاً؛ فألّف كتاباً في تعريف اللغة الموسيقية، كان له الأثر التربوي الواسع. ليس قْلِوْنيدِس موسيقياً مجدّدا ولا صاحب تصوّر أصيل، لكنه قدّم الموسيقى في تعريفات مقتضبة واضحة، ما ساهم في تقريب الثقافة الموسيقية ولغتها إلى النخبة المتعلمة، وإلى العموم على حدّ سواء.21‬

‫ليس سهلاً أن يحصل الدارس على فهم سليم للتطور التاريخي لتفاصيل الكتابة الموسيقية، لأن الكثير من الكتابات ضاع. وغالباً يشار إلى اَرِسْتُكْسين وبطلميوس كمرجعيْن أساسييْن في التأليف العلمي في الميدان. ”اَرِسْتُكْسين وبطلميوس هما إذن الممثّلان الأساسيان للعلم الهَرْموني من بين القدماء. فإضافة إلى القيمة الداخلية لكتاباتهما، يشكلان جنساً آخر من الفائدة: إذا وُضعا في زاوية رؤية مختلفة، فإنهما يصلحان كرقيبين أحدهما للآخر. الأوّل لا يتوخّى إلّا الهدف العملي من تعليمه: حيث لا يريد إلّا أن يكوّن موسيقيين جيّدِين؛ (بينما) يتّبع الثاني تقاليد المدرسة الفيثاغورية: ففي تصوّر هذه، الموسيقى تأمّل علمي، قسم فرعي من الرياضيات. كل الهَرْمونيين الآخرين يترتّبون حول هاتين المدرستين؛ فإما أن يتبنّوا مبادئ إحداها حصرياً، أو أن يعملوا على الجمع بين المذهبين.“22 في هذا القول صواب، لكن يجب اعتبار الانتماء المذهبي للعالِم الباحث أمراً نسبياً، لأن ممارسة البحث غالباً ما تحدّ من سطوة المذهبية، من خلال فحص فرضيات متعددة بالبرهنة والبرهنة المضادّة.‬

‫فعلاً، مع بطلميوس ارتقت الموسيقى في سلّم العلمية، وكتابُه في الهَرْمونيا ”وثيقة“ هامّة في تاريخ المنهج العلمي كما هو في علم الموسيقى.23 وتناولُ بطلميوس أصيل لا يلتزم بمذهبية فلسفية مكتملة ومنغلقة، لا مشائية ولا فيثاغورية. وفي عرضه لمنهج بناء المفاهيم في الموسيقى، ينتقد القصور الملاحَظ آنذاك لدى المشائين والفيثاغوريين على حدّ سواء، لكنه لا يتنكّر لخصوبة الحدس الفلسفي لدى هؤلاء وأولئك؛ وقد كان ذلك ديدنه في علمي الفلك والبصريات.‬

‫أشرنا إلى أن النظرية الموسيقية كانت محلّ تنافس بين التقليد الفيثاغوري (والأفلاطني) والتقليد المشائي. ثم حصل تلاقح بفعل تقدّم النظر والجدل، كما هو الشأن في الميادين الفلسفية والعلمية المختلفة. وعلى يد كْوَنْتِلْيان وبطلميوس، ترسّخت علمية الموسيقى عبر دمج نقدي لتراث السابقين وازداد نضجها. كتب ناشر كتاب بطلميوس في الموسيقى: “في حقل الهَرْمونيا، الذي كان علماً قديماً يشتمل على الموسيقولُجيا وعلم السمعيات والرياضيات والفزياء والفلسفة والتنجيم، ينتمي بطلميوس، بجانب اَرِسْتُكْسين واَرِسْتيد كْوَنْتِلْيان إلى الثلاثي الأكثر أهمية من النُظّار الإغريق القدماء الذين في حوزتنا بعضٌ من مؤلَّفاتهم.”24 وبديهي أن التراكم الذي حصل في كافّة العلوم، حصل مثله في الموسيقى.‬

‫حقّاً، يشكّل بطلميوس لحظة بارزة في تطوّر الفكر العلمي. فكتابه في علم الفلك ظلّ موضوع مناقشة خلال خمسة عشر قرناً تقريباً، يحاول العلماء هضمه وتجاوز ثغراته. وكتابه في البصريات ظل المرجع الأساس في الميدان إلى أوائل القرن الحادي عشر، عندما استوعبه ابن الهيثم ومدّد إنجازاته وتجاوزَه. كما كتب في الجغرافيا والتنجيم والنظرية الموسيقية، ثم نظرية العلم، بنفس الحرص على الضبط العقلي. يفتتح كتابه كما يلي: ”الهَرْمونيا وظيفة إدراكية للاختلافات في الأصوات بين المرتفع والمنخفض؛ والصوت هو شرط الهواء المقروع – العنصر الأوّل والأساس الأوّل لما هو مسموع. والمقياس في الهرمونيا هما السمع والعقل، لكن ليس بنفس الطريقة: السمع هو المقياس للمادة والشرط، في حين أن العقل هو المقياس للصورة (الشكل) والسبب (العلّة). هذا لأن، بعبارة عامّة، اكتشاف ما هو تقريبيّ وتقبّل ما هو مضبوط هما خاصّيتان للإدراك؛ بينما تقبّل ما هو تقريبي واكتشاف ما هو مضبوط هما خاصّيتان للعقل.”25 فالهرمونيا عنده علم يؤلِّف بين دراسة الصوت وتنزيل المقاييس العقلية في التقسيم والترتيب، وهو ما يقتضي دمجاً بين التجريب والصياغة الرياضية، كما هو الأمر عنده في الفلك والبصريات. ولهذا ينتقد بطلميوس الفيثاغوريين في كونهم طبقوا النِسب العقلية على أصوات دون إخضاعها للفحص، وينتقد الأرستكسينيين في كونهم عوّلوا على الإدراكات وأساءوا التقعيد العقلي بالأعداد.26 بينما يؤكد على أن الدراسة العلمية للصوت تقتضي تقطيعاً وتصنيفاً للقرع والضرب والهواء في القرب والبعد، عبر استعمال القيم والنسب العددية. وفي نظره، أن التقليدين أخطئا في تبيّن جانبي التجريب والرياضيات في الموسيقى. حيث كتب: ”في ضوء هذه البراهين، يجب على المرء انتقاد الفيثاغوريين، لا لاكتشافهم للنِسَب في توافق الأصوات (الأنغام)، إذ كانوا محقّين في ذلك، إنما لبحثهم في الأسباب حيث فشلوا في الفوز بهدفهم. وعلى المرء، من جهة أخرى، أن ينتقد الأرستكسينيين بما أنهم لم يوافقوا على كون تلك النِسَب بيّنةً، وعندما رفضوها قاموا ببحثهم في سبيل نِسَب أسلم رغم وعْدهم بالقيام بدراسة نظرية للموسيقى.“27 وفي نظره، التجريب والتكميم والصياغة الرياضية شروط في التناول العلمي لا محيد عنها، وكلا التقليدين فشلا في بلوغ المستوى المطلوب في ذلك. وكتب: “فإذن، يبدو أن الفرق بين الارتفاع والانخفاض في الأصوات نوع من الكمّيّة، وأكثر من ذلك، حاصل عدم تساوي المسافات من ما هو مقروع (منقور) إلى الذي يَقرع (ينقر).“28‬

‫وكتب معاصره الرياضي الفيلسوف نِقوماخُس الجرشي (وف ح 150 بعد الميلاد) في نظرية العدد كما كتب في الموسيقى. كتابة الجرشي تتميّز بكونها، وإن كانت رياضية في الصميم، تهتمّ بالجانب التطبيقي والصوتي للموسيقى. حيث يقسّم الصوت البشري إلى نوعين مرتبطين بنفس الجنس: متّصل ومنفصل؛ الصوت المتّصل لا تتميّز لحظاته بتوتّر ملحوظ، مثل الكلام العادي، بينما المنفصل يتميّز بتغيّر في التوتّر، لأن التغير هو ما يجعله قابلاً للترتيب حسب الحدّة والثقل والفواصل ضمن الصوت الغنائي.29 ويرى الجرشي أن أسماء الأصوات مقتبَسة من الأجرام السماوية السبعة حيث تختلف الأصوات على قياس اختلاف الأجرام السماوية من حيث الحجم والسرعة والموقع.30 وهو يرى أن الأصوات تُمدَّد بتصرّف عبر استعمال الآلات المختلفة؛ “في حال الآلات الوترية، تُنتج التوتّرات الأكبر والأقوى أصواتاً أكبر وأكثر حدّةً، وتنتج التوترات الضعيفة الأصوات الأكثر بُطئاً والأثقل.”31 وكما أن الأصوات تختلف، فقد صُنِعت الآلات المختلفة لأداء مختلف الأصوات، وأيضاً من أجل إبراز درجات فيها. “على النقيض، في الآلات الهوائية، تُنتج التجاويفُ الأكبرُ والأطوالُ الأكبرُ صوتاً بطيئاً ومنخفضاً، إذ ينفلت الريحُ في الهواء المحيط بعد أن يكون قد أنفق (صرَف وبذل) توتّرَه على مدى مسار طويل؛ فهو يضربه ويحرّكه بأسلوب خفيف (بالكاد محسوس)، وبالتالي يكون الصوت المحدَث ثقيلاً.”32 فالتناسب الحسابي يتجسّد في الصوت ويتدرّج طبق قوّة الضرب والنقر.‬

‫وبعد الإقبال على الكتابة باللغة اللاتينية، اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، حاول بعض المهتمّين الكتابة بها، لكن لغة الموسيقى ظلّت في أغلبها يونانية؛ فكانت صعوبة الانتقال. “[…] في (وبحُكم) الواقع، ستظل الموسيقى تُعتبَر علماً صعباً محفوظاً للمختصّين الذين يعقّلون (يفكّرون) باللغة اليونانية؛ وفيما يخصّ السلطات، لا تتطوّر إلّا بالكاد، وتكتسب، بحُكم هذا التباعد الزمني النامي، وضعَ أساطير بالحقيقة.”33 فرغم تغيّر السياقات الثقافية نسبياً، ظلّت المفاهيم الأساسية للعلوم على نظامها، وإن خفتَت الفاعلية العقلية في العلوم خلال الحكم الروماني.‬

2 تراكم مؤذن بتحوّل

‫يقيم مارْك كْوَنْتِلْيان (كْوَنْتِلْيانُس) مقارنات بين البراعة في الفصاحة وما يجري به الأمر في الرياضة واستعمال الآلة الموسيقية؛ ويؤكد على دور حركات اليدين والرجلين والصدر، بالانسجام مع نبرة الكلام المتهيئ للتأثير على (وفي) المتلقّين.34 وينبّه إلى أن على الخطيب التوفيق بين كل هذه العناصر وما يمليه الظرف المخصوص من تجويد في الأداء. لذا تحتلّ الموسيقى مكانة متميزة في فكر كْوَنْتِلْيان، حيث يعتبر انشغاله بها استئنافاً عادياً لممارسة ثقافية وفكرية ظلت تحظى باهتمام المفكرين؛ كما يرى أن القدماء مارسوا الموسيقى في شعائرهم للاحتفاء بنظام الكون وبالآلهة والأبطال. ويأخذ بالفكرة الأساسية التي أخذ بها مستأنِفوا الفكر الفيثاغوري، ألا وهي أن “الكون بالذات منظَّم في صورة هيئة عقلية.“35 فكانت الموسيقى تحضر في الاحتفاء بالوجود ثقافياً واجتماعياً، لما تضفيه من ترتيب عقلي ووجداني على الأنفس. ولهذا، يؤكد كْوَنْتِلْيان ما راج لدى أجيال من الأدباء والمنظِّرين قبله: “كان الشعراء النوابغ يقرّون بأنه كان يُغنَّى برفقة القيثارة في مآدب الملوك“.36 إذ كان الغناء ممارسة للتعبير عن الفرحة والحزن، كما كان علامة عن الولاء والخدمة والمشاركة في ترسيخ الهرمية المجتمعية، في مثل هذه اللقاءات.‬

‫ويعتبر كْوَنْتِلْيان الموسيقى في ترابط مع الدراسات المجاورة، وحتى مع التي تبدو بعيدة عنها؛ مثلاً، يعتبر الموسيقى في علاقة مع النحو؛ حيث كتب: “زيادة على ذلك، فبدون الموسيقى لا يمكن أن يكون تعليم النحو تامّاً، بما أن على المدرّس أن يعرّج على الأوزان والإيقاعات؛ وإذا كان يجهل علم الفلك لن يفهم الشُعراءَ […].“37 ويشير إلى أن الموسيقى والنحو لم يكن بينهما انفصال، بل إن النحو عُدّ من طرف اَركيتَس واِڤينُس جزءاً تابعاً للموسيقى.38 ومن هنا ضرورة تكوين الأطفال في الموسيقى منذ نعومة أظافرهم، من أجل نحت شخصية قوية؛ إضافة إلى أن “معرفة الموسيقى ضرورية لرجل الدولة.“39 لكن، وهو ما سبق لأفلاطُن أن نبّه عليه، فإنه يتحفظ من أصناف الموسيقى التي تتوجّه إلى العامّة، وتحفّزها على ممارسات مشينة. ”إنما، عليّ أن أصرّح بوضوح أمام الملأ أنني لا أوصي بموسيقانا الحديثة […].“40 بديهي أن الذوق الجمهوري يقف عند الإدراك الحسي المبتذل، ولا يرقى إلى تبيّن التناغم العقلي لمكوّنات المنسوج الفنّي.‬

‫في شكلها المألوف آنذاك، كانت الموسيقي بالنسبة للإغريق مُركّباً مستوياً سلساً من موسيقى الآلة والكلمة الشِعرية والحركة الجسدية المؤدّاة على المسرح والمرتَّبة في نظام؛41 وطبعت عمق حياتهم المجتمعية والثقافية. “شكّلت الموسيقى (mousikē) الطريقة التي يعيش عليها الأفراد والجماعات ويسعون إلى إعادة إنتاج أنفسهم. فكانت الواسطةَ التي من خلالها تطوّرت مثالات (مناويل) السلوك وترسّخت […].”42 كما كانت الموسيقى واسطة لتعيش المجتمعات ذاكرتها وتستحضر ماضيها خدمة لاستمرار وجودها واحتفاءً به. وقد مثّل الموسيقيون البارعون طرفاً في مسار التفاوض مع أصحاب السلطة في اَثينا في شأن الشؤون العمومية. “بيد أن اَثينا الكلاسيكية طوّرت ثقافتها الموسيقية في اتّجاهات يظهر أن جهات أخرى من المناطق الإغريقية لم تسر عليها.”43 فتميّزت البيئة الأثينية بما توفّره لساكنتها ولمن يأتي إليها من خارجها من أسباب الرفاهية؛ كما كانت الموسيقى نمط حياة ثقافية تستقطب الاهتمام، وتهذّب الذوق وتشحذ الفاعلية الفكرية في مختلف الميادين. “بدون أي شك، فإن السمة الجليّة والمتفرّدة للثقافة الموسيقية لأثينا كامنة في تطوّر (مسرح) الدراما وترقيتها، خاصة (قسم) المأساة.“44 وهكذا، بحكم تحليل الأصوات وتكميمها، تكوّنت الموسيقى كعلم وفن، وكلاهما على ترتيب فلسفي منفتح. وبهذه الفاعلية تبيّن للنخبة المفكرة أن الموسيقى تساهم في مهمّة الفهم وتقوية ملَكة الفرز.‬

‫لقد انتبه جل الفلاسفة إلى أهمية التعبير بالحساب والنِسب، لأنه يوجّه ’العقل‘ نحو الانتظام في ترابط الظواهر وحدوثها. فالربط، بناءً على علاقات عددية، عملية تحصر صيغ الترابط بين الأشياء المتنوعة، وتقيّدها في معادلات لا تعرف انزلاقا، بالإضافة إلى أنها تمكّن من استنتاج المعارف الجديدة عبر إنجاز عمليات مضبوطة، حيث تتم ترجمة الترابط بين الوقائع إلى نموذج علاقي رياضي، فيكون حل العملية الرياضية تعبيراً وفياً عن ذلك الترابط الواقعي. والذين قالوا إن الرياضيات هي المفتاح الأساسي لفهم العالَم لم يبالغوا في شيء. غير أن تناول موضوعات العالَم بلغة الرياضيات تتخذ صيغاً مختلفة: فقد يكون التناول ظاهرياً فقط، مثل ما يفعل أصحاب التنجيم والطلسمات، وقد يكون لِتفعيل الرياضيات دورٌ توليديّ موجِّه قصد تأطير معطيات الانتظام الطبيعي حسب مقدّرات الانتظام الرياضي، مثل ما يفعل أصحاب الفزياء والفلك؛ وقد يمزج البعض بين آليات متنوعة، مثل ما يفعل الفلاسفة والفنانون. إنما، رغم تنوّع الاستخدام هذا، تبيّنت ملامح ترابط معرفي وقيمي بين تصوّر العالَم والقيمة الجمالية في كل الأنسجة الثقافية. لكن لدى الإغريق، أصبح التصوّر يفكَّر فيه بعبارات صريحة، كما أن الإنتاج الأدبي والفني تزايد عبر المزج بين الشفوي والكتابي والمتخيَّل عندهم. فنسجت روابط بين مختلف الأشكال التعبيرية قائمة على التماثل والتناسب، وهو ما يسمح بالانتقال بين أركان المعرفة والقيمة والذوق. بل إن النُّظّار نبّهوا آنذاك على الروابط الوثيقة بين فروع الفكر المتنوعة.‬

‫في بداية كتابه في هندسة المعمار، يعتبر مرقُس ڤِتْرُڤْيُس (وف 15 ق م) أن الهندسة المعمارية علم مرتبط بالرياضيات والفلسفة والفنون وفروعها، وأن على المهندس المعماريّ الاطّلاع عليها ليجعل من نفسه مبدعاً حاذقاً وكريماً؛ كما عليه اكتساب معرفة بقواعد الموسيقى، “وعلى المهندس المعماريّ أن يفهم الموسيقى كذلك، لكي يقْدر على تحصيل معرفة بالنظرية القانونية والرياضية.”45 ويؤكد ڤِتْرُڤْيُس على تكامل العلوم والفنون، حيث يوجد “أساس مشترك للحوار”46 بين علماء الفلك والموسيقيين، كما بينهم والعلماء الآخرين. وربّما وصل تنوّع أساليب الموسيقى إلى درجة يصعب معها حتى تحديد قواعدها؛ وقد يكون هذا ما دفع ڤِتْرُڤْيُس إلى القول إن الموسيقى الهَرْمونية عِلم مبهم وصعب، خاصّةً بالنسبة للذين لا يعرفون اللغة اليونانية.47 وبفضل تعدّد التعبير فيها، تستعمل الموسيقى في كل مرافق الحياة المجتمعية، في المعرفة والتربية وتقوية الشخصية والعلاج. وتلتقي في الموسيقى عناصر من الفلسفة والعلم والفن والطب؛ وقد استعمل الطبيب هِروفيلُس (وف ح 255 ق م) الموسيقى لحساب النبض.48 وما يظهر من تباعد بين مجالات الفاعلية الإنشائية ينقشع متى غاص الناظر في الأسس الهيكلية التي تتفرع عنها الفاعليات المتنوعة. ولا يظهر لنا الاشتراك بين الموسيقى والمعمار حتى نغوص في التعرّف على الأسس المتماثلة في هيكلهما. فالمعمار إنشاء مرتّب لمواد، يقوم على العلاقات العددية وتناسب الأوزان كما هو الأمر في الموسيقى. هكذا شكّلت الموسيقى خيطاً رفيعاً تنعقد فيه أواصر الفلسفة والعلوم والفنون. وحتى التوجهات الفلسفية التي لم تولِ اهتماماً للموسيقى في البداية، صار بعضٌ من أتباعها، مثل فِلوديمُس الجداري الأبيقوري (وف ح 30 ق م)، يقول إنها فاعلية مناسبة للصداقة والسلوك اللطيف.49‬

3 الجمالية السمعية تكملة للجمالية البصرية

‫دراسة النبرات تتطلب تهيئةً فضائيةً وترتيباً زمانياً بواسطة تقديرات تكميمية، أي دمجاً منهجياً بين الحساب والهندسة والتقطيع التجريبي؛ ومن الصعب التمكّن من دمج متّسق تتداخل فيه هذه الإجراءات. ربّما من هذه الزاوية ينظر من يصف بناء اَرِستُكْسين بأنه غير علمي. “اَرِستُكْسينُس أكثر صعوبة للفهم من الرياضيين بسبب الطابع غير العلمي لمسلَّماته.”50 إن استناد اَرِستُكْسين على التجربة معطى مسلَّم به، لكن صاحب المقالة يصف تجاربه بالسيّئة. “يُعلن اَرِستُكْسينُس أنه يثق في أُذُنه وأنه يقدّم وقائع الموسيقى العملية.”51 وبالطبع، بما أن تقارير التجارب لا تبقى محفوظة نصّياً، يصعب الإتيان بحكم وثيق ونهائي في شأن دقّتها. وما من شك أن تلميذ اَرسطو حاول إيجاد اندماج منسجم بين الأشكال العقلية والممارسة التجريبية في الموسيقى؛ ويظل الارتباط بين الجانبين النظري والعملي أمراً نسبياً وقابلاً لإعادة التشكيل.‬

‫فلا تخفى ملامح ارتباط الموسيقى بمبادئ الهرمونيا النظرية حتّى إذا انطلقنا من الاعتبارات العملية في الموسيقى؛ لأن مقياس النضج في النغمة متعلّق بدرجة اقترابه من تحقيق التناغم الذي يطمح إليه الذهن، مُنشئ النغمة ومتذوّقها. ومن هذا الفهم كتب باحث: “الهرمونيا في الموسيقى ذات أصل في العدد، في حين أن القوانين الأساسية للكون كما هي معبَّر عنها في العدد تُحقِّق شكلها الملموس من خلال الهرمونيا الموسيقية. ولذلك يؤدي الفحص العلمي الدقيق للوقائع الفزيائية إلى المذهب الميتافزيقي الآخذ بتصوّر هرمونيا الأفلاك بكيفية لا مفرّ منها.”52 إنما تظل درجة الاتّفاق بين النظر والتجريب تقريبية، لأنها متوقفة على دقّة آلات التنفيذ وأجهزة القياس. ويسود الطابع التقريبي للرصد والتجريب حتى في العلوم ’الدقيقة‘، إضافة إلى الشرخ بين البناء النظري والمعطيات التجريبية، الذي يظل مسألة إبستمولُجية قائمة أبداً.‬

‫إن الطموح هو تحقيق مستوى ناضج لإشباع الذوق الراقي، لكن تحقيقه يتوقّف على عوامل لا حصر لها؛ فيظل الطموح رهيناً بالجهد العقلي المشروط بما هو متاح من إمكانيات. “لا يستطيع الموسيقيون والفلاسفة الانفلاتَ من الاقتناع بأن الهرمونيا الموسيقية لا تكمن في الجمال فقط، بل بأن على الجمال أن يصبح عقلياً، وأن على العقل أن يصبح جميلاً (جمالياً).”53 ولا يتمّ تدخّل الاعتبارات الفلسفية الفيثاغورية في مستوى الممارسة الموسيقية بالذات وفي الحين، بل تستحضر خاصّةً قبل الفعل الموسيقي وبعده، أي عند التهييء والأداء. فالذهن يطمح إلى تحصيل الأجمل، لكن الإنجاز مشروط. “ولهذا فالمذهب الفيثاغوري لا ينطبق على (وفي) فنّ الموسيقى، بل ينطبق على (وفي) ما يحصل قبل أن ينطلق صوت الموسيقى. (أمّا) التوافق الهرموني الذي سمّاه القدماء الإغريق توافق الأنغام فلا صلة له بإجراءات التأليف الموسيقي؛ بل إنه بالأحرى كان يوفّر الوصفة (المعيارية) العلمية للتوليف، الذي لا زلنا نتّبع (إلى الآن).”54 فإذن، كل تقييم للجهد العقلي والذوق الفني يجب أن يقوم على إدراك اللحظة التاريخية التي تؤطرهما ثقافياً وفكرياً. “هكذا فدراسة الموسيقى وقوانينها تنتمي على الوجه الصحيح إلى العلوم المهتمة بالأعمال البشرية، وتنتمي إلى العلوم المتعلقة بأعمال الطبيعة بكيفية عرَضية فقط. فليست الموسيقى من فعل أوتار القيثارة؛ إنها من فعل الموسيقيّ الذي يصمّم القيثارة ويصنعها ويلعب بها؛ ولا يستطيع هذا الموسيقي إلّا أن يعكس العالَم البشري الذي تحوّل تاريخياً والذي يشكّل مجرّد إطارٍ للفن الموسيقي.”55 المهمّ أن التأليف الموسيقي سار جنباً إلى جنب مع التأليف في الأسس النظرية وسبل الإنجاز الفعلي لمتطلّبات الذوق الراقي؛ وكل إنجاز، مهما يكن بسيطاً، يشكّل نقلة تاريخية.‬

‫لم يكن نِقوماخُس الجرشي عالِما من عيار اقليدس واَرخميدس، ولا مبدعاً في نظرية الموسيقى، لكنه نال التقدير من لدن معاصريه وممَّن بعدهم بفضل مرونته الفكرية وكفاءته التبليغية؛ حيث قورن بفيثاغورس واقليدس، وانتشرت كتاباته في الآفاق. وكتب في الموسيقى بأسلوب فيثاغوري-أفلاطني متفتح، يدمج بين التأمل والحديث عن الأوتار وعددها وعلاقة الكلّ بروح الكون.56 فكان لكتابته أثر لا يستهان به. انشغل نِقوماخُس بلمّ المتباين، وإيجاد التوسط بين المتباينات في مستويات متناسبة؛ حيث كتب: “الأشياء إنما هي عن تأليف الأشياء المتباينة المتضادّة. والتأليف بالجملة إنما يكون عن الأشياء المتضادّة؛ وذلك أن التأليف هو اتّحاد أشياء مختلفة منفقة والجمع بين أشياء منفردة بعضها عن بعض في الوهم […].”57 فإذا سار الصوت بنفس الوتيرة والحدّة لن يتهيأ لإبداع النغمة؛ لذا يجب نصب الفواصل بين الأصوات ليبرز التتابع بين الحادّ والثقيل، وبين الطويل والقصير، في ترتيب منسجم.‬

‫من هذه الحقبة، اِحتفظ التاريخ بكتابات أربعة موسيقيين إغريق؛ بينما ضاعت نصوص أخرى: اَرِسْتِد كْوَنْتِليان واَلِپْيُس وگودنس وباكيُس القديم. في رأي اَلِپْيُس تتكون الموسيقى من ثلاثة علوم مترابطة: الهَرْمونيا والنغمية والوزنية؛ والهَرْمونيا هي العلم الأوّلي الذي ترجع إليه الموسيقى، لأنها هي التي تميّز بين الأصوات الموسيقية وتكشف عن سماتها الخاصّة، وتهتمّ أساساً باللحن؛ واللحن يتكون من الأصوات والفواصل بينها وما يتعلق بها من أوزان مرتَّبة.58 والأصوات منها المستقرة ومنها المتغيّرة، ولكي تكوّن لحناً يلزم أن تترتّب مترابطة طبق قوانين. وفي ذلك كتب گودنس: الخطاب في موضوع الهَرْمونيا “يهتمّ بالأصوات والفواصل الزمنية والأنساق والأنغام وتغيير الأصوات، وأخيراً الترنيمة في كل أجناس الغناء. ومن يرغب في التحدّث عن هذه المواضيع يجب عليه أوّلاً أن يمرّن أذُنَه في شأن إدراك مضبوط عن طريق ممارسة تجريبية، ليتمكّن من التعرّف على المنسجم والمتنافر من بين الفواصل بين الأصوات (الحادة والثقيلة)؛ هذا لكي يتمكن عن طريق تبيّن خصائص الأصوات، من خلال الانضباط بواسطة تعقيل مسترسل، من اكتساب علمٍ شامل، بفضل تكامل التجربة والتعقيل.”59 فالشأن الموسيقي متعلق بالتكوين والتمرين، وليس للساذج أن يطمح إلى المشاركة في إنتاج المعنى ضمن هذا الميدان النظري ولا حتى إلى الفهم. أما باكيُس فيقدّم تعريفات أوّلية، قبل أن يمضي في توضيح أحوال الصوت بالرموز والأعداد؛ وينبّه على الاختلاف في تعريف بعض المفاهيم لدى النُّظّار، مثل مفهوم النغمة (rythme).60 ويُجمع هؤلاء حول فائدة دراسة الأصوات من خلال تقطيعها بين حادّ وخفيف (ثقيل)، وطويل وقصير، وما بين المستويين فواصل، وترتيبها إلى بسيطة أو مركّبة. ونظراً لمكانة الصوت في الحياة الاجتماعية والثقافية ودور ترتيب الأصوات في اللغات والنغمات، بدت الموسيقى بمثابة ترنيمة كسمولجية موهوبة من لدن ’الإله‘ أو بفعل انتظام ذاتي للكون. لذا ربط النُظّار بين التغنّي وأحكام السماء منذ فجر الفكر. وفي شعر مركُس مانِليُس (ق 1م) تمتزج الكسمولجيا بعلم الفلك والتنجيم: “اليوم تتهيّأ السماء لتستجيب لأولئك الذين يستكشفون أسرارها، وتحرص على الكشف عن كنوز السماء من خلال أغنية الشاعر.”61 بهذا الأسلوب تمتزج المعرفة بالاحتفاء بانسجام الكون، وبترتيب الشعائر والأحكام التي تتوخى تنظيم الحياة المجتمعية والثقافية في مؤسسات متراصّة.‬

‫يبدأ اَرِسْتِد كْوَنْتِلْيان (القرن الثالث الميلادي) كتابه في الموسيقى بالحديث عن أهميتها بالنسبة للإنسان خلال كل فترات عمره. “بخلاف (الفنون) الأخرى، فإن فائدتها ليست محصورة في موضوع واحد أو عند فترة زمنية قصيرة: إن كلّ محطة في الحياة، والحياة كلها، وفي كل فعل، يمكن تنظيمها بكيفية كاملة من خلال الموسيقى فقط.”62 وعنده أن التصوير والطب والرياضة والجدل أعمال تنفع الإنسان في جوانب معيّنة، لكنها قد تتسبب في مصائب بدون الموسيقى.63‬

‫واضح إذن أن في الموسيقى مكوّنات معرفية مرتبطة بمعرفة العالَم وشحذ ملكات الإدراك والتعرّف؛ عبّر عنها اَرِستِدْ كْوَنْتِلْيان في آخر كتاب له، بقوله: “إذن، يجب ممارسة الموسيقى وتعميق التكوين فيها، لأنها الشريك الأساسي لتلك التي أتحدث عنها، أي الفلسفة. ومن خلال النظر في هذين العِلمين، والتفكّر في وجود ألغاز صغرى تسمح بالوصول إلى أخرى أكبر، علينا أن نمنح لكل واحد منهما المرتبة والشرف اللذين يستحقانهما، والجمع بينهما ليشكّلا الزوج الأنسب والأصوب. فإحداهما (الفلسفة) ترفع كلَّ معرفة إلى اكتمالها، والأخرى (الموسيقى) من قبيل التكوين التمهيدي […] الموسيقى، بالتأكيد، تقدّم لنا أُسُس كلّ معرفة في حين تكشف لنا الفلسفةُ عن قِمم المعرفة.”64 وقد كان لهذا المنظّر للموسيقى أثر بالغ في الفكر بعد هذه الفترة.‬

‫في بداية كتابه في الموسيقى يسجّل اَرِسْتِد كْوَنْتِليان أن الموسيقى لم تكن لدى القدماء مجرّد اشتغال سطحي، بل كانت محلّ تقدير مكين؛ وأكثر من ذلك، حيث كانت تنال الإعجاب بدرجة فوق العادة لكونها مفيدة للعلوم وللعقل.65 واعتبر الموسيقى أهمّ من التصوير والطب والجدل، لما تتمتع به من مزيّة تطهيرية.66 ويؤكّد على تميّز الموسيقى بفضائل لا تتوفّر في غيرها. فكتب: “وحدها الموسيقى تعانق كل موضوع؛ فهي تمارس تأثيراً على مدى الحياة، تُغْني الروح بالأمور الجميلة التي من قبيل الكلّ المتناغم، وتهيّئ الجسد للإيقاعات اللائقة.”67 والروح بالذات انسجام هَرْموني، فمن الطبع أن يحصل له إحساس عميق وهو يستغرق في الإنصات إلى الموسيقى الجميلة المستثمرة للتناسب الرياضي الذي يعكس تناسب الكون.‬

‫ثم يؤكد اَرِسْتِد على كون الموسيقى عِلماً؛ وفي نفس الآن، يذكّر بكون الموسيقى فنّاً، بحكم ارتباطها بالإدراكات، والادراك فيها يبلغ مستوى عظيماً من الدِقّة.68 وللدقة في إدراك الأصوات ارتباط بتبيّن نظام حركات البدن في الرقص وفي الحركة المرافقة للإيقاع الموسيقي. ولهذا يصرّح بأن “مادّة الموسيقى هي صوت الحنجرة وحركة البدن. يصرّح البعض بأن صوت الحنجرة هو الهواء المقروع (المطروق)، وآخرون يرون أنها قرع الهواء؛ أولئك يحدّدون الصوت كجسم بالذات باعتباره هو الفاعل، وهؤلاء، وهو الأحسن، يحددونه باعتباره مفعول (حاصل فعل) الجسم. والحركة تنبني (تتأسس) على أزمنة مختلفة. وفي الواقع، فالزمن هو ميزان قياس الحركة والسكون.”69 ومن هنا، ينظر اَرِسْتِد كْوَنْتِليان في ارتباط الموسيقى بالشعائر والممارسات الثقافية، كما ينظر في فائدة الموسيقى التربوية. ويختم كتابه بإمكان أن يكون أغفل أفكاراً معيّنة، وأنه ساهم في شق طريق لمن أراد استئناف النظر وتجميع ما تراكم في مؤلَّف واحد.70‬

‫من جهته، فِكر افْلوطِن تأليف غني يجمع بين التوجهات الفكرية السابقة، خاصة فلسفة افلاطُن مطعَّمة بتنبيهات، مضمرة في الأعمّ، بفلسفة اَرسطو. ويندرج القول الأفلوطِني في الموسيقى ضمن تصوّره للجمال؛ حيث كتب فيه: “الجمال يخصّ بالأساس حاسة البصر؛ إنما تدركه الأذُن (يدركه السمعُ) أيضاً، في شكل تناغمٍ للكلمات وفي أنماط متنوعة من الموسيقى؛ إذ الألحان والإيقاعات جميلة أيضاً.”71 فالأنغام الموسيقية تفعل في الذهن وتجعله يرتقي في سلّم التجريد العقلي، لينتقل من العالَم الحسي إلى التبيّن العقلي لنظام الكون.‬

‫في نظر افْلوطِن، لا يتجلّى الجمال في المدرَكات المفردة من تلقاء نفسه، بل يتطلب نقلة عقلية من الجزئيات ونسج علاقات بينها لإنشاء وحدة منسجمة من التنوّع الكائن الذي تقع عليه الحواسّ. وفي ذلك كتب: “المؤلَّف وحده يمكن أن يكون جميلاً، وليس الجمال من نصيب أشياء غير ذات أجزاء.”72 فالجمال إذن من قبيل مبدأ عقلي لا يقبض عليه الذهن تلقائياً، بل هو نسج نظري وانخراط في عالَم تضبطه علاقات الانسجام المتعالي المتكون من الأشكال القابلة لأن تتألّف في وحدة منسوجة جميلة. وفي هذا المستوى لا يقف الأمر عند إدراك التشكّل الجميل للكون، بل يكون هذا الانخراط العقلي في عالَم الأفكار المتعالي سبيلاً إلى اكتساب الفضائل الإنسانية، بما يوفّره من تأمّل وفعل خيّر. إذ الجمال غير بعيد عن الطبيعة، بل هو منشور في كل جهة منها؛ لكنه ليس منتشراً مُعطى للحواس العضوية، بل يتجلى في تأمّل مملكة الأفكار التي عنها يصدر انسجام عناصر الكون بالذات. ثم إن الجمال الخالص يكمن في تجاوز الصيغ البسيطة التي تلبسها الجزئياتُ من الجمال، للسموّ بالروح إلى الجمال الإلهي الذي ينير الكون ككلّ. “إن الجمال بدون الوجود لا يمكن أن يوجد، ولا الوجود فارغاً من الجمال: فإذا غادره الجمالُ فقدَ الوجودُ شيئاً ما من ماهيته. والوجود مرغوب فيه لأنه متطابق (متماهي) مع الجمال؛ والجمال محبوب لأنه هو الوجود.”73 والوجود حقاً ذو طبيعة إلهية، لذا لا يمكن أن يكون الجمال الحق إلّا من قبيل الجمال الإلهي. “وهكذا، فالجمال من قبيل الإلهي ولا يأتي إلّا منه.”74 إذن، فالموسيقى التي تُعاش بالحواس انعكاس لهرمونيا أرفع هي التي تضع لها الخطاطة والقواعد التي تتجسّد عبرها. “هَرمونيات غير مسموعة بالصوت تخلق الهرمونيات التي نسمع، وتوقظ النفس من أجل الشعور بالجمال، وتُري لها ماهيةً من صنف آخر: إذ ليست مقاييس موسيقانا الحسية اعتباطية، بل هي محدَّدة من قِبَل المبدأ الذي شأنه السيادة على المادة والإتيان بالخطاطة إلى الوجود.”75 هكذا ترسّخت فكرة انخراط الموسيقى في تأمّل جمال الكون، وفي نفس الوقت كفاعلية تبني أشكالاً تعبيرية احتفاء بهذا الجمال الكوني، الذي قد يكون انعكاساً للجمال الإلهي. والكاشف عن ذلك، والمحاول إنجازه عملياً، هو البناء النظري المدرك لتركيب الكون.‬

4 الموسيقى ضمن ترتيب العلوم

‫عندما ظهرت المسيحية، ذهب جلّ معتنقيها إلى تحريم الموسيقى، أو على الأقلّ إلى الإعراض عن مظاهرها الاحتفالية. وحتى بعض النُّظّار المتفتحين نسبياً أبدوْا كثير تحفّظ من الغناء كما يمارس في مجالس وملتقيات الشراب والرقص. وكمثال، كْلِمِنْت الإسكندري (وف ح 215م) يتّحفّظ من المظاهر الشعبية للغناء وموسيقى العود، وما يرافقه من حركات بدنية؛ إذ كتب: “أُترك المزمار للراعي، والناي للناس الذين لديهم خوف من الآلهة وذوي نوايا لعبادة الأصنام. مثل هذه الآلات الموسيقية يجب إبعادها من حفلاتنا الخالية من الخمر، فهي أنسب للحيوانات ولطبقة من الناس ذات قدرة على التفكير أقلّ من الناس.”76 ويرى أن الغناء المحمود هو الذي يقرّب من اللّٰه، بينما لا يضرّ البوق في العبادة.77 وفعلاً، أخذ رجال الدين الملتزمين بهذا الموقف المتحفّظ من الموسيقى. بينما وقف بعضهم موقفاً أكثر تحفّظاً من موقف كْلِمِنْت، منهم لَكْتَنْت (وف ح 325م) الذي هاجم اَرِسْتُكْسين؛ إنما، وقف هذا الخطيب حتّى ضد فكرة كروية الأرض، رغم أنها تبرهنت منذ زمن بعيد.78‬

‫لكن، رغم المعارضة من قِبل بعض المتديّنين، لم ينقطع الاهتمام بالشأن الموسيقي، سواء في شقّه النظري-الهرموني، المندمج فلسفياً ورياضياً، أو في شقّه الفنّي، المندمج مع المعمار والسمعيات-الصوتيات الفزيائية والشعر الغنائي. وعند منتصف القرن الرابع للميلاد، أو بُعيده بقليل، وضع كَلْكِدْيُس شرحاً (تعليقاً) على تيماوس افلاطُن، يتبنّى فيه نظرية الهرمونيا الأفلاطُنية باعتبارها “المقياس الضابط لحدّة الأصوات”، واعتبار النغمة “علاجاً” لما يمكن أن يصيب طبيعة البشر.79 كما يربط الموسيقى بالشعر، إذ “يعلم الكلّ أن الشعر أب الموسيقى.”80 وعنده، كما عند افلاطُن، أن الموسيقى بشرية بقدر ما هي إلهية، حيث “يضيف أن الحركة الطبيعية للروح تستند على النغمات والمقاييس؛ وعندما تفقد الروح الأنغام والهرمونيا، بسبب اتّحادها مع الجسد، يسيطر النسيان لا محالة؛ وهذا هو السبب في كون أرواح (نفوس) العدد الأكبر تفقد الانسجام. والعلاج لهذا الخصاص، يقول، كامن في الموسيقى، لا تلك التي يبتهج بها العامّي، والتي، بحكم كونها توضع لأجل المتعة، تثير الرذائل أحياناً؛ أمّا الموسيقى الإلهية فإنها لا تفارق أبداً العقل والفكر […].”81 ومن هذا النظر، لا تصطدم الموسيقى بالروح الدينية، كما أنها لا تصطدم بالإنجاز الفعلي للنغم من خلال تشغيل أدوات مصنوعة للغرض المخصوص.‬

‫بُعيد كَلْكِدْيُس، برز مَرتيانُس كاپِلّا واُوغستين ومَكروب مؤثّرين في الفضاء الثقافي والفكري قبل منتصف القرن الخامس.82 لم يكن كاپِلّا مجدّداً في العلوم، لكن اهتمامه بالفنون الليبرالية (الحرّة)، بما فيها الموسيقى، ضمِن لها الاستمرارية على الأقل ضمْن النخبة المتعلّمة؛ حيث ألّف كتاباً في الهرمونيا يتحدث فيه عن “قوّة” أو أثر الموسيقى.83 ولم ينغمس مَكْروب في النظر بعمق في مسائل الموسيقى، بل ظل يكرر المتداول حول مكانة الموسيقى الفلسفية، حيث أشار إلى دورها في استمالة الذهن.84 أما اُوغُستين فأثره بارز في كونه أدمج الموسيقى في الحياة الروحية لرجل الدين المسيحي، رغم مناهضته لبعض جوانب الإرث غير المسيحي باعتباره تراثاً من الماضي الوثني.‬

‫يعود تكوين اُوغُستين في الموسيقى إلى فترة الشباب عندما كان يدرس في قرطاج. وبدأ يكتب كتابه في الموسيقى (ست مقالات) عند بداية عام 387م، أي مباشرة بعد اعتناقه للمسيحية وقبل التعميد؛ وأنهى كتابته عام 391م عند عودته إلى إفريقيا. ربما يدل هذا على امتداد اختياراته الفكرية بشكل متّصل، رغم تحوّله من المانوية إلى المسيحية عند نهاية عام 386م. وكتابات اُوغُستين في الموسيقى، وفي غيرها، تختلف من حيث عمق الرؤية، حسب ما إذا كان الغرض تعليميا، أو جدلياً أو فحصاً.‬

‫هناك في نظر اُوغُستين مَن تناول الموسيقى من غير استعمال منهجي للعلاقات التناسبية العددية؛ مثل “النظرية الهرمونية (التناغمية) الإغريقية غير-الحسابية التي تقتصر على المبادئ الموضوعة ضمن لغة معيّنة من النوتات، التي هي تجريدات من منطلق تجربة معيّنة منظَّمة، لكن ليست مكوِّنةً (مرتِّبةً) لتلك التجربة كما هو الشأن في النظرية الفيثاغورية.”85 فيرى اُوغُستين أن تتابع الأصوات يتخذ سبلاً عدّة، وليس كل تتابع يخلق نغماً؛ مثلما أن كل تتابع للأصوات لا يؤلّف كلمة دالّة. إن عمليات التقسيم والترتيب والتأليف التي يقيمها العقل، في الموسيقى كما في النحو، تصبح سلطةً للانفلات من التتابع العشوائي. كتب: “إن عقل الموسيقى، ومجاله يتمثّل في القياس العقلي والعددي للأصوات، يهتمّ بالمقطع فقط في هذا الموضع أو ذاك قصد تقييده أو تمديده حسب النسبة التي في قياساته.”86 إن قياس المسافات والحدّة والتكرار والتناوب هو ما يميّز متتالية صوتية ذات نغم من متتالية غير مضبوطة. “وهكذا، فإذا ميّزت بين ما تتطلّبه حاسة السمع وما تتطلّبه السلطةُ (المعرفة العقلية) فيلزم عن ذلك أنّ علينا أن نرى لماذا يستمتع الحسُّ أحياناً بأصوات طويلة أو أصوات قصيرة، وأحياناً لا يفعل ذلك.”87 هذا تأكيد على أن تحصيل النغمة يتوقّف على تقطيع وترتيب قائمين على حساب كمّي وهندسة للمسافات والحدّة بين متتاليات من الأصوات.‬

‫ويشير اُوغُستين إلى أثر العادة على الأذهان، حيث لا يقبل المتعوّد على رأي معيّن الأخذَ بفكرة جديدة، لأنها تشوّش على ما ألِفَه حتى لو كان رأياً خاطئاً. فكتب في باب الشعر مثلاً: “وعليه، فقياسه عقلياً، شيء ما غير مُواتٍ للأُذن، لكنه مواتٍ للذهن؛ هذه الواقعة تُميَّز من قِبل عقلٍ محقِّق وراسخ، لا بطريق الرأي غير العقلي. ولسنا أوّلَ من كشف عن هذا الأمر، إنما قد لوحظ قبل اليوم بكثير أن العُرف قد نما.”88 ويدعو إلى الإقبال على التعلّم والتكوين في هذه الأمور المعرفية ذات الشأن العظيم؛ إذ يرى أن في التعلّم تشتغل الذاكرة والتمرين من أجل إنشاء ترابطات والحفاظ عليها ونقلها من خبرة إلى أخرى. فيكون تعلّم العلوم والفنون سنداً أساسياً للإيمان وسبيلاً وثيقاً لتحصيل الطمأنينة والسعادة.‬

‫ويرى اُوغُستين أن الكون المخلوق بإرادة من أعلى، ومرتَّبٌ بنِسب مقدَّرة بين عناصر الأرض والسماء على أساس علاقات تناسبية تضمن النظام والوحدة؛ وحركات الأجرام تجري بانتظام، في أيام وشهور وسنين وقرون. “وبهذا الشكل تخضع الأشياء الأرضية للسماوية، وتنتظمّ دوراتُها معاً في تتابع متناغم من أجل قصيدة شعرية للكون.”89 بينما لا تقدّم لنا المعارف العامة المتعلقة بالحس إلّا عالَماً مضطرباً وبدون نظام؛ فلا نجاة من هذه المعارف الزائفة إلّا عبر التكوين الحِكمي والسموّ في تأمّل الذات الإلهية من خلال إدراك نظام الكون المنسجم. ويتوقّف الترقّي في الحياة العقلية على التعرّف على لبّ النظام المنسجم، ألا وهو العدد وما يتعلق به من مظاهر التناسب والتناظر والتساوي والتسلسل. فالمسافات والزمن والحركة والحدّة كيفيات نعقلها بالتكميم العددي. “[…] من خلال الأجسام المتحركة تُنتج (الأعدادُ) الأمور الجمالية للأزمنة. وبهذا الشكل تُجعَل الأعداد المستجيبة (الحسية) في تقابُل مع الأعداد ذات الصوت.”90 وفي جدلية التقدّم في اتّجاه الحقائق العقلية تتجسّد شبكات الأعداد في صيغ مرئية ومسموعة؛ وبهذا النزول تتجسد مظاهر الانتظام العددي والموسيقي في المجال المحسوس. فالعدد والنغم لا ينبثقان من تحت، بل يصدران عن فوق، ثم يتجسدان في الكون المادي ويجعلان فيه نظاماً. إذن، الأصل في الوجود هو السماء لا الأرض؛ وإدراك ذلك في غير متناول سجناء الأمور الجسدية التافهة. فينسج اُوغُستين بيتاً شعرياً في ذلك: “’اللّٰه خالق الكلّ‘ تتوافق مع تناغم العدد، لا فقط بالنسبة للآذان، لكن، أكثر من ذلك، تُمْتع الشعور الروحي في صدقها وشموليتها. ربّما، إلّا إذا كانت تحرِّكك – وهذا أقلّ ما يقال – بلاهةُ أولئك الذين ينكرون أن ينشأ أيّ شيء من لا شيء، حتى لو قيل إن اللّٰه تعالى هو من أنشأه.”91 وقد كان للثلاثة النُّظّار المذكورين أثر في تكريس اندماج الموسيقى في إطار المكوّنات الثقافية والعقدية للمجتمع المسيحي، رغم معارضة المتحفّظين؛ ثم أتى آخرون، منهم بوتيُس، يرتّبون الفضاء الفكري، جاعلين للموسيقى مكاناً بارزاً ضمنه.‬

‫يرى بوتيُس (وف 524م) في التعاطي للموسيقى ترويحاً عن النفس لتجنّب التوتّر، مع الحرص على انسجام تلك الموسيقى مع المبادئ الأساسية لآليات الخطابة؛ “يجب أن نحتاط لأن تنسجم آليات الخطابة على وجه صحيح مع أشكال موسيقانا المفضَّلة.”92 هذه المرونة في الحكم تأتي بعد تأليف كتاب مؤيّد للموسيقى ومرتّباً لأصنافها. وفعلاً، اصطفّ بوتيُس بجانب افلاطُن واَرسطو في اعتبار الموسيقى مكوّناً أساسياً في شخصية الفرد الناضج؛ ولاحظ تغيّر مفهوم الهرمونيا عبر الأجيال، واختلاف التقليدين الفيثاغوري والمشائي في ذلك؛ ورأيه يحتلّ مكانة مركّبة وسطى بين التقليدين.‬

‫سجّل بوتيُس حضور الموسيقى في مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية، في الفرح والقرح؛ كما لاحظ اغتناء مفهوم الهرمونيا وتعدّد التوجّهات ضمنه. ومن هنا ترتيبه للموسيقى في ثلاثة أصناف: “الأولى كُسْمُسيّة (كَونيّة)، بينما الثانية بشرية؛ والثالثة هي التي تقوم في بعض الآلات، مثل القيثارة بأنواعها أو آلات أخرى تخدم الميلوديا.”93 الموسيقى الكُسْمُسية منغرسة في التصور الفلسفي التناغمي للكون، ذي الأثر على النظام القيمي للوجود البشري؛ والموسيقى البشرية داخلة في المكوّن الروحي للبشر، بما فيها الطقوس الكنسية؛ والموسيقى الأداتية مرتبطة بالإنجاز العملي للتأليف للأنغام، الحاضرة في المناسبات الاجتماعية والأعياد الشعبية. وفي كل وضع، ليست الموسيقى مجرّد فعل يدوي، بل الأهمّ فيها هو التنظير العقلي.94‬

‫في تصوّر بوتيُس، تحتلّ الموسيقى مكانَها الراسخ المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعلوم الرياضية الأخرى، ولا تنفصل عنها، التي تكوّن معها ما أسماه “الرباعي”. “تخمّن الهندسة حول المقدار (الكمّ) الثابت (المتّصل)، بينما يسعى (علم) الفلك إلى معرفة المقدار (الحجم) المتحرّك؛ والحساب هو السلطة فيما يتعلق بالمقدار (الكمّ) المنفصل في حدّ ذاته، في حين أن الموسيقى خبيرة بوضوح فيما يتعلق بالمقادير (الكمّيّات) المرتبطة بمقادير (كمّيّات) أخرى.”95 والمقصود بالمقادير المرتبطة بمقادير أخرى هي العلاقات التناسبية بين كمّ المسافات بين الأصوات وبين مستويات حدّتها وثقلها. “(علم) الهرمونيا هي القوّة (العقلية، المعرفية) التي تزِن الفوارق بين الأصوات المرتفعة والمنخفضة عبر استعمال حاسّة السمع والعقل. إذ كان الحسّ والعقل، كما هو مُعتبَر، أدوات (آليات) خاصّة لحساب قوّة الهرمونيا. فالحسّ يدرك الشيء في شكل غير متميّز، ولكنه قريب من ذلك المتميّز؛ والعقل يمارس (يُعمِل) الحُكم فيما يخصّ الكلّ ويستكشف الفوارق القُصوى.”96 والموسيقى بهذا الاعتبار حاصل فاعليتي الحسّ والعقل؛ لكن العقل هو الذي يميّز ويوجّه، ويضفي سمات المرونة والاعتدال والاتّزان التي يجب أن تتوفّر في الاختيار والممارسة.97 ومن هنا يسجّل دارسٌ التوافق بين اُوغُستين وبوتيُس في حبّهما للصوت الفِزيقي للموسيقى، وتبنّيهما لدور الموسيقى في ممارسة العبادة، اعتباراً، كما رأى اُوغُستين، أن “الكلمات تستطيع أن تجد طريقَها إلى القلب والذهن بشكل أكثر فعالية إذا كانت مُغَنّاةً ممّا إذا كانت منطوقةً؛ إذ توجد ’قرابة خفيّة‘ […] بين الموسيقى والنفس.”98 فهذا اقتناع بأن كل الكلمات تصدر عن السماء، وتفعل في الأرض بحسب المجهود المبذول والأدوات المسخَّرة في تنزيلها من قِبل البشر؛ وعلى فرد أن يسمو بفكره وذوقه من الحسي إلى العقلي.‬

‫هكذا كان لما كتبه اُوغُستين وبوتيُس في الموسيقى الدور العظيم في ترسيخ الدرس الموسيقي في التقاليد الثقافية الغربية، كما كان ذا مكانة مرموقة في المجادلات الفكرية في أوساط النخبة. وربّما كان بوتيُس هو من نحت حدّ ”الرباعي“ (quadrivium) بجانب الثلاثي (trivium). والموسيقى تتفاعل مع الفريقين من الفنون السبعة. فكان لهذه الفنون السبعة الدور المخصّب للفاعلية العلمية والفلسفية في مؤسسات التعليم في اوربا.‬

‫وفي شروحهم وتعليقاتهم على كتابات اَرسطو، سار فِلوپونُس وسمپلقيُس مع المعلّم في اعتبار الهرمونيا بجانب البصريات والفلك في كونها بين الرياضيات والفزياء.99 ويمكن ملاحظة أنه رغم الاختلاف في التوجهات المذهبية في سياق تاريخي مطبوع بغلبة المؤسسة الدينية، ظلت الهرمونيا تُعتبر علماً من الرياضيات.‬

5 خاتمة

‫يتبيّن من خلال هذا العرض المقتضب أن الموسيقى كانت مكوّناً أساسياً ضمن ذلك التحوّل الفكري الشامل الذي تجلّى في مختلف مظاهر الفهم والمعمار والذوق والقول؛ إذ كانت تلتقي مع العلوم والفنون والفلسفة في أبنيتها المفهومية خلال قرون من التفاعل في البيئة اليونانية، وأنها عرفت خصوبة نظرية في أبعادها الثقافية المتنوعة. فلا يستغرب المرء أن جل العلماء والفلاسفة، حتّى العصر الحديث، اهتمّوا بالموسيقى.‬

‫فيحقّ القول إن الموسيقى ليست صنعة كمالية للترفيه السطحي أو الإخلال بالقيم، بل هي جزء أساسي من الحياة الثقافية والفكرية للأفراد والجماعات. وما من شك أنها شكّلت عنصراً هاماً في نموّ ملكة الفرز والتمييز؛ حيث تنسجم آليات البناء والتعبير ضمن منشآتها مع آليات العلوم والفنون والفلسفة.‬

بِبليوغرافيا

مراجع باللغة العربية

  • الفارابي، أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان. كتاب الموسيقى الكبير، تحقيق غطاس عبد الملك خشبه، القاهرة: دار الكاتب العربي، د. ت.

    • 检索谷歌学术
    • 导出引用
  • نِقوماخُس الجرشي. كتاب المدخل إلى علم العدد، ترجمة ثابت بن قرّة، نشره ولهلم كوتش اليسوعي، بيروت: المكتبة الكاثولكية، 1959.

    • 检索谷歌学术
    • 导出引用

مراجع بلغات أوربية

  • Aristoxène. Éléments harmoniques, trad. du grec par Charles-Émile Ruelle, Paris: Pottier de Lalaine, 1871.

  • Aristoxenus. The Harmonics of Aristoxenus, trans. Henry Stewart Macran, Oxford: Clarendon Press, 1902.

  • Augustine, Saint. On Music [De musica], trans. Robert Catesby Taliaferro, volume 4 of The Fathers of the Church, with The Immortality of the Soul, The Magnitude of the Soul, On Music, The Advantage of Believing, On Faith in Things Unseen, Washington, D.C.: Catholic University of America Press, 1947 & 2002, 153–379.

    • 检索谷歌学术
    • 导出引用
  • Barker, Andrew. Greek Musical Writings, vol. II: Harmonic and Acoustic Theory, Cambridge University Press, 1989.

  • Barker, Andrew. The Science of Harmonics in Classical Greece, Cambridge/UK & New York: Cambridge University Press, 2007.

  • Bélis, Annie. Aristoxène de Tarente et Aristote: Le Traité d’Harmonique, Paris: Klincksieck, 1986.

  • Boethius, Anicius Manlius Severinus. Fundamentals of Music, trans. of De institutione musica by Calvin M. Bower, ed. by Claude V. Palisca, New Haven & London: Yale University Press, 1989.

  • Boethius, A. M. S. The Consolation of Philosophy, trans. by David R. Slavitt, Cambridge/MA & London/Eng: Harvard University Press, 2008.

  • Bower, Calvin. ‘Boethius and Nicomachus: An Essay Concerning the Sources of the De institutione musica’, Vivarium, 16, 1978, 1–45.

  • Calcidius. Commentaire au Timée de Platon, édition & traduction de Béatrice Bakhouche, Paris: Vrin (2 tomes), 2011.

  • Cazden, Norman. ‘Pythagoras and Aristoxenos Reconciled’, Journal of the American Musicological Society, 2, 1958, 97–105.

  • Chadwick, Henry. Boethius: The Consolations of Music, Logic, Theology, and Philosophy, Oxford: Clarendon Press, 1990.

  • Clement of Alexandria, Christ the Educator, translated by Simon P. Wood, New York: Fathers of the Church, Inc., 1954, 130.

  • Flamant, Jacques. Macrobe et le néo-platonisme latin, à la fin du Ive siècle, Leiden: Brill, 1977.

  • Gevaert, François-Auguste. Histoire et théorie de la musique de l’antiquité, I, Gand: C. Annoot-Braeckman, 1875.

  • Guillaumin, Jean-Baptiste. ‘La musique grecque dans la latinité tardive’, in Encyclopédire: Formes de l’ambition encyclopédique dans l’Antiquité et au Moyen Âge, éd. par Arnaud Zucker, Turnhout/BE: Brepols, 2013, 303–322.

    • 检索谷歌学术
    • 导出引用
  • Hadot, Ilsetraut. Arts Libéraux et Philosophie dans la Pensée Antique, Paris: Vrin, 2005.

  • Lactantius, Lucius Caecilius Firmianus. Divine Institutes, translated by Anthony Bowen and Peter Garnsey, Liverpool/Eng.: Liverpool University Press, 2003.

  • Lichtfield, Malcolm. ‘Aristoxenus and Empiricism: A Reevaluation Based on His Theories’, Journal of Music Theory, 32, 1, 1988, 51–73.

  • Manilius, Marcus. Astronomica, trans. by George Patrick Goold, Cambridge/MA: Harvard U.P. & London: W. Heinemann Ltd., 1977.

  • Nicomachus of Gerasa. The Manual of Harmonics of Nicomachus the Pythagorean, trans. Flora R. Levin, Grand Rapids/MI: Phanes Press, 1994.

  • Nicomaque de Gérase, Manuel d’harmonie et autres textes relatifs à la musique, trad. par Charles-Émile Ruelle, Annuaire de l’Association pour l’encouragement des Études Grecques en France, 14 Année, 1880, 162–216.

    • 检索谷歌学术
    • 导出引用
  • Olivet, Antoine Fabre d’. La Musique expliquée comme science et comme art et considérée dans ses rapports analogiques avec les mystères religieux (œuvre posthume), publ. Par René Philipon, Paris: Édition de l’Initiation, 1896.

    • 检索谷歌学术
    • 导出引用
  • Philoponus, John. On Aristotle Physics 2, 226, 25–227,13, trans. By A. R. Lacey, London: Bloomsbury Academic, 2013.

  • Plotin. Ennéades, trad. fr. Marie-Nicolas Bouillet, Paris: Hachette, t. 1, 1857–1861.

  • Plotinus, The Enneads, trans. By Stephen MacKenna, abridged by John Dillon, Penguin Books, 1991.

  • Plutarque. De la musique (Peri Mozeikae), éd. de Henri Weil & Th. Reinach, Paris: Ernest Leroux, 1900.

  • Ptolemy. Harmonics, translation and Commentary by Jon Solomon, Leiden•Boston•Köln: Brill, 1999.

  • Quintiliano, Arístides. Sobre la música, trad. esp. de Luis Colomer y Begoña Gil, Madrid: Ed. Gredos, 1996.

  • Quintilien, Aristide. La Musique, Traduction et Commentaire de François Duysink, Genève: Librairie Droz, 1999.

  • Quintilien, Marcus Fabius Quintilianus. Institution Oratoire, livre I, Paris: Les Belles Lettres, 2012.

  • Quintilien. Institution Oratoire, livres II & III, Paris: Les Belles Lettres, 2003.

  • Robertson, Alec & Denis Stevens (eds.). The Pelican History of Music, I: Ancient Forms to Polyphony (1960), Penguin Books, 1978.

  • Ruelle, Charles-Émile. ‘L’introduction Harmonique de Cléonide et La division du canon d’Euclide le géomètre’, Revue des Etudes Grecques, 17, 1883, 261–326.

  • Ruelle, Charles-Émile. Alypius – Gaudence – Bacchius l’Ancien, par, Paris: Imprimerie Nationale, 1895.

  • Russo, Lucio. The Forgotten Revolution: How Science Was Born in 300 BC and Why It Had to Be Reborn (1996), transl. from the Italian with the collab. of Silvio Levy, Berlin•Heidelberg• New York: Springer, 2004.

  • Simplicius. On Aristotle Physics 2, 294, 27–29, trans. by Barrie Fleet, London: Bloomsbury Academic, 2013.

  • Stahl, William Harris. Martianus Capella and the Seven Liberal Arts, vol. 1, New York and London: Columbia University Press, 1971.

  • Théon de Smyrne. Des connaissances mathématiques utiles pour la lecture de Platon, in Œuvres de Théon de Smyrne, trad. par J. Dupuis, Paris: Librairie Hachette, 1892.

  • Theon von Smyrna. Mathematik für die Platonlektüre: Griechisch und Deutsch, Herausgegeben von Kai Brodersen, Darmstadt/D: Wissenschaftliche Buchgesellschaft, 2021.

  • Vitruve, Marcus Vitruvius Pollio. Les dix livres d’Architecture, éd. par E. Tardieu et A. Coussin Fils, Paris: E. Tardieu et A. Coussin, 1837.

  • Vitruvius. The Ten Books on Architecture, trans. M. H. Morgan, New York: Dover, 1960.

  • Winnington-Ingram, Reginald Pepys. ‘Aristoxenus and the Intervals of Greek Music’, The Classical Quarterly, 26, 1932, 195–208.

  • Wootton, David. The Invention of Science: A New History of the Scientific Revolution, New York: Harper Collins Publishers, 2015.

1

‫هذه المقالة امتداد لمقالتنا المنشورة في العدد الأول من هذه المجلة، ص 70–96. أشكر السادة المحكّمين، حيث كانت ملاحظاتُهم مفيدة ومغنية. وما بقي في البحث من عيوب، فذلك منّي.‬

2

Andrew Barker, The Science of Harmonics in Classical Greece, (Cambridge/UK & New York: Cambridge U.P., 2007), 19–20.

3

A. Barker, The Science of Harmonics in Classical Greece, 263.

4

‫وفي ذلك كتب الفارابي: ”وقد تبيّن أن كثيراً ممّن يُنسب إلى البراعة في هذا العلم من القدماء لم يكونوا مُرتاضي الأسماع في جميع ما هو طبيعيّ للإنسان من النغم والألحان، مثل بطليموس التعاليمي، فإنه ذكر في كتابه في الموسيقى أنه لا يحسّ بكثير من ملائمات النغم، وأنه إذا أراد امتحانَها أمَرَ الموسيقيَّ الحاذق المرتاض بامتحانه له. ثم ثامسطيوس المشهور بالبراعة في الفلسفة، وهو أحد أجلّة أصحاب ارسطوطاليس ومن المتبحّرين في مذهبه، قال نصاً هكذا: ”إني أعلم ممّا تعاطيتُ من التعاليم أن النغمة التي تسمّى المفروضةَ موافقةٌ للتي تسمّى الوُسطى، ولا أحسّ باتفاقهما لقلّة ارتياضي بهذا الباب“. […]‬

‫وأيضاً، فإن اَرسطوطاليس قد قال في أنالوطيقي الثانية ”إن كثيراً ممّن يتعاطى النظر في الكليات لا يحسّ بالجزئيات، لأن ذلك إنما يُحتاج فيه إلى قوّة أخرى غير قوّة العلم بالكليات؛ مثال ذلك صاحب الموسيقى النظريّ، فإنه ربّما لم يكن عنده معرفة كثير ممّا في علمه من طريق الحسّ وإن كان قد عرفه في علمه.“ كتاب الموسيقى الكبير، (تحقيق غطاس عبد الملك خشبه، القاهرة: دار الكاتب العربي)، 102–105.‬

5

Lucio Russo, The Forgotten Revolution: How Science Was Born in 300 BC and Why It Had to Be Reborn (transl. from the Italian with the collab. of Silvio Levy, Berlin•Heidelberg•New York: Springer, 2004), 228.

6

Aristoxène, Éléments harmoniques, (trad. du grec par Charles-Émile Ruelle, Paris: Pottier de Lalaine, 1871), 2–9; The Harmonics of Aristoxenus, (trans. by Henry S. Macran, Oxford: Clarendon Press, 1902), 165–168.

‫ولد اَرِسْتُكْسين حوالي 355 قبل الميلاد، وتعلّم على يد مدرّسين من تقاليد فكرية عدّة، لكنه، بحكم التلمذة، اقترب من توجيه اَرسطو أكثر؛ توفي حوالي 300 ق م. له مؤلفات عدّة في الموسيقى، ضاع أغلبها. وكتابته ذات أصالة، لأنه لم يقف عند تقليد المتاح له من الأفكار. بل لم يتبع حتّى اَرسطو في كل جوانب فكره الواسع الأطراف. والأمر عادي، إذ لا أحد من التلاميذ، اَرِسْتُكْسينُس وتوفْرَستُس وسْتراتُن وديكِرخُس واُوديمُس (Ἀριστόξενος, Θεόφραστος, Στράτων, Δικαίαρχος, Eudemoς)، تبع المعلّم الأوّل في تفاصيل أفكاره. فالدينامية الفكرية المجدِّدة الشاملة عند أواخر القرن الرابع قبل الميلاد لا تشجّع على الاتّباع السلبي للمعلّمين.‬

7

Aristoxène, Éléments harmoniques, 4; The Harmonics of Aristoxenus, 166.

8

Lucio Russo, The Forgotten Revolution, 148.

9

Norman Cazden, 1958, (in Malcolm Lichtfield, ‘Aristoxenus and Empiricism: A Reevaluation Based on His Theories’, Journal of Music Theory, 32, 1, 1988), 51.

10

Ingemar Düring, 1956, (in Malcolm Lichtfield, ‘Aristoxenus and Empiricism: A Reevaluation Based on His Theories’), 51.

11

‫قريب من الرأي الذي عبّر عنه صاحب المقالة عن اَرِسْتُكْسين والتجربانية، لكن ليس مطابقاً له.‬

Malcolm Lichtfield, ‘Aristoxenus and Empiricism: A Reevaluation Based on His Theories’, Journal of Music Theory, 32, 1, 1988, 64.

12

‫نِيقوماخُس الجاراسيني، كتاب المدخل إلى علم العدد، (ترجمة ثابت بن قُرّة، نشره ولهلم كوتش اليسوعي، بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1959)، 16، 18، 93، 105.‬

13

A. Barker, Greek Musical Writings, vol. II, 270–271.

14

A. Barker, Greek Musical Writings, vol. II, 271.

15

A. Barker, Greek Musical Writings, vol. II, 271–272.

16

J.-B. Guillaumin, ‘La musique grecque dans la latinité tardive’, (in Encyclopédire: Formes de l’ambition encyclopédique dans l’Antiquité et au Moyen Âge, éd. par Arnaud Zucker, Turnhout/BE: Brepols, 2013), 304.

17

J.-B. Guillaumin, ‘La musique grecque dans la latinité tardive’, 305.

18

J.-B. Guillaumin, ‘La musique grecque dans la latinité tardive’, 306.

19

A. Bélis, Aristoxène de Tarente et Aristote: Le traité d’harmonique, Paris: Klincksieck, 1986, 233.

20

A. Bélis, Aristoxène de Tarente et Aristote: Le traité d’harmonique, 236.

21

Cléonide, L’introduction Harmonique, (éd. par Charles-Émile Ruelle, 1883), 276–301.

22

F.-A. Gevaert, Histoire et théorie de la musique de l’antiquité, I, 12.

23

A. Barker, Greek Musical Writings, vol. II, 270.

24

Jon Solomon, ‘Introduction’ to Ptolemy’s Harmonics, xxiii.

25

Ptolemy, Harmonics, trans. by Jon Solomon, 2–4.

26

Ptolemy, Harmonics, trans. by Jon Solomon, 8–9.

27

Ptolemy, Harmonics, trans. by Jon Solomon, 28.

28

Ptolemy, Harmonics, trans. by Jon Solomon, 13.

29

Nicomaque de Gérase, Manuel d’harmonie et autres textes relatifs à la musique, (trad. par Ch.-É. Ruelle, Annuaire de l’Association pour l’encouragement des Études Grecques en France, 14, 1880), 172–173.

30

Nicomaque de Gérase, Manuel d’harmonie et autres textes, 174–175.

31

Nicomaque de Gérase, Manuel d’harmonie et autres textes, 177.

32

Nicomaque de Gérase, Manuel d’harmonie et autres textes, 178.

33

J.-B. Guillaumin, ‘La musique grecque dans la latinité tardive’, 303.

34

Quintilien, Institution Oratoire, livre II et III; II, 12, (Paris: Les Belles Lettres, 2003), 68.

35

Quintilien, Institution Oratoire, livre I, 10, (p. 134).

36

Quintilien, Institution Oratoire, livre I, 10, (p. 133).

37

Quintilien, Institution Oratoire, livre I, 4, (p. 78–79).

38

Quintilien, Institution Oratoire, livre I, 10, (p. 135).

39

Quintilien, Institution Oratoire, livre I, 10, (p. 135).

40

Quintilien, Institution Oratoire, livre I, 10, (p. 138).

41

Penelope Murray and Peter Wilson, ‘Introduction’ to Music and the Muses: The Culture of ‘Mousikē’ in the Classical Athenian City, (eds. P. Murray and P. Wilson, New York: Oxford University Press, 2004), 1.

42

P. Murray and P. Wilson, ‘Introduction’ to Music and the Muses, 2.

43

P. Murray and P. Wilson, ‘Introduction’ to Music and the Muses, 3.

‫ويستمران: ”يمكن أن يُربط هذا التميّز بكيفية مثمرة بثقافتها السياسية (والاجتماعية) المتعلقة بالدِمُقراطية، وبحجمها المتّسع وبوضعها المتفرّد ضمن العالَم الإيجي الأوسع. (لهذا) أصبحت أثينا، في باب الأداء، المركزَ المهيمن على مدى القرن الخامس، ومكاناً انجذب إليه الشعراء والموسيقيون والممثلون والمتفرجون من العالَم الإغريقي وممّا وراءه، وجعل منها أيضاً مكاناً للتفكير النقدي والتبادل النابضين، حيث ازدهر التحليل النظري للموسيقى (mousikē) في مناخ عقلي متنوع، جنباً إلى جنب، وفي تنافس نشيط مع تيارات أخرى للفكر الاجتماعي والفلسفي.“ (3–4).‬

44

P. Murray and P. Wilson, ‘Introduction’ to Music and the Muses, 5.

45

Marcus Vitruvius Pollio, Les dix livres d’Architecture, (éd. par E. Tardieu et A. Coussin Fils, Paris: E. Tardieu et A. Coussin, 1837), 7; The Ten Books on Architecture, (trans. By Morris Hicky Morgan, New York: Dover Publications, 1960), 8.

46

Vitruvius, Les dix livres d’Architecture, 11; The Ten Books on Architecture, 12.

47

Vitruvius, Les dix livres d’Architecture, 223; The Ten Books on Architecture, 139.

48

David Wootton, The Invention of Science: A New History of the Scientific Revolution, (New York: Harper Collins Publishers, 2015), 66.

49

Philodème de Gadara, Sur la musique, livre IV, (étab. & trad. par Daniel Delattre, Paris: Les Belles Lettres (2 tomes), 2007), t. 1, 74, 79.

50

Reginald P. Winnington-Ingram, ‘Aristoxenus and the Intervals of Greek Music’, (The Classical Quarterly, 26, 1932), 195.

‫ويقول عنه أنه ”مؤلِّف غير علمي (أو لاعلمي)“؛ نفسه، 208. إنما قد يكون هذا الحكم متأثراً بالمناخ الوضعاني الذي ساد في الثلاثينات من القرن العشرين. بل تظل مسألة العلمية وغير العلمية مفتوحة للنظر والبحث على الدوام.‬

51

Reginald P. Winnington-Ingram, ‘Aristoxenus and the Intervals of Greek Music’, 200.

52

Norman Cazden, ‘Pythagoras and Aristoxenos Reconciled’, (Journal of the American Musicological Society, 2, 1958), 97.

53

N. Cazden, ‘Pythagoras and Aristoxenos Reconciled’, 100.

54

N. Cazden, ‘Pythagoras and Aristoxenos Reconciled’, 101.

55

N. Cazden, ‘Pythagoras and Aristoxenos Reconciled’, 105.

56

Flora R. Levin, ‘Introduction’ to The Manual of Harmonics of Nicomachus the Pythagorean, (trans. F. R. Levin, Grand Rapids/MI: Phanes Press, 1994), 13–27.

57

‫نِيقوماخس الجاراسيني، كتاب المدخل إلى علم العدد، (ترجمة ثابت بن قُرّة، نشره ولهلم كوتش اليسوعي، بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1959)، 89. وفي الترجمة الإنجليزية:‬

Nicomachus of Gerasa, Introduction to Arithmetic, trans. by Martin Luther d’Ooge, New York: The Macmillan Company, 1926, 259–260: “things are made up of warring and opposite elements and have in all likelihood taken on harmony – and harmony always arises from opposites; for harmony is the unification of the diverse and the reconciliation of the contrary-minded”.

58

Alypius, éd. Charles-Émile Ruelle, in Alypius – Gaudence – Bacchius l’Ancien, Paris: Imprimerie Nationale, 1895, 1.

59

Gaudence, Introduction Harmonique, (in Charles-Émile Ruelle, Alypius – Gaudence – Bacchius l’Ancien (53–102)), 54.

60

Bacchius l’Ancien, Introduction à l’art musical, (in Charles-Émile Ruelle, Alypius – Gaudence – Bacchius l’Ancien (103–140)), 134–135.

61

Marcus Manilius, Astronomica, (trans. by George Patrick Goold), 5.

62

Quintilianus, in A. Barker, Greek Musical Writings, vol. II, 400.

63

Quintilianus, in A. Barker, Greek Musical Writings, vol. II, 400.

64

Arístides Quintiliano, Sobre la música, (trad. esp. de Luis Colomer y Begoña Gil, Madrid: Ed. Gredos, 1996), 226–227; Aristide Quintilien, La Musique, (Traduction et Commentaire de François Duysink, Genève: Librairie Droz, 1999), 245–246.

65

Quintiliano, Sobre la música, 35; Quintilien, La musique, 19.

66

Quintiliano, Sobre la música, 36; Quintilien, La musique, 20.

67

Quintiliano, Sobre la música, 37; Quintilien, La musique, 20.

68

Quintiliano, Sobre la música, 42–43; Quintilien, La musique, 25.

69

Quintiliano, Sobre la música, 44; Quintilien, La musique, 26.

70

Quintiliano, Sobre la música, 227; Quintilien, La musique, 246.

71

Plotinus, The Enneads, (trans. by Stephen MacKenna, London: Faber and Faber Limited, n. d., I, 6 (p. 56)); abridg. (ed., Penguin Books, 1991), 45; (trad. fr. Marie-Nicolas Bouillet, Paris: Hachette, 1857), t. 1, 98.

72

Plotinus, The Enneads, I, 6, 56; abridg. ed., 46; trad. fr., t. 1, 98–99.

73

Plotinus, The Enneads, V, 8, 430; abridg. ed., 420; trad. fr., t. 3, 124.

74

Plotinus, The Enneads, V, 8, 433; abridg. ed., 424; trad. fr., t. 3, 131.

75

Plotinus, The Enneads, I, 6, 59; abridg. ed., 49; trad. fr., t. 1, 103.

76

Clement of Alexandria, Christ the Educator, (translated by Simon P. Wood, New York: Fathers of the Church, Inc., 1954), 130.

77

Clement of Alexandria, Christ the Educator, 131.

78

Lucius Caecilius Firmianus Lactantius, Divine Institutes, (trans. by A. Bowen and P. Garnsey, Liverpool University Press, 2003), 418–419.

79

Calcidius, Commentaire au Timée de Platon, (éd. & trad. Béatrice Bakhouche, Paris: Vrin, 2 tomes, 2011), 191.

80

Calcidius, Commentaire au Timée de Platon, 485.

81

Calcidius, Commentaire au Timée de Platon, 497.

82

‫هؤلاء الثلاثة متعاصرون، وأصلهم من شمال أفريقيا؛ لكن لكل واحد توجّه مخالف للآخر. كاپِلّا (Martianus Minneus Felix Capella)، المتوفى حوالي 428م، مفكّر مرِن لم ينغمس كليّة في الخلافات العقدية؛ ويقف مَكْروب (Flavius Macrobius Ambrosius Theodosius)، المتوفى عام 430م مهتماً بالآداب اللاتينية. بينما انخرط اُوغستين (Aurelius Augustinus)، المتوفى عام 430م، في الدفاع عن تأويل المسيحية الكاثولكي للكنيسة ضد كل المخالفين.‬

83

William Harris Stahl, Martianus Capella and the Seven Liberal Arts, vol. 1, (New York and London: Columbia U.P., 1971), 53–54, …

84

Jacques Flamant, Macrobe et le néo-platonisme latin, à la fin du ive siècle, (Leiden: Brill, 1977), 354–356.

85

Robert Catesby Taliaferro, ‘Introduction’ to Saint Augustine, On Music [De musica], (trans. Robert Catesby Taliaferro, volume 4 of The Fathers of the Church, with The Immortality of the Soul, The Magnitude of the Soul, On Music, The Advantage of Believing, On Faith in Things Unseen, Washington, D.C.: Catholic University of America Press, 1947 & 2002 (153–379)), 158.

86

Saint Augustine, On Music [De musica], II, 1, 207.

87

Saint Augustine, On Music [De musica], II, 2, 208–209.

88

Saint Augustine, On Music [De musica], V, 5, 305–306.

89

Saint Augustine, On Music [De musica], VI, 11, 355.

90

Saint Augustine, On Music [De musica], VI, 11, 356.

91

S. Augustine, On Music, VI, 17, 375–376: “Deus creator omnium.”

92

A. M. S. Boethius, The Consolation of Philosophy, (trans. by David R. Slavitt, Cambridge/MA & London/Eng: Harvard U.P., 2008), 28, 175.

93

Boethius, Fundamentals of Music, trans. of De institutione musica, 9.

94

Boethius, Fundamentals of Music, trans. of De institutione musica, 50–51.

95

Boethius, Fundamentals of Music, trans. of De institutione musica, 54.

96

Boethius, Fundamentals of Music, trans. of De institutione musica, 163.

97

Boethius, Fundamentals of Music, trans. of De institutione musica, 165.

98

Henry Chadwick, Boethius: The Consolations of Music, Logic, Theology, and Philosophy, Oxford: Clarendon Press, 1990, 86.

99

Philoponus: On Aristotle Physics 2, 226, 25–227,13, (trans. By A. R. Lacey, London: Bloomsbury Academic, 2013), 40. Simplicius: On Aristotle Physics 2, 294, 27–29, (trans. by Barrie Fleet, London: Bloomsbury Academic, 2013), 50.

内容统计数据

全部期间 过去一年 过去30天
摘要浏览次数 0 0 0
全文浏览次数 2803 587 101
PDF下载次数 1268 696 14