Save

تقديم

In: Philosophical Studies Journal
Author:
إبراهيم بورشاشن رئيس التّحرير

Search for other papers by إبراهيم بورشاشن in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close

‫يسر جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية أن تقدّم لعموم الباحثين والقرّاء، العدد الثاني من مجلة الدراسات الفلسفية، محتويًا على أربع من الأوراق البحثية وخمس من المراجعات النقدية لآخر الإصدارات في مجالات اهتمام المجلة.‬

‫جاءت الورقة البحثية الأولى بعنوان ”دفاعًا عن جماليات العصور الوسطى، أومبرتو إيكو وفكرة العمل المفتوح“ وفيها يعالج سامح محمد عطية الطنطاوي رؤية أومبرتو إيكو للأفكار الجمالية للقرون الوسطى في ضوء مفهومه الخاص الذي أبدعه؛ مفهوم ”العمل المفتوح“. ومفاد أطروحة الباحث في هذا الصدد أن الفن والجمال في القرون الوسطى سبيل ممتاز لفهم تلك العصور؛ ولكن من الضروري أيضًا دراسة فنون وجماليات الماضي، وربطها بالفنون والجماليات المعاصرة، مع الانتباه إلى أن لكل عصر من العصور طريقته فى تناول فنون عصره. وهذا ما جسّدته مقولة أومبرتو إيكو في كتابه ”الفن والجمال في القرون الوسطى“، التي افتتح بها الباحث ورقته: ”ستكون كل محاولة للخوض في التاريخ الجمالي للعصور الوسطي محاولة لمعرفة كيف كان مفكروها يفكرون، لا كيف نفكر نحن أو كيف يجب أن نفكر“. وبهذا تكون دراسة جماليات القرون الوسطى، دعوة للتّصالح بين أبعاد الزمن الثّلاث: الماضي والحاضر والمستقبل. واجه الباحث في دراسته التّساؤل التالي: ما موقف إيكو في ضوء هذه النّظرة المفتوحة للقرون الوسطى؟ وأجاب أن أومبرتو إيكو قدّم رؤيته الجديدة للفنّ والدّين والإحساس بالجمال في القرون الوسطى في إطار الفكر الهرمينوطيقي، رادًّا على مزاعم خلوّ هذه العصور من الفكر والتأّمل الفلسفيّ والأخلاقي والجمالي، مؤكدًا على ضرورة مراعاة السّياق الذي عاشت فيه وليس الحكم عليها من منطلق السّياق الذي نعيشه اليوم، مركّزاً على أنّ العصور الوسطى لم تكن عمياء تجاه القيم الأخلاقية والجمالية، كما تُجلّي ذلك خاصة مواقف أحد أعلام العصور الوسطى المسيحيّة؛ القدّيس توما الأكويني (1274–1225).‬

‫أما الورقة الثانية الموسومة بـ ”الموسيقى والأخلاق عند أبي نصر الفارابي: في إمكان الأخلاقيَّة الحرَّة من منظورٍ موسيقانيٍّ“، فقد تناول فيها سالم العيادي مسألة علاقة الموسيقى بالأخلاق من منظور محدّد؛ منظور اللَّذَّة الجمالية بوصفها كمالًا للإدراك. وسعى هذا البحث المهم إلى بيان الصِّلة بين الإستطيقا والإتيقا كاشفًا عن ارتباط الموسيقى بالحكم الأخلاقيّ القائم على ثنائيّة المحمود والمذموم والفضيلة والرّذيلة من جهةٍ أُولى، وعن إمكانيَّة التَّأسيس لأخلاقيَّة حرَّة بفضل اللّعب الموسيقيّ الحرّ المتحرّك في فضاء الوَلَعِ والوَلَهِ والعشقِ الجماليِّ، من جهة أخرى. وقد أظهر الباحث، من منظور اللّذّة الموسيقيّة، أنّ بعض المفردات الفلسفيَّة يمكن إعادة النّظر فيها وتعميق دلالتها مفهوميًّا وإشكاليًّا، وفي ذلك تكمن أهميَّة هذه الدّراسة من حيث منزلتها من الدّراسات الفلسفيَّة الموسيقيَّة من جهة، ومن الدّراسات الفارابيَّة من جهة أخرى؛ فبالنَّظر إلى فلسفةِ الموسيقى وجد الباحث أنّ المعلِّم الثاني يشكِّل في كتاب ”الموسيقى الكبير“ صورةً طريفةً وأصيلة لما يسمّيه ”صناعةَ الألحان“ وذلك من زاويةِ نظرٍ أخلاقيَّة لا تحاكم الجماليَّةَ بناءً على مفهوم الخير، ولا تراقب اللَّذَّة استنادًا إلى مفهوم الفضيلة، وإنَّما تسعى إلى بيان ما للَّذَّة المحض واللَّعبِ الخالص من دورٍ في استكمال الإنسان لإنسانيَّته. كما وجد أنه بالنَّظر إلى الدّراسات الفارابيَّة فإنَّ استئناف السَّؤال عن فلسفة الأخلاق عند الفارابي، على أرضيَّة المبحث الموسيقيّ، يمثِّل مدخلاً ممكنًا لإعادة النَّظر في المفاهيم الأساسيَّة، وعلى رأسها مفاهيم السَّعادة والفضيلة والحرّية. وقد انتهى المقال إلى التّأكيد أنَّ الأخلاقيَّة الحرَّةَ ممكنةٌ عند الفارابي من منظورٍ موسيقاني، أيْ في أفقٍ عمليٍّ ونظريٍّ يرفع ”صناعةَ الألحان“ والفنّ عمومًا، إلى مقام الباراديغم الّذي يمكن من خلاله مراجعةُ المذهب الفلسفيّ مراجعةً جذريَّة.‬

‫في صلة بالورقة السابقة، ولكن بالعودة إلى حقبة أقدم، نطالع في الورقة الثالثة، بعنوان ”الموسيقى فلسفة وعلم وفنّ“، بحثًا طريفًا لـ بنّاصر البُعزّاتي، عن الموسيقى، يصلها فيه بالتّحول الذي وقع في الرّياضيات والعلم الطّبيعي، حيث أصبحت الموسيقى مكوّناً أساسيًّا ضمن البرنامج التّكويني في مختلف التّقاليد الفكرية المتنافسة. ويحاجج الباحث أنّ الاختلافات الفلسفية والعقدية لم تقف حاجزًا في طريق تطوّر الموسيقى، لتشكّل الموسيقى ملتقى لتأمّلات فلسفية وعلميّة وفنّية. وتكمن أهميّة هذه الورقة في أنّها تثير انتباه الباحثين إلى أهميّة تاريخ الموسيقى في فهم تطوّر الفكر العلمي والفلسفي.‬

‫أما الورقة الرابعة فتتعلق بدراسة الباحثة فينيرا حولَ المخطوطات الطبيَّة العربيَّة في دار المخطوطات الأرمنيَّة ”الماتيناداران“، باسم ميسروب ماشدوتس، فهي دراسةٌ مهمَّةٌ أبرزت فيها الباحثة أنَّ مجموعة المخطوطات المكتوبة بالخطِّ العربيِّ المحفوظةِ في ماتيناداران في يريفان – المستودع المعروف رسميًّا باسم مؤسسة معهد مسروب ماشتوتس للمخطوطات القديمة – تتألَّفُ من نحو 3000 قطعة، وهي ثاني أكبر مجموعة من هذا النّوع في المستودع، وتأتي بطبيعة الحال بعد تلك المكتوبة بالخطّ الأرميني. وغالبيَّةُ هذه المخطوطات – نحو 2000 مخطوطة – هي باللُّغة العربيَّة، على عكس المخطوطات المكتوبة بالفارسيَّة أو غيرها من اللُّغات الأخرى المكتوبة بالخطِّ العربي. ورغم أنَّ هذه المجموعة الطّبيَّة العربيَّة تُعَدُّ جزءًا صغيرًا نسبيًّا من هذه المجموعة فإنَّها مجموعةٌ قيِّمةٌ تتألَّفُ من سبعَ عشرةَ مخطوطةً فقط، وتحتوي جميع المخطوطات الطبيَّة العربيَّة تقريبًا على نُصوص معروفة ألَّفَها أطباء مسلمون مشهورون في العصور الوسطى. وقد لجأت الباحثة إلى استخدام أسلوب المقارنة والتَّعريف؛ فقارنت مخطوطات الماتندران بنماذجَ أخرى محفوظةٍ في جميع أنحاء العالم، وتحقَّقَت من عناوينها ومؤلِّفيها واكتمال محتواها، كما قدَّمت لها وصفًا مستفيضًا. وقد قصدت الباحثةُ من تقديم هذه المجموعة القيِّمة من المخطوطات الطبيَّة العربيَّة، التي تُشَكِّلُ جزءًا من التّراث العربي الإسلاميِّ، خدمةَ الباحثين المولعين بالنّشر النّقديِّ للكتاب الطّبيِّ المخطوط.‬

‫أما مراجعات هذا العدد فهي خمس تتناول آخر الإصدارات في الفلسفة الوسيطية وفلسفة الدّين:‬

‫المراجعة الأولى لسعيد لبيب وتتناول الكتاب الجماعي ”فلسفة الدّين الإسلامية، دراسات من منظورات الفلسفة التّحليلية“. تكمن أهميّة هذا الكتاب في كونه أوّل عمل جماعي نقدي يطبّق منظور الفلسفة التّحليلية المعاصرة على بعض نظريات ومفاهيم الفلسفة الإسلامية الوسيطيّة، وبعض قضايا الفكر الإسلامي القديم منها والمعاصر، التي تدخل اليوم ضمن موضوعات فلسفة الدّين. وكما بيّن المُراجع، يكتسي الكتاب أهميّة بالغة بالنّسبة للمهتمّين بتاريخ الفلسفة الرّاغبين في التّعرف على نماذج ملموسة لتطبيق المناهج النّقدية الفلسفية المعاصرة على المعتقد والفكر الإسلاميين، سواءً سلبًا أو إيجابًا. وقد اتّبع الباحث في ذلك منهجًا تركيبيًّا يقوم على عرض أهمّ تمفصلات الكتاب، ومنهجًا مقارنًا يعرض الاختلافات بين العناصر التي يتألف منها كلّ فصل وكلّ قسم، هذا دون أن يغفل في الأخير عرض قيمة وحدود الدّراسات التي يحتويها الكتاب.‬

‫أما المراجعة الثّانية لمحمد بن ساسي فقد تناولت كتاب مفتاح حلَّاب، ”ابن سينا وقُراؤُه: الغزالي والشّهرستاني مثالًا“. وهي مناسبة اغتنمها المُراجع لإبراز تاريخ الدّراسات السّينوية في تونس، معتبرًا أنّ هذا الكتاب جاء ليعزّز التّراكم الذي بلغته هذه الدّراسات، من خلال اشتراكه في زخم الدّراسات والتّحقيقات المتعلقة بابن سينا في الجامعة التّونسية وفي بيت الحكمة، وربطه بشكل مّا، مع ماضي الدّراسات الغزاليّة في الجامعة التّونسية، وحتى مع مرحلة ما قبل تأسيس الجامعة، ويذهب المراجع إلى أنّ الكاتب تسلّح في بحثه بأدوات التّأويل والنّقد، حين قدّم جملةً من الانتقادات لما هو سائد من مقاربات تتعلّق بالفلسفة والفلاسفة العرب والمسلمين؛ ليبحث لنفسه عن موطىء قدم لقراءة تجمع بين التجديد. معلّلًا اختياره مراجعة هذا الكتاب لما تميز به من جرأة على قراءة النّصوص الأصليّة واتّساع المتون المعتمدة.‬

‫تقدّم لنا المراجعة الثّالثة النّشرة النّقدية الجديدة لكتاب أبي بكر ابن باجه الأندلسي التي أخرجها أستاذان في الفلسفة من المغرب، هما جمال راشق ومحمد أبو حفص. يتعلق الأمر بـ ”شروحات السّماع الطّبيعي لابن باجه على كتاب الطّبيعة لأرسطو“. والواقع أنّه لا يسع الدّارسين إلّا التّرحيب بمثل هذه النّشرات لمخطوطات التّراث الفلسفي العربي الإسلامي عامّة، ولآثار ابن باجه على الخصوص، الذي لا يزال المكتشف المحقّق من مؤلفاته نادرًا عزيزًا. وقد بيّن المُراجِع مميّزات هذه النّشرة مقارنة بالنّشرات السّابقة التي أصدرها ماجد فخري سنة 1976ومعن زيادة سنة 1978، وكذا الملاحق والاستدراكات التي حقّقها وأضافها بول ليتينك سنة 1994، فجاءت النّشرة تتويجًا للجهود السّابقة، خاصّة أنّها أخرجت النّص بالجمع بين مخطوطتيْ أكسفورد برلين (الأوفى والأتم) مع ما يقتضيه ذلك من مقارنات وتصحيحات لا يمكنها، حسب المُراجع، إلا أن تفيد المهتميّن بالفلسفة الطبيعيّة عند ابن الصّائغ.‬

‫واستمرارًا لما بدأناه في العدد الأول من تقديم آخر الإصدارات في اللّغات الأجنبية ممّا له صلة بمجال اهتمام مجلّتنا، تأتي المراجعة الراّبعة لشفيق اكّريكّر ”للترّجمة الإنجليزية لدلالة الحائرين“ التي صدرت في بحر هذه السّنة للأستاذين بجامعة فاندربيلت: لين غودمان وفيليب ليبرمان. تأتي هذه التّرجمة، كما أوضح المُراجع، في سياق تاريخ طويل من التّرجمات التي خُص بها دلالة الحائرين منذ الترّجمة التي أنجزها ابن تيبون خلال حياة ابن ميمون نفسه. وهي ترجمات تنقسم إجمالًا إلى ترجمات أمينة وأخرى مبِينة. فالأمينة تعتبر المؤلّف، فتحفظ الأوصاف الأصلية لنص الدّلالة بكل التباساته الفكرية والتواءاته اللّغوية في العربية، أما التّرجمات المبينة فتعتبر المتلقّي، أي اللسان المستقبل والحقل التّداولي المعاصر. وتنتمي التّرجمة الحالية التي بين أيدينا إلى الضّرب الثّاني، وهو خيار دافع عنه المترجمان مطوّلًا في مقدّمتهما المستفيضة. ويظهر من هذه المراجعة أن التّرجمة الجديدة زَوّدت الدّلالة بهوامش مستفيضة استفاضة تدعو إلى ترجمتها إلى العربية وإرفاقها بنشرة جديدة لدلالة الحائرين بالعربية.‬

‫أما المراجعة الخامسة فهي مراجعةُ الأستاذ أحمد كازى لكتاب ”المشهد الأخلاقي“ لصاحبه ”سام هاريس“، الذي يعالجُ موضوعًا راهنيًّا هو علاقةُ الأخلاق بالعلم والدّين؛ إذ السّائدُ أنَّ أصلَ الأخلاق هو الدّين، إلّا أنَّ الكاتب عملَ على الفصل بينهما مؤكِّدًا أهميَّةَ العلوم العقليَّة؛ أي البُنى العصبيَّة للدّماغ، التي جاءت نتيجة التّحوُّلات التي أصابت نظريَّةَ التّطوُّر بمباحثها الخاصَّة بعلم الوراثة وعلم الجينات وعلم الأعصاب. والمحرِّكُ لهذا الجمع بين العلميِّ والأخلاقيِّ هو إمكانيَّةُ الوصل بين بُعدَيْن أساسَيْن في الحياة الإنسانيَّة، هما الرّفاه والوعي، بتأكيد أنَّ للمشهد الأخلاقيِّ بُعدًا دُنيويًّا. ويؤكِّدُ الكاتبُ أنَّ جوهرَ الحقيقة الأخلاقيَّة هو بتمثُّلِها خارجَ التَّجارب الإيمانيَّة الدّينيَّة. وقد عمل الباحثُ على تقديم محاور الكتاب عبرَ بعض النُّصوص الأساسيَّة ومناقشتها، بتأكيد أهميَّة البناء المفاهيميِّ من مثل الوعي والرّفاه والحقيقة والدّين والإيمان.‬

‫تلكم هي دراسات ومراجعات العدد الثّاني، انتقيناها من بين ما وصلنا من أبحاث، وكل ما ترجوه هيئة تحرير المجلة أن يوافق هذا العدد أفق انتظار القارئ المهموم بالقضايا الفلسفية الوسيطية وقضايا فلسفة الدين. وإنّ المجلّة لترحّب – مجدّدًا – بكل الأبحاث التي تدخل في نطاق اهتمامها، لا تراعي فيها إلّا الجودة الأكاديمية المنشودة، والإسهام الفلسفي الأصيل، كما ترحّب المجلّة بالمراجعات النّقدية للكتب الفلسفية الحديثة الصّدور، إسهامًا من المجلّة في التّعريف بها في أوساط المهتمين.‬

‫إبراهيم بورشاشن‬

‫رئيس التّحرير‬

Content Metrics

All Time Past 365 days Past 30 Days
Abstract Views 0 0 0
Full Text Views 1724 281 94
PDF Views & Downloads 419 139 4